انتهاء عصر "العولمة"

24-3-2020 | 12:40

 

دشن الرئيس الأمريكي - من حيث يدري أو لا يدري - لعصر جديد بتسمية الوباء العالمي باسم " وباء الصين "، تسمية مرت وكأنها مجرد مكايدة سياسية، لكنها تسمية كاشفة لعالم جديد وغريب على أمريكا والعالم، إذ عرى فيروس كورونا دول العالم الأول، وأظهر هشاشة ترسانتها التكنولوجية، بينما برزت دول العالم الثاني كدول صلبة وأكثر قوة ومتانة.. ظهرت الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة...بصورة الدولة القوية، القادرة على تحقيق النصر، حتى لو باغتها عدو غامض.. في هذا الوقت كان على أوروبا وأمريكا أن تتعلم من التجربة الصينية ، لكن غرور العظمة، ولغة الاستعلاء، أوقعت هذه الدول في وحل الوباء.. منذ بداية الأزمة ظهرت أمريكا وكأنها غير معنية بفيروس أطلق عليه زعيمها اسم "فيروس الصين"، وراح يغرد "سينتهي الأمر بحلول إبريل المقبل.. لم يأت إبريل الموعود إلا وأمريكا تسقط في المستنقع نفسه.. ينهار النظام الصحي في نيويورك، أو يوشك على الانهيار.. يصرخ عمدة المدينة ويستنجد بالدولة الفيدرالية، ويستغيث بالقوات المسلحة.


ويلجأ البنتاجون - أقوى وزارة دفاع على الكرة الأرضية - إلى تقليص عدد العاملين بمقره.. بل ويعلن وزير دفاع أمريكا العظمى أن الفيروس أثر على خطط واستعدادات الجيش الأمريكي.

تخبطت أوروبا، وظهرت في صورة من يعوزه العلم والقوة.. ترنحت أوروبا وسقط اتحادها، حيث غُلقت الأبواب، وعزلت كل دولة نفسها وعادت إلى حدودها، كأن الاتحاد كان وهماً.. لا نظام صحيا موحدا ومتعاونا، ولا توحد أمام المحنة. وإذا لم تكن الوحدة مجدية وقت الشدة، فما قيمتها وقت الرخاء؟

راحت كل دولة تتخندق وراء قوميتها وقطريتها، بل وبدأت تنقلب على قيمها، فالرئيس الفرنسي قالها مدوية: "قد نضطر للتأميم" غابت مبادئ الرأسمالية، وتراجعت الحرية الاقتصادية.

وإذا كان المنتصرون في الحروب وحدهم يكتبون التاريخ، فسيكتب من هزم كورونا التاريخ الجديد.. وأول من أصيب بالمرض هو " العولمة "، التي غابت تماماً أمام وباء عالمي، كان ينبغي مواجهته بآليات العولمة بدلاً من تبادل التهم والبحث عن شماعة المتسبب.. وبما أن نجم العولمة أوشك على الخفوت والتواري خلف كوارثه وصراعاته وحروبه وانحطاطه، ستستيقظ دول كثيرة على حالة من العزلة تدفعها للنظر إلى الداخل، ستصحو كثير من الدول لتتلفت حولها، فتجد نفسها حاربت بمفردها، وواجهت حرباً شرسة بإمكاناتها - كبيرة كانت أم صغيرة - لقد تراجعت عمليات الإمداد من الدول الصناعية المصدرة إلى الدول المستوردة المستهلكة بصورة تجعل كثيرا من الدول تدبر احتياجاتها بنفسها، وتقلل من اعتمادها على الاستيراد، أو تلجأ لبدائل أقل كلفة في الاستيراد.

الأمر لا يخص فقط صناعة الدواء، التي برزت الحاجة لتوطينها، رغم صعوبة ذلك، لكن الأمر سيمتد إلى الغذاء، ومستلزمات الإنتاج، وإنشاء صناعات جديدة، وإحياء صناعات قديمة، الدول التي ستفعل ذلك هي الدول التي تعلمت الكثير من درس كورونا القاسي.

حضور الصين عالمياً سيكون أكثر قوة وتأثيرا مما مضى، وربما تخلق نوعا جديدا من الشراكة يقوم على التوازن والمقايضة، ويقضي على أنانية الرأسمالية، وتوحش العولمة .. شراكة تستثمر إمكانات وثروات الدول الصغيرة، من دون ابتزاز أو ضغط وتهديد.. من دون خلق نزاعات وحروب لتحقيق المكاسب.

فيروس كورونا سيوقظ الدولة الوطنية، وسيزيد من الشعبوية والقومية.. سيفكك اتحادات، ويعطل صناعات: "بيونج الأمريكية أغلقت أبوابها ولو مؤقتا"..سيقلل كورونا حتماً من الهيمنة الأمريكية.. وسيجعل بقية القرن الواحد والعشرين في يد الصين أكثر من أمريكا.

وبهذا يكون ما أطلق عليه دونالد ترامب فيروس الصين هو "فيروس الصين العظيم"

مقالات اخري للكاتب

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات (١ – ٣)

حين تشتد الأزمات في مجتمع ما يبحث الناس عن المعلومات، مثلما يبحثون عن السلع، وفي سبيل سعيهم للوصول إلى الحقيقة قد يقعون ضحايا للمعلومات المغلوطة والمضللة، والسلع الفاسدة والمضرة.

مادة إعلانية

[x]