"فوبيا" كورونا!

11-3-2020 | 19:15

 

ما تعرض له مواطن صيني، لمجرد أنه صيني، على الطريق الدائري، يعكس حالة "فوبيا" من فيروس كورونا نجحت الميديا العالمية في تأجيجها؛ لدرجة وصف أحدهم وسائل الإعلام العالمية بأنها هي التي صنعت الحدث، وتعمل على تأجيجه!!

ومن المثير أن فيلمًا أمريكيًا عام 2011 هوcontagion جسّد ما يجرى حاليًا، بالصوت والصورة، من خلال قصة فيروس قاتل ينتقل من الخفافيش، ويبدأ من الصين وسرعان ما يتحول إلى وباء عالمي يقتل 26 مليونًا في فترة قصيرة، وتوقفت معه كل مظاهر الحياة تمامًا.. في هذه الأثناء يتوصل الأطباء إلى لقاح، وبعد مروره بكل التجارب وثبوت فعاليته، تتطوع طبيبة بتناوله وتذهب لزيارة أبيها المصاب من دون قناع، فلا ينتقل إليها الفيروس ويتم إنقاذ البشرية!!

هذه القصة تشبه أخطر مغامرة علمية في التاريخ، حين ضحى العالم إدورد جينر في 14 مايو 1796 بابنه الوحيد لتجربة تطعيم الجُدري، الذي كان متفشيًا آنذاك وحصد 60 مليون شخص، وفشل جميع العلماء في وأده؛ لكن جينر حقن ابنه بجدري البقر ثم جدري البشر، بعدما لاحظ أن مربيات الأبقار وبائعات اللبن، لا يصابون بالجدري البشري، ونجحت التجربة وعاش الابن وكسب العالم أعظم إنجاز طبي في التاريخ؛ وهو فكرة التطعيم التي أنقذت مئات الملايين من البشر.!

وهذا لا ينفي أن الغرب صاحب سجل سيئ في التربح من "أمراض العالم"، فبريطانيا أرسلت جفري أهرست في زيارة للهنود الحمر عام 1710 لدراسة إمكان استعمار أجزاء من جنوب القارة الأمريكية، واستقبله البؤساء بكل حفاوة وأعطوه الكثير من الذهب كهدايا، فرد لهم الهدية بأخرى "بطاطين موبوءة بالجدري"، فاستقبلوها بفرح بالغ، وغادر هو القارة مخلفًا وراءه مرضًا فتك بنحو 15 مليون هندي، وهى أول حرب بيولوجية في التاريخ!!

وعلى عكس ما حدث مع " سارس "، برغم أن وفياته كانت تبلغ 10%، مقارنة ب كورونا التي لا تتجاوز حتى اليوم 2.9%، فإن فوبيا كورونا اجتاحت العالم كله، لدرجة منع السفر والتجمعات والدراسة، بل وحجر صحي وحظر جوي في بعض مدن ودول العالم، وصاحب ذلك كله بالقطع خسائر اقتصادية بالمليارات في البورصات العالمية..

ما يُحسب للصين أنها لم ترتبك من كورونا ؛ بل واجهته بالعلم والتكنولوجيا، فعلميًا أعلنوا قبل يومين عن علاج مضاد للفيروس توصلوا إليه، واستخدموا لأول مرة تكنولوجيات حديثة لمكافحة ومراقبة كورونا ، منها الروبوت وطائرات الدرونز، وكانت تطبيقات الموبيل المستفيد الأول من أزمة كورونا ، فمن خلالها يستطيع المواطن معرفة الأماكن التي يمكنه التجول فيها بأمان، ورصد أي شخص مُصاب والأماكن التي زارها، وعما إذا كان بحاجة إلى وضعه في الحجر الصحي لمدة أسبوع أو 14 يومًا، واستعانت بطائرات الدرونز المزودة بمكبرات الصوت لتحذير الناس من نزع أقنعتهم، وفى نقل العينات الطبية بين المدن، واستعانوا بالروبوت برفقة رجال الأمن لإجراء التصوير الحراري للناس في الشوارع، وطوروا تقنيات يمكنها مراقبة سلوكيات الناس ورصد شخصياتهم بدقة في أكثر المناطق ازدحامًا..

الموضوع من دون شك له أبعاد اقتصادية رهيبة، وربما سياسية تعكس فترة مخاض لميلاد نظام عالمي جديد تتقاسمه أمريكا والصين، فهناك من يرون أن الصين وجدت في الفيروس فرصة لإخراج المستثمرين الغربيين من شركات التكنولوجيا الصينية، واشتروا أسهمهم بمبالغ زهيدة شبه مجانية، وحصدت 20 مليار دولار خلال يومين، والأمريكيون أنفسهم جنوا المليارات من الفيروس، فموقع أمازون ـ مثلا ـ ربح 13 مليار دولار في دقيقة واحدة بعد توقف الملايين عن الشراء من موقع إكسبريس الصيني نتيجة الأخبار المثيرة للرعب القادمة من الصين!

وشركات الدواء الغربية هي المستفيد الأكبر، ويحدوها الأمل في أن تصل لأدوية أسرع من منافسيها لتجني الربح الأكبر، ففي عام 2003 وفى ذروة انتشار " سارس " جنوا ملايين الدولارات من تصدير دواء "زاداكسين" إلى الصين، وهو ما تكرر مع إنفلونزا الخنازير؛ حيث تجاوزت مبيعات عقار تاميفلو مليار دولار عام 2009، وكان أحد إداريي الشركة المنتجة "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي حتى عام 2006، وأبرز صقور الإدارة الأمريكية في حرب تدمير العراق!

ما يبعث على الاطمئنان، وفقًا للصحة العالمية، فإن 80% من المصابين تكون لديهم أعراض خفيفة، ولا يحتاجون إلى العلاج على الإطلاق، وأن الأكثر عرضة للوفيات بسبب الفيروس كبار السن فوق الستين مع وجود أمراض أخرى، غالبًا ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والرئة والسرطان أو السكر، وأنه من السابق لأوانه معرفة كيفية تفاعل الفيروس مع الطقس الحار، وإن كان معروفًا عن الفيروسات الأخرى من نوع كورونا ، انتشارها ببطء شديد في الأوساط الدافئة، والسبب يكمن في الأشعة فوق البنفسجية التي تكون أقوى في الأشهر الدافئة والتي تقلص مدة بقاء الفيروسات في الهواء أو على الأسطح، حيث تفقد الكثير من السوائل وتموت.

وسواء تم تحضير الفيروس معمليًا بفعل أمريكي أو تسرب من المختبرات الصينية، فكما يقول المثل الشعبي "إللي حضر عفريت هيصرفه"، اطمئنوا، فلم تنتفض ألمانيا، حين صرحت ميركل بأن الفيروس قد يصيب 60% من السكان، ولم تهتز هولندا مخافة الفيروس؛ بل أعلنت حكومتها أنها لن توقف الدراسة، ولن تمنع حتى التجمعات والمهرجانات، وأمريكا التي توفي فيها العام الماضي 37 ألف شخص جراء الإنفلونزا العادية، لم تغلق أي شيء، برغم أن لديهم حتى الآن نحو 600 حالة كورونا مؤكدة و22 وفاة.. فكروا في الأمر!

وما زال العالم في انتظار طبيبة الفيلم الأمريكي أو شبيه العالم جينر؛ لكي يؤكدا فعالية اللقاح المضاد للفيروس، حتى يهدأ الناس وتتوارى فوبيا كورونا لبعض الوقت في انتظار كورونا آخر!!

مقالات اخري للكاتب

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

مادة إعلانية

[x]