مخاوف قوية حول اتفاق جنوب السودان

25-2-2020 | 16:49

 

مخاوف لها ما يبررها تنتاب المهتمين بما يجرى في جنوب السودان من أن يَلقى اتفاق الرئيس سيلفا كير وزعيم المعارضة المسلحة رياك مشار على تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية مصير عشرة اتفافات سابقة، ولا يؤدي إلى وقف الحرب الأهلية وإحلال السلام الذي طال انتظاره.


فحتى كتابة هذه السطور مازال هناك غموض وخلافات كبيرة بين الطرفين حول أمور في مقدمتها كيفية اقتسام السلطة بينهما، وكيف سيتم دمج القوات المتصارعة من جيش الحكومة وميليشيات المعارضة، وكل مشكلة منها كفيلة بمنع إنجاز اتفاق سلام كامل أو بانهياره إذا اكتمل كما حدث عامي 2013 و 2016.

فقد أعلن سيلفا كير أنه "سيتم حل الخلافات المتبقية خلال الأيام المقبلة" لكنه لم يذكر ما إذا كان قد تم الاتفاق على ترتيبات أمنية داخل العاصمة جوبا تقبلها المعارضة لحماية قادتها وأفرادها أو عن مطلب مشار الخاص بنشر قوة حماية دولية في المدينة قبل تشكيل الحكومة، ولم يشر إلى ما إذا كان قد تم تسوية الخلاف حول عدد الولايات وحدودها بعد أن رفض مشار تقسيم البلاد إلى عشر ولايات وثلاث مناطق إدارية هي روينق وبيبور وأبيي الغنية بالبترول، فحدود الولايات ستحدد عملية توزيع السلطة وتقع معظم مناطق إنتاج البترول في مناطق نفوذ قبائل النوير التي ينتمي إليها مشار وتخشى أن يُضعف تعديل تقسيم الولايات نفوذها.

صحيح أن الرئيس تعهد بحماية قادة المعارضة وإشراك المزيد منهم في حكومة الوحدة الوطنية التي طال انتظارها، لكن يجب ألَّا ننسى أن الترتيبات الأمنية غير الواضحة والمصحوبة بانعدام ثقة كامل متبادل بين الطرفين كانت سببًا رئيسيًا في انهيار حكومة الوحدة قبل ست سنوات بعد ثلاثة شهور فقط من تشكيلها ونشوب قتال واسع داخل العاصمة سقط فيه العشرات قبل أن يمتد إلى بقية أنحاء البلاد.

تشكيل حكومة الوحدة الوطنية متفق عليه كجزء من اتفاق سلام تم إبرامه في سبتمبر 2018، وتم تأجيل تنفيذه مرتين ورفضت الدول الراعية له تأجيله مرة ثالثة ومارست ضغوطًا شديدة وفرضت عقوبات على الطرفين لكي يلتزما بمهلة 22 فبراير.
وكانت أبرز العقبات عدم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الخاصة بتجميع الفصائل المتقاتلة في معسكرات ونزع سلاحها ودمج أفرادها في جيش وطني موحد وفى أجهزة الأمن أو في وظائف مدنية، فضلًا عن إصرار سيلفا كير على تقسيمة الـ32 ولاية قبل أن يتراجع تحت ضغوط خارجية شديدة، وتمسك مشار بالولايات العشر الأصلية وبحدودها القديمة، ومطالبته بنشر قوة حماية دولية في العاصمة قبل تشكيل الحكومة.

الاتفاق نص أيضًا على عودة مشار نائبًا أول للرئيس، على أن يتم الاتفاق فيما بعد على توزيع السلطات بينهما، لكن: هل سيعطي كير مشار سلطات حقيقية ويسمح له بممارستها أم ستكون شكلية وحركته مقيدة كما حدث في حكومة الوحدة الوطنية الأولى؛ مما أدى إلى تصاعد الغضب والتوتر بين الطرفين، واتهام كير له بالتآمر لقلب نظام الحكم واندلاع معارك دموية بين أتباع الطرفين، وسقوط الحكومة وغرق البلاد في صراع دموي؟

وهل سيمكن توفير التكاليف المادية لتجميع وإعادة تأهيل ودمج المتمردين بالجيش والشرطة، واستيعاب غير اللائقين في وظائف مدنية، وتعويضهم عن أسلحتهم التي سيتم انتزاعها منهم، أم أن التكاليف التي تقدر بنحو 285 مليون دولار ستظل عقبة مع عجز الحكومة عن توفيرها، وتردد الدول المانحة في الإسهام بجزء منها؛ بذريعة عدم جدية الأطراف في تحقيق السلام؟.

إذا حدث ذلك فمن غير المستبعد أن يتجمد تنفيذ اتفاق السلام أو ينهار أو على الأقل يسارع المسرحون الغاضبون من المتمردين - وربما من قوات الجيش نفسه - إلى التمرد بتكوين حركات مسلحة جديدة أو الانضمام إلى تحالف مسلح آخر معارض.

فالخلاف لا ينحصر بين كير ومشار، أو بين قبائل الدينكا التي - ينتمي إليها الرئيس وهى أكبر العرقيات - وبين النوير ثاني أكبر العرقيات وينتمي إليها مشار، وإنما يدور صراع على النفوذ والأراضي والثروات بينهما وبين قبائل عديدة أخرى مثل الشُّلُك ثالثة أكبر العرقيات من بين نحو 157 عرقية يتكون منها الشعب.

فهناك تحالف معارض آخر من تسعة فصائل تشكَّل في فبراير 2018، أبرز قادته رئيس أركان الجيش المقال بول ملونق رئيس جبهة جنوب السودان المتحدة، وتوماس سيريلو رئيس جبهة الخلاص، وباقان أموم الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية الحاكم قبل أن يقيله سيلفا كير ، هذا التحالف أعلن اعتزامه إسقاط نظام الحكم بالقوة المسلحة قبل أن يوقع مع الحكومة في يناير الماضي ما يسمى بإعلان روما الذي ينص على وقف الأعمال العدائية ومواصلة الحوار السياسي؛ بهدف المشاركة في عملية السلام وتوصيل المساعدات الإنسانية للمدنيين المحتاجين، وبالرغم من الاتفاق ليس هناك ما يشير إلى قرب انتهاء تمردهم، وربما يتوقف الأمر على ما إذا كانوا سينالون نصيبًا من كعكة السلطة.

ويمكن القول إنه ليس هناك ما يضمن تكرار انهيار الاتفاق الجديد والعودة إلى القتال؛ سواء بين كير ومشار، أو بينهما وبين تحالف الفصائل التسعة سوى استيعاب القادة المتصارعين التجربة المريرة التي مرَّ بها الاثنان وأتباعهما.

فإذا كان هؤلاء القادة المتصارعون على السلطة قد استوعبوا الدرس فعلًا وتعلموا كيفية تفادي تكرار المحنة والتفكير ألف مرة قبل الإقدام على أي عمل يشعل الحرب من جديد، سيصبح ذلك دافعًا قويًا لاستكمال تنفيذ اتفاق السلام بلا أي محاولة للالتفاف على أي من بنوده أو تفسيرها وفقًا لأهوائهم ومصالحهم.

فلم يعد جنوب السودان يحتمل استمرار تلك المآسي، فهي أفقر دول العالم - من حيث دخل الفرد وفقًا لصندوق النقد الدولي- حيث 82% من سكانها البالغ عددهم 12 مليونًا، يعيشون على متوسط دولار واحد للفرد يوميًا بنيتها التحتية متخلفة؛ حيث لا تزيد أطوال الطرق الممهدة على 300 كم من مساحتها البالغة 600 ألف كم2، ومعظم المناطق خارج المدن محرومة من الكهرباء ومياه الشرب الصحية، و65% من سكانها لا يستطيعون القراءة أو الكتابة وفقًا لليونسكو.

أما اليونيسيف فتقدر أن 70% من الأطفال (2,2 مليون) محرومون من الالتحاق بالمدارس وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم، تسببت الحرب الأهلية في هلاك نحو 400 ألف إنسان واحتياج أكثر من نصف الشعب إلى مساعدات إنسانية ومن ورائهم أكثر من مليوني لاجئ فروا إلى دول الجوار، ومثلهم من النازحين الهاربين من جحيم القتال في الداخل.

وقبل ساعات من اتفاق تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الجديد في 22 فبراير أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا يتهم الحكومة والمعارضة المسلحة بالتجويع المتعمد للمدنيين خلال صراعهم على السلطة.

مقالات اخري للكاتب

بدم بارد!

دون أن تكلف نفسها حتى الاعتذار عن الاعتداء العسكري على أراضى دولة مستقلة ذات سيادة وقتل مواطنين سودانيين مدنيين وعسكريين من أجل حماية مزارعين إثيوبيين

سد النهضة .. تطور جيد ولكن

يعد اتفاق مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف مفاوضات سد النهضة على المستوى الفنى بمشاركة وزراء الرى تطورًا جيدًا بعد توقف نحو ثلاثة أشهر مرت على اجتماع

الخناق يضيق حول رقبة إثيوبيا

رفض السودان الاقتراح الإثيوبى بإبرام اتفاق جزئى مصرى– سودانى– إثيوبى لملء بحيرة سد النهضة لأول مرة يُعدُّ تطورًا إيجابيًا مهمًا آخر فى الموقف السودانى بعد إعلان الخرطوم قبل نحو أسبوعين تمسكها مع مصر بمسار واشنطن لحل الخلافات المتبقية حول ملء وتشغيل السد.

يوم ترخيص السيارة الأكبر

  كلما امتدت فترة وقف تجديد تراخيص السيارات بسبب فيروس كورونا، زادت حدة قلق الذين انتهت تراخيص سياراتهم؛ خاصةً أولئك الذين انتهى أيضًا الشهر الاحتياطى لرخصهم، وأصبحوا لا يعرفون ماذا يقولون عندما تستوقفهم لجان المرور على الطرق.

كورونا يتربص بالأفارقة

بالرغم من أن أعلى عدد مصابين بفيروس كورونا فى أكثر الدول الإفريقية إصابةً به مازال أقل بكثير منه فى دول متقدمة، بل يكاد لا يُقارن به فى دول مثل إيطاليا أو فرنسا أو الصين منشأ المرض، الذى أصاب العالم بالرعب..

تعنت إثيوبيا يواجه مرونة مصر وإصرار أمريكا

تعنت إثيوبيا يواجه مرونة مصر وإصرار أمريكا

الأكثر قراءة

[x]