ماتوا قهرا وآخرون في تعداد الموتى.. ماذا يفعل عقوق الوالدين بأهالينا؟

8-3-2020 | 15:50

أثر العقوق على الأهل - صورة تعبيرية

 

داليا عطية

يملك كل إنسان كنزا  هو "والداه" والجميع يعلم ذلك لكنّ كثيرين لا يدركون قيمة هذا الكنز .. آباؤنا وأمهاتنا ضحوا بكل نفيس في سبيل إسعادنا وتوفير متطلباتنا الحياتية وبذلوا فوق طاقتهم من أجل إسعادنا وخدمة مستقبلنا ليس من المعقول أن يكون جزاؤهم هو العقوق ولا يقتصر العقوق على التطاول أو التجاوز في حقهما أو أحدهما أو حتى التعدي سواء اللفظي أو الجسدي للأسف كما يصدر من البعض وإنما يمتد العقوق ليشمل حتى الألم المعنوي الذي لا يرتبط بتعدي واضح أو إهانة صريحة.

ولم يذكر الله فضل الوالدين في كتابه الكريم من فراغ، وإنما لعظمة وجلال دورهما في حياة الإنسان؛ فحين قال "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" كان يذكرنا بهذا الدور وتلك العلاقة المقدسة ويوصينا بهما خيرًا إذا ما بلغا مرحلة الكبر، ولكن كثيرًا منا يظن أن العقوق منحسر عند نص الآيه القرانية، وهو أن يقول لهما أو لأحدهما كلمة "أفٍ" ولا يدري أن العقوق له أشكالا عدة وآثارًا جمه يجنيها الإنسان العاق في حياة والديه وحتى بعد وفاتهما إذا لم يرضيا عنه قبل رحيلهما من الدنيا، فالكلمة التي تغضبهم هي عقوق وانشغالنا عنهم بأصدقائنا وهواتفنا هو عقوق حتى النظرة التي تزعجهم هي عقوق! ولعل زيادة قضايا عقوق الوالدين دفع أحد أعضاء مجلس النواب للتقدم بمشروع قانون قبل أيام لتغليظ عقوبة عقوق الوالدين للحد من هذه الظاهرة المجتمعية التى باتت تهدد السلام الاجتماعى.

تطاول عليه فمات متأثرًا بجلطة
سقط فتحي بدر 57 عامًا ضحية لعقوق ابنه الأكبر الذي تطاول عليه أمام الجيران واتهم والده بقوله: "أنت واحد ظالم" فأسرها الأب في نفسه وذهب لغرفته بعد أن طلب من ابنائه عدم دخول أحدهم إليه ليسمع بعد ذلك أفراد الأسرة  صراخ الأم في منتصف الليل فالأب غارقًا في نزيف دمائه غير المنقطع وقد توقفت أنفاسه؛ ليكتشفوا أنه تعرض لصدمة شديدة أصابته بجلطة  مات على أثرها.

رفع السلاح في وجهها فماتت قهرًا

وماتت آمال عبد المقصود 67 عامًا قهرًا لعقوق أصغر أبنائها الذي حصل على توقيع قسري منها بالتنازل عن نصف أملاكها له دون أشقائه الخمسة، وعندما رفضت الأم لعدم ظلم ابنائها الآخرين قام هذا الابن "العاق" بإشهار السلاح في وجهها وهددها بالقتل لتنتفض الأم الستينية رعبًا ممسكة بالورقه والقلم وتوقع على عقد  تنازل .. تقول آمال إبراهيم وهي الابنة الكبرى لم نكن نعلم شيئا عن هذه الواقعة، ولاحظنا فجأة فقدان أمي لوزنها فذهبنا بها إلى المستشفى وما إن لبثنا ساعة واحدة وكان الطبيب يخبرنا بوفاتها ليسقط شقيقي الأصغر منهمرا في البكاء ساردًا علينا ما حدث، ولكن بماذا يجدي الندم والبكاء لقد رحلت أمي وخسرناها جميعًا: "كلنا قاطعناه وعمرنا ما هنسامحه".

خدوا فلوسي وعيشوا معايا

وتعاني نادية سالم 86 عامًا من الوحده فرغم امتلاكها المال والسلطة إلا أن انشغال أبنائها عنها كلٌ بزوجته وأسرته يقتلها آلاف المرات كل ليله حتى إنها تقول لهم: "خدوا فلوسي كلها بس تعالو اقعدوا معايا" لكنهم يتعذرون بحياتهم العملية ويعوضون تقصيرهم معها بتوفير خادمة تلبي للأم كافة احتياجاتها وتعطيها الدواء في مواعيده المقررة لكنها تريد أبناءها فتقول لـ"بوابة الأهرام": أنا أم سهرت وربيت وعانيت من أجلهم ليس معقولا أن أطلب سؤالهم .. هذا يقتلني يابنتي".

يحتضنون هواتفهم بدلًا مني

ويتألم مصطفى راضي 56 عامًا بسبب انشغال أبنائه عنه فيقول لـ"بوابة الأهرام": "يحتضنون هواتفهم بدلا مني" مضيفًا: "بنشوف بعض وقت الأكل بس".

آلام قاسية

آلام قاسية على قلوب وأرواح آبائنا يعيشونها بسبب عقوق الأبناء وما يزيد القسوة هو أن يفضل الوالدان عدم الشكوي خوفا من رد فعل الابن العاق فيسرّونها في أنفسهم وهو ما يتسبب في جحيم يعيشونه بمفردهم وفي صمت قاتل؛ فبحسب حديث الدكتور وليد هندي استشاري الطب النفسي لـ"بوابة الأهرام" فإن الآباء والأمهات الذين يتعرضون للعقوق يتعرضون لأشد مواقف الخسه والأذى النفسي والنذالة فقد يصيبهم الإحباط وخيبة الرجاء ويرون أنهما لو كانا قد قاما بتربية أحد الحيوانات الأليفه "كالقطط والكلاب" لكانوا أشد وفاءً لهما من ابنائهم؛ فذلك الجحود قد يؤدي إلى إصابتهم بالاكتئاب النفسي الحاد ويعمق لديهم الشعور بالوحدة النفسية والإصرار على العزلة والانسحاب الاجتماعي مما يؤدي إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض والتي قد تذهب بهم إلى الوفاة مثل حوادث السقوط داخل المنزل ونشوب الحرائق والإصابة بالجلطات الدماغية، كما ثبت علميا أن مرض الزهايمر تشتد قوته وتتلاحق مراحله بصورة قوية وقاسية للمسن عند شعوره بعقوق الابناء "أحد أنواع الهروب النفسي" وكأن عقوق الوالدين وصفة بعنوان :" كيف تقتل والديك"؟!

أسباب العقوق

وبحسب حديث خبراء علم الاجتماع لـ"بوابة الأهرام" فإن عقوق الوالدين يرجع لانشغال الأبناء بحياتهم العملية سعيًا وراء المال أو حياتهم الاجتماعية؛ حيث أسرتهم وأبنائهم ومسئوليات الحياة أو لخلل في أسلوب التربية أو التأثر بما تعرضه الشاشة؛ سواء فن أو إعلام يؤثر على هذه العلاقة المقدسة أو عدم اتزان الإنسان العاق كإصابته بخلل نفسي أو تعاطيه مواد مخدرة وغالبا ما ينتج عن ذلك سب الوالدين وقفهم وضربهم؛ بل يصل الأمر إلى جرائم القتل.

ضعف مقررات التربية الدينية

الإنسان بطبيعته يشعر بقدسية العلاقه بينه وبين والديه وعندما يسيئ إليهما أو إلى أحدهما يشعر بأنه يرتكب جرمًا وهو ما أكده الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإنسانية لـ"بوابة الأهرام" قائلًا :" ليس هناك من لم يسمع قول الله تعالي :"وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا" .. ولكن .. لماذا العقوق ؟


يقول أستاذ الشريعة الإسلامية من أسباب عقوق الوالدين ضعف مقررات التربية الدينية في المؤسسات التعليمية مطالبًا بضرورة معالجة ذلك مضيفًا أن من الأسباب أيضًا غياب برامج تعمل على غرس مكارم الأخلاق بدلًا من برامج الإسفاف والابتذال .

أثر بر الوالدين

طاعة الوالدين هي امتثال لأمر الله تعالي وسبب من أسباب دخول الجنة ومن علامات الإيمان وفيه سعة للرزق فهو يعمر الديار ويدر الأموال وينعكس ذلك على الحالة النفسية فبحسب حديث الدكتور وليد هندي استشاري الطب النفسي يتمتع الإنسان الذي يقوم بطاعة والديه وبرهم بارتفاع الروح المعنوية ويكون هادئ النفس مطمئن السريرة اقل عصبية من أقرانه دائم الأمل شديد التفاؤل يتمتع بعلاقات هادئة ومتوازنة مع الآخرين محبوب اجتماعيا وأكثر مقدره في التعامل مع مواقف وضغوط الحياة كما أن طاعته لوالديه قد تتسرب إلى أبنائه حينما يرون فيه القدوة والنموذج فيمتد اثار تلك الطاعة عليه من خلال اعادة انتاج السلوك وبر أبنائه له في الكبر وكلما اتسعت مساحة بر الوالدين وتعددت اشكالها مثل حسن الاستماع اليهم وتقديم الرغبة في العمل بنصائحهم والاهتمام بما يقولونه وإنزالهم منازلهم والإعلاء من شأنهم وإجابة دعواتهم ومشاركتهم وجدانيا في الامهم وافراحهم واحزانهم ومصاحبتهم في رحلاتهم العلاجية المتعلقة بمرحلة الشيخوخة بصبر وحلم وأناة ورغبة صادقه تشعرهم بالدفء العاطفي وبالمساندة الحقيقية وليس فقط بتأدية الدور من منطلق اداء الواجب فتفقد الوالدين والسؤال عنهم باستمرار والانفاق عليهم وزيارتهم وحسن استضافتهم كل تلك الاشكال المتعدده تعمق شعور الانسان بالسعادة والراحه النفسية وتتسع لديه افاق الحياة .

أثر العقوق

وقد نري عكس ذلك تماما في من يجحد والديه ويكون مبالغا في إنكار وجودهما؛ سواء كان ذلك الجحود بالقلب او اللسان أو العمل فإننا نجد أن آثار تلك العقوق تنعكس عليه طوال فترات عمره وليس في لحظات الإساءة إلى والديه فقط أو فترة حياتهما؛ بل تمتد إلى بعد وفاتهما لتلازمه طول العمر فهو دائم الشقاء كثير المشكلات دائم الشجار لا يتمتع بعلاقات طيبة مع الآخرين لديه ثقافة الأخذ دون العطاء وهو ما ينفر منه الآخرين فهو غير مرغوب ولا يتسم بالجاذبية الاجتماعية أو العاطفية وقد يعاني سوء الخاتمة حينما ينسحب الجميع من حوله وهو في اشد الاحتياج اليهم فدائما ما يفتقد السند الاجتماعي والدفء العاطفي وهو ما يجعله أقل ضعفا في التعامل مع مشكلات الحياة فنري ان الضغوط والظروف الحياتيه الصعبه تنال منه ويصبح فريسة سهله لها مما ينعكس عليه من الناحية النفسية والعضويه ايضا فيكون أكثر عرضه للإصابه بالاكتئاب وبعض الامراض الذهانية بل واكثر تأثرا بالأمراض السيكوسوماتية والأمراض العضوية العضال كالضغط والقلب والسكر .

القانون يتدخل بالحبس والغرامة

ويناقش مجلس النواب مشروع تعديلات على قانون العقوبات ليشمل توقيع عقوبة على عقوق الوالدين بالحبس مدة لاتقل عن 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على 10 الاف جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين كل من قام بعقوق والديه؛ سواء بالسب أو القذف أو الإهانة أو الترك وتضاعف العقوبة إذا ترتب على الفعل إحداث أضرار صحية بأي من الوالدين وأثني علماء الدين في حديثهم لبوابة الأهرام على ذلك مؤكدين أن تقنين عقوبة رادعة ل عقوق الوالدين أمر يتفق مع المبادئ والمقاصد العامة للشريعة .. ولكن تتساءل هنا "بوابة الأهرام" .. هل يحصل الوالدين على مشاعر الدفء والعطف والرحمة والإحسان إليهما عند الكبر بأمر القانون أم برغبة نابعة من أبنائهما؟! لو أننا راجعنا الأثر النفسي على قلوب وأرواح آبائنا إثر عقوقنا لهما سواء بالضرب أو الاهانة او التجاهل أو سلب حقوقهما سندرك حجم الجرم الذي نرتكبه في حقهما وكذلك حجم الخسائر المادية والمعنوية التي حتما  سنجنيها قبل أن نموت.


صورة تعبرية

مادة إعلانية

[x]