أيام مع نجيب محفوظ (6)

17-3-2020 | 19:43

 

كان نجيب محفوظ يكره الإرهاب بكل صوره وأشكاله، خصوصًا الإرهاب الذي يتدثر بعباءة الدين، وكان معولاً ضده بالرأي المباشر وبالإبداع.

وقبل محاولة اغتياله كان قد أبدى لي تأثرًا كبيرًا بحادث تفجير "مقهى وادي النيل" في ميدان التحرير، وسألني عنه، وفكرت في أنه لم يكن يعرفه بدقة، تشابهت عليه المقاهي، وهو نجمها بامتياز، أو ربما يريد أن يسألني عن تأثير التفجير على المقهى.

فعندما كنت معه في إحدى جلسات الجمعة في كازينو قصر النيل من ذلك المساء في شهر فبراير سنة 1993، وصممت على توصيله إلى منزله القريب بسيارتي الـ128 البيضاء، طلب مني أن يرى المقهى إن لم يكن هذا يزعجني أو يعطلني ويؤخرني عن شيء، فضحكت وقلت له إنه شرف لي، وهدأت من القيادة أمام المقهى، وكان مغلقًا للتحسينات على ما أتذكر، ونعت الإرهاب يين بأنهم أعداء الحياة.

وأنزلته بعدها أمام بيته وودعني شاكرًا، لم يقل لي تفضل، وابتسمت.. وقبل رحيله بأربعة أشهر، انزعج نجيب محفوظ بشدة من حادث منتجع دهب في سيناء، كما انزعج أيضًا من وجود قانون ممتد للطوارئ، وقال للكاتب محمد سلماوي في الأهرام إن ‏"وجود قانون طوارئ عام إنما يسيء إلى صورة مصر أمام العالم‏"‏؛ لأنه "يؤكد كل يوم أن الأوضاع في مصر غير مستقرة"‏.

وفيما بعد كنت هناك أمام باب مستشفى الشرطة بالعجوزة، بعد أن وصلت يد الأرهاب إلى رقبته، لكن الله سلم.

وكان السبب المعلن هو تنفيذ فتوى بقتل محفوظ بسبب رواية " أولاد حارتنا ".. تلك الرواية التي ظلت تزعجه حتى النهاية بسبب التفسيرات الخاطئة، وكانت مزعجة كذلك لكثير من المبدعين خوفًا عليه وإشفاقًا على أنفسهم.

فقد كتب صاحب "رأفت الهجان" الروائي صالح مرسي في صيف 1989 في مقال شهير بمجلة "المصور" محذرًا من فتوى قتل نجيب محفوظ ، وذهب إلى تخيل حاكم مجنون قد يأمر بهدم الهرم الأكبر؛ لأنه بني كمقبرة لفرعون أسمه "خوفو"، وتساءل مرسي: هل يستحق نجيب محفوظ الموت لأنه أنار حياتنا لنصف قرن من الزمان؟! كما سببت الرواية إزعاجًا شديدًا لوزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة من زملائه الوزراء، حينما كانوا يسألونه عن إسناد منصب مدير الرقابة ل نجيب محفوظ وهو مؤلف رواية غير مسموح بنشرها.

كما ظن كثيرون أن مسرحة رواية "بداية ونهاية" ما هي إلا عملية تمويه من نجيب محفوظ لوضع روايته " أولاد حارتنا " على خشبة المسرح وهو مدير الرقابة، وتم إنهاء عروضها، ولم يكن هناك أي صلة بين الروايتين.

وفيما بعد قال الكاتب أسامة أنور عكاشة للأديب يوسف القعيد الذي لمح خلو "ليالي الحلمية" من شخصيات إخوانية، بينما كانت الحلمية معقلا لهم في السنوات التي تغطيها الليالي، إنه خاف من "أن يحل دمي مثلما حدث مع نجيب محفوظ ".

كان موقف نجيب محفوظ من روايته " أولاد حارتنا " هو نفس موقف الدولة، الرواية نشرت في صحيفة "الأهرام" على حلقات، ومرت، لكن ممنوع طبعها في كتاب، وطبعها ناشر في لبنان ووزعت في دول عربية قليلة منها الأردن، وامتلكت نسخة عن طريق صديق مصري قادم من الأردن.

وأصبحت من المميزين ولا يعرف أهمية الكتاب الممنوع أكثر ممن يملكه، وبالتالي يمنح ويمنع، لكنه أيضا تزداد فيه المطامع. وإذ عرف الكافة بملكيتي لهذه النسخة حتى تكالب عليها كثيرون، مثل "لؤلؤة" جون شتاينبك، فقد بدأت خطة لسلبي أياها.. مثلما حدث بالضبط مع نسختي من كتاب لويس عوض "مقدمة في فقه اللغة العربية"، وقبل ذلك نسختي من رواية هنري ميللر "مدار الجدي"، ثم نسختي من "قصص من دينو بوتزاتي" ترجمة الدكتور حسن رفعت فرغل، وقتما كانت مصادرة.

وقد استفزيت مرة الدكتور سمير سرحان - وهو رئيس هيئة الكتاب - بأنه لا يستطيع أن يطبع كتبًا جريئة، فقال لي ماذا تريد مني أن أطبع "عودة الشيخ إلى صباه" أو "مدار الجدي".

وفي اليوم الرابع بعد نوبل كنت مع نجيب محفوظ في السيارة باتجاه مبنى التليفزيون في ماسبيرو ليدخله ربما للمرة الأولى أو الثانية في حياته، وافق من أجلي، وهو ما قاله لرئيس التليفزيون السيدة سامية صادق بالحرف الواحد، عندما شعرت بأنها لن تنام الليل بسبب عدم تصديقها لمجيء الأستاذ للمبنى، فذهبت إليه لتطمئن، فقال وهو يشير لي إنه سيأتي لأنه وعدني، وكنت قد رتبت حلقة جمعت فيها كل أصدقاء وتلاميذ محفوظ من الأدباء والفنانين، تديرها السيدة سميحة غالب حرم المرحوم الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، بعنوان "سهرة مع نجيب محفوظ ".

كان الأستاذ يعرف أنني أمتلك نسخة من رواية " أولاد حارتنا " ولا يعرف أنني فقدتها، سألني ونحن في سيارة التليفزيون عن استعارة الرواية لكي يقرأها رئيس مجلس الوزراء الدكتور عاطف صدقي الذي طلبها يوم زيارته لبيته لتهنئته بالفوز بجائزة نوبل.

لم يكن محفوظ يملك نسخة من روايته، وهذه حقيقة مؤكدة، ولا الحكومة تملكها، فقلت له إن روائيًا كبيرًا توسط لاستعارة النسخة من أجل ناشر صديق لإعادة طبعها، وأقنعني أن في ذلك خدمة للثقافة وضد الإرهاب ، وفي المقابل سيهديني الناشر عشر نسخ لأوزع منها على أصدقائي كما شئت.

ذلك الوعد لم يتحقق أبدًا، لكن بعدها باتت الرواية في كل مكان تطبع وتزور، ولا يحصل نجيب محفوظ على أي مقابل، لم يغضب، استغرب فقط عدم استئذانه، واندهش من الجرأة على هذا التحدي، ومرت سحابة حزن خفيفة، وسرعان ما عاد إلى تناول أفكار شتى، قبل أن نصل بسرعة إلى مبنى ماسبيرو.

مقالات اخري للكاتب

أيام مع نجيب محفوظ (7)

حكيت للأستاذ نجيب محفوظ عن أنني ارتبطت به مبكرًا منذ شاهدت مسرحية "تحت المظلة" علي مسرح محمد فريد نهاية الستينيات، كنت في المرحلة الإعدادية، ثم قرأت رواية

أيام مع نجيب محفوظ (5)

أيام مع نجيب محفوظ (5)

أيام مع نجيب محفوظ (4)

أيام مع نجيب محفوظ (4)

أيام مع نجيب محفوظ (3)

لقد فرضت نوبل التزامات على الأستاذ نجيب محفوظ؛ شعر معها بأنه بات بالفعل موظفًا لدى جائزة نوبل، فقد اضطر إلى الارتباط بمواعيد مع عرب وأجانب وبإجراء حوارات

أيام مع نجيب محفوظ (2)

كنت أمتلك من القدرة أو الثقة في علاقتي بالأستاذ نجيب محفوظ ما يكفي لأنقل له هواجس - أو ما فهمت أنها هواجس - لدى مبدعين كبار شعروا بانجذاب النقاد على مختلف توجهاتهم من اليمين واليسار له، تاركين - إلا قليلًا - كبار الأدباء الآخرين، فضحك ضحكته المجلجلة، وقال لي: "أصل أنا نجيب محظوظ".

أيام مع نجيب محفوظ (1)

اتصلت بالأستاذ نجيب محفوظ على هاتف منزله لأخذ رأيه في تحقيق لمجلة "المصور".

مادة إعلانية

[x]