طالبان 2020.. والخيبة القوية لحملة ترامب!!

22-3-2020 | 20:13

 

عقب زيارة ميدانية لأفغانستان، في أواخر أكتوبر 2018، لم أكن أقرأ الودع، عندما طرحت في "بوابة الأهرام" هذا العنوان: هل خسرت أمريكا الحرب في أفغانستان؟!

قبل تسليم الأطراف الموقعة بالهزيمة، في 29 فبراير 2020 بالدوحة، رأيت - بعيني- المشهد الأمريكي المنسحق، في ساحة أطول حرب، يخوضها الجيش الأقوى عالميًا خارج حدوده، كذلك، قرأت المشهد الأمريكي المهزوم، في وجوه الحاضرين لمؤتمر أمني - دولي، عقد في قلعة محصنة بمدينة "هرات" الأفغانية، بمشاركة خبراء من 20 دولة، بتنظيم من المعهد الأفغاني للدراسات الإستراتيجية بـ "كابول".

فور إقرار الإدارة الأمريكية بالخسارة في حربها بـ أفغانستان، فسر الكارثة – بمهارة - كبير المراسلين في دورية " فورين بوليسي" الأمريكية، مايكل هيرش، بأن حرب أفغانستان تعد أسوأ كارثة إستراتيجية لأمريكا في تاريخها الحديث، ليس – فقط - للمؤسسة العسكرية، ولكن- أيضا- لكل الدوائر الأمريكية، التي اتبعت السياسات الخطأ، في المكان الخطأ، وفي التوقيت الخطأ، ومع الشركاء الخطأ.

بالنسبة لإدارة ترامب، يتضمن محتوى صفقة 29 فبراير مع طالبان، على بنود تبدو- في الظاهر- أنها ترضي المخاوف الأمنية والاقتصادية الأمريكية، وتحقق لـ واشنطن أما: خروجا آمنا من أفغانستان، أو وجودا ميسور التكلفة في قلب آسيا.

قمة نجاح الصفقة - في المفهوم الأمريكي- يعني الفوز بالوجود ميسور التكلفة في قلب آسيا، أما الفشل الذريع فهو يتمثل فيما يمكن وصفه بالخروج الآمن لقوات أمريكا وحلفائها من المستنقع الأفغاني، أي اللحاق بـ هزائم تاريخية، منيت بها جيوش الغزاة لأفغانستان، منذ الإسكندر المقدوني وبريطانيا العظمى والسوفييت.

على مدار الحقبة التي أمضاها الرئيس الأمريكي ، ترامب، لم تفلح إدارته في الفوز بأي من الصفقات، التي سعى- باستماتة- لاستخدامها في حملته الانتخابية المقبلة، بدءا من البرنامج النووي بكوريا الشمالية وإيران، ومرورا بالوضع في فنزويلا، وانتهاء بما سمى بصفقة القرن لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي.

هذا الفشل الذريع في تمرير صفقات أمريكية بأي ثمن، لاستخدامها في دعاية انتخابية، أصاب فريق ترامب - الذي يفتقد للكفاءة والمهارة والخبرة- باليأس والذعر، وجعله ينصاع لنصائح لاعب بارع في باكستان، ولممول غني في قطر، وصولا لفرض صيغة تسوية استسلامية إجبارية على شركائه في كابول!!

كبير المفاوضين الأمريكان، زلماي خليل زاد، هو نفسه سفير واشنطن الأسبق في أفغانستان، ويوصف بأنه تلميذ - غير نجيب - بمدرسة "الفوضى الخلاقة"، التي جرى اللعب بورقتها الخطيرة - وثبت فشلها- في العديد من النزاعات الدولية.

تكفي نظرة فاحصة لـ"بركة مدرسة الفوضى الخلاقة" في المشهد السياسي الأفغاني الراهن، حيث: شعور عام بعدم الارتياح من جميع أطياف الشعب الأفغاني تجاه صفقة الدوحة، وتنصيب رئيسين للجمهورية، وصعوبات جمة في تسمية قائمة بأسماء وفد أفغاني موحد، في مواجهة طالبان ومن ورائها في باكستان، وتعزيز المعارضة الداخلية، والنظر إليها باعتبارها الأكثر انفتاحا لقبول تسوية.

أقرب وأدق وصف للمستنقع الأفغاني الراهن، كتبه مدير عام المعهد الأفغاني للدراسات الإستراتيجية في كابول، داود موراديان، حيث يشبه مراسم التوقيع على " صفقة 29 فبراير بين واشنطن وطالبان"، بحفل غداء - أو عشاء- جرى تنظيمه في الدوحة، وبدا المشهد وقتها، على النحو التالي:

اختارت باكستان قائمة الطعام، قام بطبخها المبعوث الأمريكي، زلماي خليل زاد، جرى طبخها في مطبخ ألماني، لتقدم في مطعم نرويجي، وقامت قطر بدفع الفاتورة.

في وصفه لمشهد التوقيع على الصفقة، أضاف داود موراديان قائلا: على مائدة الطعام هذه، فازت حركة طالبان بالمقبلات، فيما جرى تخصيص الطبق الرئيسي لكل من باكستان وحملة الرئيس الأمريكي ترامب، وفي نهاية المطاف، قد لا يتبقى للحكومة الأفغانية - من هذه الوجبة - إلا قدر محدود من الحلوى، يتمثل في منحها عددًا من الدوائر الانتخابية، وقد تفوز المرأة الأفغانية ببعض الحقوق - إن وجدت؟!

هذا المشهد التخيلي الهزلي - لمائدة المستنقع الأفغاني - قام خبراء من المنظمات والمعاهد الأمريكية، وكذلك الأمم المتحدة، بالترويج له وإصدار شهادة صحية بسلامة مكونات طبخته، أما حقوق الطبع والنشر فهي محفوظة للتاج البريطاني!!

سؤال: هل تفلح صفقة "الدوحة" التي انضمت لقائمة مدن، بطول وعرض الخريطة، استضافت اجتماعات، لإيجاد تسوية سياسية للأزمة الأفغانية، منذ عام 1979، وهي: نيويورك وموسكو وجنيف وإسلام آباد وبيشاور ولندن وطشقند وطهران ونيقوسيا ومكه وبون وباريس وبكين وعشق آباد وأبوظبي، وجدة.

في زيارتي الثانية لأفغانستان - أبريل 2019- التقيت مع دبلوماسي أفغاني مخضرم، يتحدث اللغة العربية، وفهمت من الحديث المطول معه، أن أية صفقة - منفردة - بين الإدارة الأمريكية وطالبان لن تحقق التسوية السياسية المرجوة في أفغانستان، ليس- فقط - بسبب حالة الضعف والهوان التي يبدو عليها المفاوض الأمريكي، أملا في استخدام ورقتها في الدعاية الانتخابية، ولكن بسبب تكوين حركة طالبان نفسها.

فقادة طالبان 2020، الذين وقعوا في مرمى حملة ترامب الانتخابية، البائسة، بدوا - من حيث الشكل- مختلفين عن أجيال سابقة من قادة- تاريخيين- مثل: الملا عمر والملا منصور، فيما الزعيم الحالي للحركة، مولوي أخوندزادا، ما هو إلا مديرا وليس قائدا أعلى لتنظيم عصابي، لولا الدعم، الذي يتلقاه من جنرالات باكستان لاختفى.

في كتاب صدر بعنوان "طالبان" لأشهر الصحفيين الباكستانيين، أحمد رشيد، جاء فيه: "أن حركة طالبان تضم في صفوفها أعضاء يمكن وصف غالبيتهم - بما أسماه - "زبالة" المجتمع الأفغاني، وهم مجرد بقايا لعناصر مشبوهة من مخلفات الحروب الأفغانية المتصلة، على مدى 4 عقود، غير الموثوق فيهم، الذين يأكلون على كل الموائد، حسب وصف شركائهم في الإرهاب مثل القاعدة وداعش!

Kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

اتفاق أفغانستان .. وتحايل على التسليم بالهزيمة

اتفاق أفغانستان .. وتحايل على التسليم بالهزيمة

بردا وسلاما على أفغانستان .. أم قفزة للأسوأ؟!

ها هي خطة الرئيس الأمريكي ترامب لإحلال السلام في أفغانستان تدخل حيز التنفيذ، بعد التوقيع عليها بالأمس مع حركة طالبان، التي كانت مصنفة إرهابية حتى وقت قريب، بالعاصمة القطرية، الدوحة، بحضور ممثلي الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والدول المجاورة لأفغانستان.

تشجعي يا صين.. اصمدي يا ووهان

.. والصين تكافح بكل قوة وشراسة فيروس "كوفيد – 19"، المعروف باسم كرونا اللعين، تلقيت اتصالات هاتفية من منظمات وجمعيات أهلية مصرية، ورسائل إلكترونية من أفراد عاديين، معبرة عن التضامن مع الصين، استجابة لما دعوت إليه، منذ أسبوعين، بوجوب تقديم مبادرات تضامنية شعبية تجاه الصين.

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

مادة إعلانية

[x]