رسالة مصر في إفريقيا (4)

21-3-2020 | 17:15

 

ولدت مصر إفريقية ؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة والثعبان والنسر والاثنتان الأوليان في الوجه البحري والآخريان في مصر العليا، ثم غلب وسيطرت قبيلة النحلة على الوجه البحري وقبيلة النسر على الوجه القبلي، ثم قامت الحرب بينهما وانتهت بانتصار النسر ملك مصر العليا.

وتغلبت مصر الإفريقية على مصر البحرية، ودام ذلك معظم عهد الدولة القديمة، واستقرت الأوضاع في البلاد، وأصبح شعب مصر شعبًا واحدًا متجانسًا، وساهم الجميع في بناء الدولة والحضارة المصرية، وساد الرخاء إلى أن تأتي هجمات الهكسوس وتتراجع الحضارة إلى حين ينهض المصريون مرة أخرى ويتخلصون من الهكسوس.

ثم جاء إخناتون بمذهب التوحيد الديني، وهو نفحة امتدت إلى مصر من مهبط الأديان الركن الجنوبي الشرقي من حوض البحر الأبيض من أرض فلسطين الحبيبة، ودام مجد مصر أكثر من عشرين قرنًا متوالية من أيام الأسرة الثانية عشرة وما تلاها، وهذا أطول زمان لمجد أمة ما من الأمم عبر التاريخ كله.

وبوجه عام تاريخ مصر له ثلاثة أبعاد أساسية، وهي إفريقيا والبحر الأبيض وآسيا، وهي في مجموعها تعطي تاريخ مصر حجمه وعمقه، ومن ثم توضح آفاق المستقبل الذي ينسج من التاريخ ظل الجغرافيا على الأرض؛ لأن الجغرافيا هي أم الحقائق؛ ولذلك لا يمكن إهمال أي جزء من الأبعاد الثلاثة الآن أو مستقبلا؛ لأن إهمال الناحية الشرقية والبعد الآسيوي يجلب كل الأخطار والبلاء الشديد؛ ومنها عادة يأتي العدو والخطر الكبير.

وإهمال إفريقيا يجلب الأخطار، وهذا ما نعانيه الآن من مشكلات المياه وسد النهضة، وأيضًا إهمال البحر الأبيض يهدد مكانة مصر، فهذه الأبعاد الثلاثة تحد حدود، وأبعاد الحضارة المصرية أمس واليوم وغدًا.

وبناء على ما سبق يتحدد دور مصر ورسالتها عبر التاريخ، وهذا الدور - وإن كان ينبع من الجغرافيا - يتعدى هذه الحدود إلى خارجها لحمايتها؛ فمثلا أمريكا لها حدود جغرافية محددة وثابتة، ولكن دورها وحدودها الحضارية يتعدى ذلك بكثير؛ ليشمل كثيرًا من أنحاء العالم الآن، ومصر تحديدًا دورها يشمل إفريقيا وآسيا والبحر المتوسط.

والأمم لا ترسم حدودها الحضارية بقوة السلاح فقط، كما ترسم حدودها الجغرافية؛ ولكن الحدود الحضارية تكون بالحضارة، ويمكن أن نسميه اليوم بالقوة الناعمة من علماء وفنون وثقافة بمختلف فروعها.

ومصر بتاريخها تملك الكثير من القوة الدافعة القادرة على حمل حضارتها خارج حدودها لكثير من أنحاء العالم، وهذه هي رسالة مصر عبر التاريخ وفى الوجود الإنساني، وإذا عدنا للبعد الإفريقي؛ حيث قامت مصر بفطرتها بواجبها ورسالتها نحو وطنها الإفريقي عبر تاريخها؛ حيث اعتاد المصري منذ العصور الأولى أن يتنقل عبر قارته بالتجارة والثقافة والحضارة، حتى فريضة الحج لكثير من البلدان الإفريقية كان يتم عبر مصر، وكان المستعمر دائمًا ما يسعى لوضع العراقيل لقطع هذه العلاقات، ومن خلال مصر انتشرت اللغة العربية في إفريقيا بدون معلم.

من هنا الدور الحضاري جذوره ترجع للماضي البعيد؛ حيث امتدت الحدود السياسية الغربية لمصر في العصور القديمة والوسطى إلى برقة، وقد كان هذا الإقليم جزءًا من مصر إلى أواخر أيام البطالمة، واستمرت هذه التبعية السياسية خلال العصور الإسلامية؛ ولذلك فالحضارة المصرية فيها عنصر ليبي ومغربي؛ حيث اختلط أهل الصحراء الغربية المصريون بالليبيين، وعلاقة مصر بتونس ترجع للماضي البعيد؛ حيث ارتبط القيروان كمركز للحضارة الإسلامية بالفسطاط، وأعظم فقهاء تونس مثل "أسد بن الفرات وسحنون" درسوا في الفسطاط؛ حيث قامت مدرسة القيروان على يد أساتذة مصريين، وامتد هذا التأثير إلى "وهران وتلمسان" بالجزائر و"فاس" بالمغرب، كما أن عددًا كبيرًا من الجالية اليهودية بمصر أصلهم من يهود تونس؛ حيث لم تتوقف الهجرة لمصر وكذلك ابن خلدون، وتعتبر اللهجة التونسية أقرب اللهجات للمصرية، وتعتبر الغزوة الهلالية الصادرة من مصر هي التي وضعت الأساس القوي لعروبة الجزائر، كما وصلت كتابات محمد عبده والأفغاني للجزائر.

وامتد الدور المصري للسنغال وليبريا وساحل العاج والنيجر وإقليم شنجيط، وهو اليوم جزء من موريتانيا وامتد إلى الحبشة ومدينة دنقلة غرب النيل.
 

 أي أن إفريقيا المدارية كلها كانت شديدة الصلة بمصر في القرن الرابع عشر، وقد استقرت في مصر بعض من هذه الجماعات، وما زالت أماكن في مصر تحمل أسماء أولئك الأقوام؛ فمثلا حي "بولاق الدكرور" منسوب إلى "أمة التكرور"؛ التي تعيش في كردفان وتعرف بـ"تشاد" الآن، وفي تراث ابن خلدون تفاصيل عن دور مصر في إفريقيا.

ولمصر دورها الكبير في انتشار المسيحية، ثم الإسلام في السودان، فقد دخلت المسيحية بلاد النوبة، ثم إلى الحبشة أو إثيوبيا في العصور الوسطى، وقام حبران مصريان بإنشاء الكنيسة الإثيوبية؛ ولذلك استمرت تبعيتها للكنيسة المصرية.

وجاء الإسلام، ومن مصر انطلق للسودان وغيرها من البلدان الإفريقية، ثم كان الفتح المصري للسودان أيام "محمد علي" فتحًا حضاريًا، وقام المهندسون المصريون بإنشاء الخرطوم عاصمة السودان، بالإضافة لنشر التعليم والثقافة بوجه عام؛ ولذلك من الصعوبة حصر شائعات ومساهمات الدور التاريخي والحضاري لمصر في إفريقيا.

ودور مصر المعاصر في مصر الناصرية في قيادة حركات التحرير في العالم بوجه عام، وفي إفريقيا بوجه خاص من الجزائر والمغرب العربي بوجه عام إلى الكونغو وغانا؛ حيث يعرف الأفارقة قيمة الدور المصري، ويطلقون على ناصر اسم " أبوإفريقيا "، واسمه في أكبر الميادين للآن، ويفخر بذلك "منديلا وبومدين ونكروما".. وغيرهم، فهذه هي مصر ورسالتها.

مقالات اخري للكاتب

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

كورونا فرصة للاستثمار (5)

قال الدكتور محمد عبدالعال، رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي إن مصر قادرة على تحويل أزمة كورونا إلى فرصة للاستثمار؛ من خلال توطين الصناعة وزيادة الاهتمام بالزراعة.

كورونا وهجرة العقول (4)

تصاعد أزمة كورونا كشفت ضعف المنظومة الصحية في معظم دول العالم، وأيضًا ضعف منظومة البحث العلمي والتعليم في كثير من الدول؛ ومنها دول كبرى وعظمى، وبالطبع سوف يؤدي هذا إلى تغيرات كبرى على مستوى العالم في شكل العالم بعد كورونا.

من يدفع ثمن كورونا؟ (3)

كورونا لها تكلفة باهظة وثمن غال على الصحة والاقتصاد، والله سبحانه وتعالى وزع الأعباء الصحية على جميع بلدان العالم بأسره بحكمته وعدالته بين الجميع، ولم يكن هناك فرق بين أمير أو رئيس وبين أي عامل نظافة أو غيره فهي العدالة البيئية في أجل صورها

بدائل السجون في عصر الكورونا

الهدف الأساسى من السجن إصلاح وتهذيب السلوك السلبى للأفراد الخارجين على قواعد المجتمع؛ ولكن الدراسات أثبتت أن السجون عادة ما تفشل فى تحقيق هدف الإصلاح والتهذيب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

ما بعد الحداثة والدعم النقدي (9)

تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول الدعم لمستحقيه يجب دراستها بدقة لضمان نجاح مواجهتها.

[x]