في ذكرى الإسراء والمعراج

21-3-2020 | 19:39

ذكرى الإسراء والمعراج

 

علي شفيق الشيمي

قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".


أحدثت الإسراء والمعراج زلزالاً عنيفاً في نفوس وقلوب أصحاب العقيدة الهاشة وكانت حادثاً فارقاً في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث قوبلت بإنكار شديد من الكفار والمشركين، وكانت بمثابة غُربالاً للمسلمين وكاشفة لضعفاء الإيمان، أما المؤمنون الراسخون في الإيمان فقد قالوا: إن كان قد قال فقد صدق - أنصدقهُ في خبر السماء ونكذبهُ في خبر الأرض.

الإسراء والمعراج:

لقد جاءت الإسراء المعراج تثبيتاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وإزالة همومه وأحزانه، وإكراما له بعد جفاء قومه وعشيرته، وبعد الأذى الشديد الذي تعرض له وبالأخص عندما ذهب إلى الطائف يعرض عليهم الإسلام فلاقى منهم ما لقي؛ من تكذيب وسب وضرب بالحجارة من سفهاء وجُهلاء القوم والصبيان الصغار حتى سالت قدماه بالدم فدعا الله - عز وجل، فقال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟.. إلى بعيد يتجهمن أم إلى عدو ملكتهُ أمري إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أُبالي، ولكن عافيتُك أوسع لي- أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلُمات وصلُحَ عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبُك، أو أن يحل سخطُك، لكَ العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله".

ومعنى الإسراء: "يقال أسري من السّري" وهو السير ليلاً، والمقصود بقوله تعالى: "أسرى بعبده" أي- بالروح والجسد - جعل البراق يسري به، ويقصد بالإسراء- بالرحلة التي أكرم الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القُدس، بدأت رحلة الإسراء كما رواها النبي صلي الله عليه وسلم، بقدوم ثلاثة من الملائكة الكرام، بينهم جبريل، وميكائيل فشقوا صدره وغسلوا ما كان به من غل بماء زمزم ثم ملأوا قلبه إيمانا وحكمة، ثم عُرض عليه كأسان أحدهما لبناً والآخر خمراً فأختار صلى الله عليه وسلم اللبن، فبشره جبريل عليه السلام بالفطرة، ثم أركبه جبريل عليه السلام دابة يقال لها البراق التي تضع حافرها عند منتهى طرفُها، فانطلق إلى المسجد الأقصى يسوقه جبريل فأنزله طيبة فصلى بها، ثم أنزله طور سيناء بمصر المكان الذي كلم الله عز وجل موسى عليه السلام فصلى فيه ركعتين، ثم أنزله بيت المقدس فأنزله باب المسجد وربط البراق بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء ثم دخل المسجد ليلتقي أنبياء الله المبعوثين قبله فسلموا عليه وأمهم وصلى بهم.

المعراج: هو ما أعقب رحلة الإسراء من العروج بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى السموات العُلا حتى الوصول إلى مستوى تنقطع عنده الخلائق وقد ورد ذكر الحادثة في القرآن الكريم، قال تعالي: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى".

بدأت رحلة المعراج بصعود الصخرة المشرفة، إذ سار جبريل بالرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ثم حملهُ على جناحيه ليصعد به إلى السماء الدنيا ثم ارتقى إلى السماء الأولى واستفتاح فأذن لهما، فإذا هو النبي آدم عليه السلام، فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أكمل رحلة المعراج والتقى بالأنبياء إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى، والتي جذورها في السماء السادسة وتنتهي إلى عرش الرحمن، ثم تقدم جبريل بالرسول إلى الحجاب وفيه منتهى الخلق، فستلمه مَلك وتخلف عنه جبريل فارتقى به المَلك حتى بلغ عرش الرحمن، فقال تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)، وقف النبي مبهوراً أمام جلال الله فأنطقه الله بالتحيات، فقال عليه الصلاة والسلام: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلى آخر التحيات)، ثم فُرضت عليه الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، والتقى النبي بموسى عليه السلام، فقال موسى: ماذا فرض عليك ربك قال النبي صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة في اليوم والليلة، قال موسى: يا محمد أسأل ربك التخفيف ثم طلب النبي عليه الصلاة وسلام من الله تعالى التخفيف حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة، وخمسين في الأجر، وإن دل ذلك على شيء- دل على رحمة ربنا - عز وجل - بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأهمية الصلاة، ثم أدخله المولى عز وجل الجنة ورأى من آيات الله، فقال تعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، ( روي الترمذي رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلال فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟.. قال: ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب- فقلت: أنا عربي - لمن هذا القصر؟- فقالوا لرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقلت أنا محمد - لمن هذا القصر؟ قالوا: "لعمر بن الخطاب".

فقال بلال: "يا رسول الله ما أذنّت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت ورأيت أن لله عليّ ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما".

كان هذان المشهدان من أروع ما أثلج صدور المؤمنين حيث صارت الجنة واقعاً حياً لبعضهم، مع أنهم مازالوا يعيشون في الدنيا.

من دروس الإسراء:
* تعظيم مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين.

* تصديق وإيمان الصحابة للرسول في كل ما يقوله.

* ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على الحق، قال تعالى: "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا".

مادة إعلانية

[x]