الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

9-3-2020 | 19:01

 

أن تجد لنفسك مكانا بين الكبار في دنيا الصحافة ، لابد أن تعرف أولا كيف تتعلم منهم، وأن تتعود على الإصغاء، وأن تصبر على مصاحبتهم، وأن تبدو كبيراً في عيونهم، حتى ولو كنت أصغر منهم عمراً وموهبة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كنت تملك بالفعل أشياء لا تراها أنت وهم بخبرتهم وحكمة السنين التي اكتسبوها، يكتشفونها فيك، ويعرفون كيف يحولونها إلى طاقة خلاقة تدفع بك إلى الأمام، وهذه أولى صفات وقدرات القيادة الواعية، وهذا كان حالي مع الأستاذ مرسي عطا الله خلال مشواري معه في جريدة " الأهرام المسائي ".

عندما رجعت من مجلة "زهرة الخليج" إلى الأهرام، وعملت في نصف الدنيا، إلى أن التحقت ب الأهرام المسائي مع الكاتب الصحفي مرسي عطاالله، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أعمل فيها تحت رئاسته، فقد عملت معه من قبل في بداية حياتي الصحفية عام 1977 في مجلتي الزمالك والزملكاوية، حيث أتاح لي الفرصة لأكتب صفحة أسبوعياً بعنوان "ستاد الفن الزملكاوي" كنت أتابع فيها الحركة الفنية المصرية.

في "المسائي" أعاد مرسي عطا الله تشكيل تركيبتي الصحفية، فبعد ست سنوات من العمل في الصحافة النسائية، وهي صحافة تنتمي إلى عالم المجلات الأسبوعية، القائمة على التحقيق والحوار بشكل أساسي، وبعد أن كنت أفكر دائمًا بعقل واهتمامات نسوية- وهنا لابد من توضيح، حيث تعتمد الصحافة النسائية في مصر والعالم العربي على جهد الرجال وتفكيرهم- وإن كانوا يقولون إن وراء كل عظيم امرأة، فأنا أقول من واقع خبرتي ودراساتي في الماجستير والدكتوراه أن وراء كل مجلة نسائية ناجحة صحفيا رجلا.

المهم كان لابد أن تتغير بُصلة حياتي الصحفية إلى الخبر الصحفي السريع، وهنا تأتي عبقرية"مرسي عطا الله" الذي استطاع أن يجعلني أشم الخبر حتى ولو كان على بعد آلاف الأميال، أو أن أصنعه، حتى ولو كان متوارياً بين مجموعة أوراق أحضرها زميل من شباب الخريجين الذين عملوا معنا.

كنت أجمع حصيلة ما توافر لدينا من أخبار، وأصعد إليه بعد أن انتقل مكتبه إلى "برج" الطابق الخامس، كنت أدخل له أحيانا وأنا متردد، فلم أعثر على تقرير أو خبر يصلح من وجهة نظري ليكون هو "المانشيت"، كان يبادرني بالسؤال يوميا "يا أبو السباع" إيه المانشيت؟ وكثيراً في أيامنا الأولى ما كنت أقول له، "مافيش مانشيت يشيل الجورنال النهاردة"!!

لم يكن ينزعج، كان دائماً متفائلاً، يثق فينا، بابتسامته المعهودة، يرد: وريني عندك إيه، أعطيه كل ما عندي، يقلب الأوراق بنظرة فاحصة متأنية، وأنا أراقبه، تتابع عيني حركة عينيه السريعة بين الصفحات، وفجأة أراه يمسك القلم الأزرق، ويسحب الورق الفلوسكاب المسطر، ويبدأ الكتابة، وأنا في ذهول مما يحدث، أتعلم وأختزن، يربط بين أكثر من خبر، ويصنع منهم "مانشيت" جماهيرياً، وبتواضعه، يقول "خذ اقرأ المانشيت ده، واعتمده وابعته الجمع"- هكذا كان يفعل معي، حتى في مقالاته، لم يكن يستنكف أن أقرأ مقالته، قبل أن يدفع بها إلى المطبعة.

كنت أحمل أخبار الصفحة الأولى ومن بينها المانشيت الذي خلقه تخليقاً، وأهبط إلى صالة التحرير بالطابق الرابع، وأجلس لأرى كيف صاغ المانشيت، وكيف رأى بحسه الصحفي الرابط والعلاقة التي لم أفطن إليها بين تلك الأخبار التي ضفرها في تشكيل إخباري، بمهارة القائد العسكري، الذي يعرف كيف يؤلف بين عناصر قواته المختلفة ويجعل منها جيشاً يصنع النصر، ويغزو عقل وقلب القارئ.

هكذا كنت أتعلم منه كل يوم، حتى وصل بنا الحال إلى صناعة أكثر من مانشيت في اليوم الواحد، وكنا أحيانا نجهز مانشيتات أيام قادمة، وهذا ما جعل الأستاذ مرسي عطا الله يكتب لي إهداء في أول كتاب أصدره عن حرب أكتوبر بعد أن أصبح رئيسا لتحرير الأهرام المسائي ، ولا زلت حتى الآن أعتبر كلماته شهادة تكريم لي، وتعويضا عن كل ما لحقني بعد ذلك من عدم تقدير بعض الزملاء من قيادات الأهرام، يومها كتب يقول: " إلى زميلي الأستاذ/ إسماعيل إبراهيم، الابن الذي أدهشتني عبقريته، وبهرني نبوغه"، يومها بعد أن طالعت كلماته، قلت هذا هو الأستاذ حقًا، الذي يجعل من تلميذه أستاذاً.

كنا نعمل في الأهرام المسائي بروح التحدي، إما نكون أو لا نكون، كانت المهنية هي المعيار الأول في العمل، ولم يكن للواسطة مجالاً بيننا، كان بابنا مفتوحاً، لكل من يريد أن يصبح صحفياً، مادام يمتلك أدواته، ومادمنا نرى فيه أملاً، ومشروعاً يمكن أن يكبر ويكتمل، لم نكن نرد أحداً، وكان شعارنا "المية تكدب الغطاس"، كان الشباب يأتون إلينا، أكثرهم كنا لا نعرفه، ومن كنا نعرفه، كانت تعليمات رئيس التحرير أن تكون عيوننا عليه أكثر، وأذكر يوما أن جاء شاب بتوصية من أحد الكبار في جهة سيادية، يومها قال لي: "فلان" قريب مسئول كبير، ولكن إن رأيت أنت أنه غير مؤهل ليعمل معنا، فلا تهتم بمن أحضره، واطرده دون أن ترجع إلي!!

ليس هذا فقط، بل إن أحد الشباب الذين انضموا إلينا وهو "محمد صابر عيد" كنت أنا بمثابة خاله، فوالدته ابنة عمي، ووالده هو صاحب الفضل في التحاقي بالأهرام، ، يومها أيضًا قال لي مرسي عطا الله: "إسماعيل، محمد زيه زي أي واحد ماتعرفوش، لو موش كويس يمشي في أول فرز".

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ

"كمامة" لكل مواطن!!

نعم" كمامة" لكل مواطن،أعتقد أن ذلك أصبح أمراً واقعاً وضرورياً بعد أن أكد رئيس الوزاء أن ارتداء الكمامة سيكون إجباريا في كافة المنشآت بالدولة والمواصلات العامة، ولن يسمح بدخول أي مكان بالدولة دون ارتداء كمامة، وسيتم فرض عقوبات على المخالفين ممن لم يرتدون الكمامات.

"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

يقول الدكتور طه حسين: "ديوان الحياة المصرية المعاصرة" هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.

بين "الزعيم".. و"حروب الهوانم"

وسط حصار " كرونا" الإجبارى لأصحاب مهنة البحث عن المتاعب أمثالي، وجدت نفسي مقسماً بين قراءة القرآن الكريم ، الذي أتعلم منه يوميا ودائما كل جديد، فالقراءة

كل عام وأنتم رمضانيون قلبا وقالبا

الحمد لله لقد بلّغنا رمصان.. هلت لياليه الجميلة الحافلة بالرحمة والتراحم العامرة بالمغفرة والود والتسامح، وإن كنا نذوب شوقًا إلى الركوع فى المساجد وأن

رسائل على جناح "كورونا"!!

ما زالت معاناة الناس مع "كورونا" مستمرة، لا توجد أسرة مصرية أو عربية إلا وذاقت ألم هذا الفيروس؛ إما فقدًا أو فرقة أو تشتتًا أو تعطيل حال وزيادة نسبة البطالة،

[x]