عمارة.. ونشر علمه وفكره

8-3-2020 | 12:24

 

بوفاة وقبض المفكر الإسلامي القدير الدكتور محمد عمارة - رحمه الله - يكون قد سقطت وانفرطت حبة ثمينة من حبات عقد علماء أمتنا الإسلامية المخلصين، المرابطين على ثغورها، ذودا عنها، وعن ديننا الإسلامي، وقرآننا الكريم، وسنتنا النبوية الشريفة، وعلوم شريعتنا وتاريخنا الإسلامي وحضارته من كل التيارات المنحرفة، الشاذة، الشانئة، الحاقدة عليه، وبفقده انتزع أحد أعمدة العلم والفكر الإسلامي المشهود له بالمعرفة الصحيحة الصابرة، والعطاء الصادق المثابر، والمصداقية النزيهة المصابرة، والوسطية الرصينة الموضوعية المتسمة بفكره الحيادي، واعتداله، ورؤيته، وعقله المتقد ورؤية النافذة البصيرة، المقرونة بعمق تحليله وبساطته في بيان وتوضيح، وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديثه المتفق عليه: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناس رءوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا".


نعم مات المفكر الإسلامي محمد عمارة جسدًا واراه التراب، ولم ولن يمت روحًا تبعث في قلوب وعقول تلاميذه ومن يسيرون على دربه النور في ظلمات معركتهم مع أعداء المعرفة الفكرية الإسلامية، ومع الغرب الملحد الذي لا ينفك قلبه مستعرًا على ديننا، وتاريخنا وحضارته ورموزه، وعبر مؤلفاته التي تربو على مائتي مؤلف، كانت درعًا وسيفًا للإسلام وعقيدته يستعمله فيها ربه.

لا، ولن ينسى التاريخ معارك المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة مع العلمانية، عندما اتٌهم منهم بأنه يريد دولة إسلامية، فرد عليهم في مؤلفه "في النظام السياسي الإسلامي باختصار" بأن مفهوم الدولة الإسلامية أنها دولة مدنية تقوم على المؤسسات، والشورى هي آلية اتخاذ القرارات في جميع مؤسساتها، والأمة فيها هي مصدر السلطات شريطة ألا تُحل حرامًا أو تحرم حلالًا، جاءت به النصوص الدينية قطعية الدلالة والثبوت، هي دولة مدنية لأن النظم والمؤسسات والآليات فيها تصنعها الأمة، وتطورها وتغيرها بواسطة ممثليها، حتى تحقق الحد الأقصى من الشورى والعدل، والمصالح المعتبرة التي هي متغيرة ومتطورة دائمًا وأبدًا، فالأمة في هذه الدولة المدنية هي مصدر السلطات؛ لأنه لا كهانة في الإسلام، فالحكام نواب عن الأمة وليس عن الله، والأمة هي التي تختارهم وتراقبهم وتحاسبهم وتعزلهم عند الاقتضاء، وسلطة الأمة التي تمارسها بواسطة ممثليها الذين تختارهم بإرادتها الحرة لا يحدها إلا المصلحة الشرعية المعتبرة، ومبادئ الشريعة التي تلخصها قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".

كما يسجل التاريخ دفاعه عن إخواننا المسيحيين في مناظرته الكبرى (مصر بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية)، وكيف أنهم مواطنون لهم مالنا وعليهم ما علينا، ولهم كامل الحقوق والمساواة في المواطنة بقوله: "الأقباط المصريون على مر تاريخهم من العام 1923م عندما قال لهم الإنجليز نريد أن أن نحميكم، قالوا لا حماية لنا إلا في مشروع الأغلبية، اليوم أنا أقول لو كنت قبطيًا أين ألتمس أمني وأماني ومواطنتي والمساواة كامل المساواة في مشروع الأغلبية؟ أم أن أكون (فيتو) وورقة في يد الأجنبي الذي أعلم أنه يلعب بي؟! ويكمل فضيلته "نحن نريد أن نقول إن الأقباط بموقفهم الوطني عليهم أن يلتمسوا حقوق المواطنة، وكامل المساواة في مشروع الأغلبية لأن هؤلاء مواطنون، لهم مالنا وعليهم ما علينا، ولهم كامل الحقوق والمساواة في المواطنة، أنا أذكركم بأن المسلم الفرنسي ليس له الحق في موضوع الأحوال الشخصية كمسلم، ولابد أن يطبق قانون غير قانونه، فعلينا أن ندرك النعمة التي نحن فيها، لم يحدث في التاريخ تعددية مشروعة إلا في ظل الإسلام، لأن الإسلام سنة من سنن الله تعالى، رغم اختلاف الشرائع واللغات".

ويضع يده مشخصًا داء العداء الغربي لإسلامنا، فيؤكد أن تاريخ هذا العداء الغربي للإسلام خاصة وللشرق عامة، إنما يرجع للقرن السابع الميلادي، قرن ظهور الإسلام، والفتوحات الإسلامية التي حولت الشرق من قلب للعالم المسيحي الاستعماري إلى قلب للإسلام، فحرر الشرق من القهر الفارسي في المدائن العراقية، ومصر من القهر اليوناني والروماني الديني والثقافي واللغوي والاقتصادي، الذي دام لعشرة قرون، حتى إن الرومان الوثنيين اضطهدوا النصرانية الشرقية، وحتى بعد تدينهم بالنصرانية كان مذهبهم الملكاني يضهد المذهب اليعقوبي الشرقي، وكنائسنا الشرقية تؤرخ بعصر الشهداء، وهو عصر الاضطهاد بعد دقيانوس وجوستينان وغيره، وكيف أن هذه الروح العدائية مازالت سادرة بذريعة تحول الغرب المسيحي إلى غرب إسلامي بعوامل انتشار الإسلام فيه، والهجرات الإسلامية من الدول الإسلامية إليه، وهذا ما صرح به -مبديًا مخاوفه منه- البابا بنديك السادس عشر في كتابه "الغرب والنسبية والإسلام والمسيحية" بالاشتراك مع أحد الكتاب الإيطاليين.

ثم يجمع في كتابه "الإسلام في عيون غربية بين افتراء الجهلاء وإنصاف العلماء" الذي تعدى الخمسمائة صفحة، شهادات غربية تعترف بافتراء الغرب على الإسلام، مستشهدًا باثنتين وثلاثين شهادة غربية من أعلام الثقافة الغربية تنصف الإسلام إنصافًا.

وبعد.. هذا غيض من فيض من مواقف مفكرنا القدير عمارة -رحمه الله- التي جابه بها الغرب، الكاره لديننا، وما أحرانا أن نتلمس وصية ابنه الدكتور خالد عمارة في نشر فكره وعلمه وأطروحاته عن إسلامنا وتاريخنا الإسلامي وشرقيتنا، ولله دره القائل:

لا تقل يا ناعي الأحرار مات... لم يمت من علم الناس الحياة.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ملتقى القاهرة الدولي الخامس للخط العربي

بادئ ذي بدء، أسجل عشقي وهيامي بفن الخط العربي كفن إسلامي أصيل يأخذ بالأفئدة والألباب قبل أخذ الأبصار، ذلك أنه حاضن رئيس لوعاء هويتنا العربية والإسلامية

صناعة التطرف والعنف .. بفيلم كارتون

أثار انتباهي هذا التقرير المنشور للزميلة إيمان عباس بـ"بوابة الأهرام" تحت عنوان (صناعة التطرف والعنف تبدأ بـ"قصة وفيلم كارتون".. والبرلمان يفتح الملف)،

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]