"السرقات العلمية" كارثة تهدد مسيرة البحث العلمي بمصر.. والعزل عقوبة لصوص العلم

24-2-2020 | 15:43

السرقات العلمية

 

إيمان فكري

تصدت المحكمة الإدارية العليا أمس لظاهرة السطو العلمي، للحد من السرقات العلمية في المؤسسات العلمية، التي انتشرت في الآونة الأخيرة في المجتمع الأكاديمي، والتي يفترض أنها تعتمد على أسس التوثيق العلمي السليم ومعاقبة من يسطو إنجازات الغير، وينسبها إليه بأشد العقاب التأديبي، وهو العزل للصوص العلم.


حيث أصدرت المحكمة الإدارية العليا ب مجلس الدولة ، حكما تاريخيا، بعزل لدكتور جامعي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الدراسات الإنسانية وآدابها بجامعة الأزهر بالدقهلية، لقيامه بتقديم خمسة بحوث للترقية لدرجة أستاذ مساعد بذات القسم بالكلية، تبين أن 3 منها منقولة من رسالة دكتوراه قدمتها باحثة أمريكية بجامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة، وهو ما تأكد من لجنة علمية أخرى محايدة.

وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها المهم لمواجهة ظاهرة السطو العلمي لحماية الأمانة العلمية والنزاهة الأكاديمية في المجتمع العلمي، أن واجب الأمانة العلمية أهم ما يتحلى به العالم ويقوم عليه العلم، وعرضت بدقة للتفرقة بين الاقتباس المباح من الفكر الإنساني وبين السطو المحظور على حقوق الغير بالنقل الحرفي من مؤلفات إبداعهم الشخصي وبحثهم المضني.

وقائع سرقة الأبحاث

لم تكن هذه الواقعة هي الأولى من نوعها، فخلال العشر سنوات الماضية، كانت كثير من جامعات مصر شاهدة على حوادث سرقة مماثلة تتنافى كليا مع مواثيق أخلاقيات البحث العلمي ، التي تضعها الجامعات بمصر، والتي اتفقت على ضرورة الأمانة العلمية، والتي نصت على: "الأمانة العلمية في تنفيذ البحوث والمؤلفات فلا ينسب الباحث لنفسه إلا فكرة وعمله فقط، ويجب أن يكون مقدار الاستفادة من الآخرين معروفا ومحددا، فمقتضى أخلاقية الأمانة العلمية توثيق المصدر بالدقة تحذرا للتورط في منافيات أخلاقية".

فبراير 2010

في فبراير عام 2010، حدثت سرقة علمية، قامت بها أستاذ مساعد للغة الصينية بكلية الألسن جامعة عين شمس، حيث قامت بسرقة بحثين علميين تقدمت بهما لترقيتها إلى أستاذ، بجانب أبحاث أخرى، واكتشفت لجنة فحص الإنتاج العلمي بالمجلس الأعلى للجامعات الواقعة وأثبتها، وحينما تقدمت بإنتاجها إلى اللجنة العلمية الدائمة للغات الشرقية ولغات الشرق الأقصى وآدابها، بغرض الترقية إلى درجة أستاذ، أثبتت اللجنة المحكمة عدم الأمانة العلمية وثبوت السرقة في بحثين كاملين، وتم تحويلها للتحقيق.

يونيو 2015

وفي يونيو 2015 أحال رئيس جامعة بني سويف، أستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلى التحقيق، بعدما اتهمت بسرقة مادة علمية من مراجع أجنبية في إحدى المؤلفات التي تمسكت بحقها في ملكيتها الفكرية، وتم إحالتها إلى مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس، بعدما ثبت قيامها بسرقة مادة علمية من مراجع أجنبية دون الإشارة إليها مما يشكل عدم أمانة علمية.

يناير وأغسطس 2016

في جامعة دمياط، حصل أحد الطلاب على درجة الماجستير من قسم اللغة العربية، رغم ثبوت سرقته مادة البحث، حيث نقل بإفراط عن مراجع ومصادر دون أن ينسب إليها، مما أثار ضجة كبيرة بين زملائه وأساتذته داخل أسوار الجامعة، وفي أغسطس 2016 تم عزل أستاذ جامعي بجامعة بني سويف، بعد ثبوت قيامه بنسخ بحث من رسالة طالب للترقية بوظيفة أستاذ مساعد.

سبتمبر 2017

أصدرت جامعة القاهرة في سبتمبر 2017، قرارا بإعفاء رئيس قسم بكلية دارعلوم من منصبه، وإحالته للتحقيق حول ما أثير من سرقته لأبحاث علمية، وتم إحالة الأمر إلى اللجنة العلمية بالجامعة.

قراصنة البحث العلمي

وأكد عدد من أساتذة الجامعة، أن ظاهرة سرقة الأبحاث العلمية تشكل خطر كبيرا على البحث العلمي في مصر، وتهدد مسيرته بتأثيرها السلبي على مناهج البحث العلمي وخروج جيل لم يستفد من دراسته فلا تقل خطورة عن ظاهرة الغش بالامتحانات.

يرى الدكتور هاني أبو العلا وكيل كلية الآداب جامعة الفيوم، أن ظاهرة سرقة الأبحاث العلمية في المجتمع الجامعي، ما هي إلا انعكاس لعدة عوامل، يعتبر أهمها هو أزمة الأخلاق العملاقة التي يعيشها المجتمع المصري ما دعا إلى أن يتناسى البعض الأصول والأعراف الجامعية التي تفرض الأمانة العلمية على الجميع.

تراجع الولاء بالجامعات

ويؤكد "أبو العلا"، أن الجامعة ليست في معزل عما يدور حولها من فساد أخلاقي وفساد في الذوق العام، هو ما جعل بعض العناصر المرفوضة في الأوساط الجامعية تتخذ من أسلوب الغش والسرقة العلمية طريقا سهلا للتقدم للترقية، رافضا أن يكون المستوى المادي المنخفض لأعضاء هيئة التدريس وراء سعي البعض للترقي بطريقة سريعة دون الدراسة والإبداع.

ويوضح أن غالبية السادة أعضاء هيئة التدريس يعانون ماديا وسط هذا الزخم من أعباء الحياة ومع ذلك فهم يضربون أروع الأمثلة في العمل والجد والإبداع، قائلا: "دعونا نبحث عن سبب تراجع الولاء والانتماء في الجامعات التي تربينا فيها وتعلمنا بها بالمجان، فقد آن الآوان أن نستحضر المواطنة القويمة كي يجد كل منا في مكانه لخدمة مصرنا الغالية".

تحول البحث العلمي لوسيلة

فيما اختلف معه الدكتور وائل كامل عضو هيئة التدريس بجامعة حلوان، حيث يقول إن ضعف موازنة البحث العلمي والتكلفة العالية التي تتطلبها الأبحاث الجيدة، والرواتب الضعيفة التي لا تكفي تلبية متطلبات المعيشة الأساسية لأسرة الباحث، جعلته يبحث عن أسرع وسيلة لإنجاز أبحاث الترقي حتى ولو كانت على حساب سرقتها، ولكن هذا ليس مبررا ل سرقة الأبحاث العلمية.

ويؤكد أن البحث العلمي تحول من "غاية" نابعة عن طموحات داخلية لإثبات الذات والتميز، إلى وسيلة للترقية لزيادة الراتب بضع جنيهات عن طريق الترقية، ونظم الترقية أصبحت عقيمة لا تنتج أبحاثا تفيد مجتمعنا ومعظمها على "الأرفف"، وأصبح ينظر للإنتاج العلمي للباحث بالكم وليس الكيف.

وعلى سبيل المثال، عاما بعد عام يتم رفع عدد الأبحاث اللازمة للترقية من درجة إلى أخرى، بدون النظر لأهمية وثقل البحث، وإمكانية تطبيقه لخدمة المجتمع والبيئة العلمية، فبعد أن كان شرط الترقي 4 أبحاث امتدوا إلى أن أصبحوا ثمانية أبحاث، ومن هنا ينوه الدكتور وائل كامل، أن معيار الترقي أصبح بالكيلو أبحاث، كما أن ضعف تقييم الأبحاث المشتركة بين أكثر من تخصص ووضع درجات منخفضة وعراقيل، تسببت في عزوف الغالبية على إجراء بحث مشترك بالرغم من أهمية الأبحاث المشتركة في إيجاد روابط وعلاقات جديدة بين التخصصات واستنباط تخصصات جديدة، والتي قد تحقق نتائج مبهرة بأقل تكلفة.

كشف الاقتباس بالأبحاث

ويوضح عضو هيئة التدريس بجامعة حلوان، ل "بوابة الأهرام"، أن هناك شرطا وضع منذ سنوات قليلة بتحديد نسب الاقتباسات في أي دراسة والكشف عليها من خلال برمجيات تمت إتاحتها بالمكتبات المركزية للجامعات، ولكنه لم ينه هذا الأمر، والحل أنه لابد من التطرق لكافة جوانب القصور، سواء رفع رواتب أعضاء هيئة التدريس، لتصبح لديهم الإمكانية الكافية لمتطلبات الأبحاث، مع رفع موازنة البحث العلمي وإعادة النظر في نظم الترقي لترتكز على الكيف وليس الكم.

ويطالب بالاهتمام بالأبحاث العلمية المشتركة بين التخصصات المتعددة ومنحها الأولوية والتشجيع، وعدم وضع تقييمات ضعيفة لم يقم عليها، فالنظرة السابقة التي تقيس دور باحث بالشبر والكلمة لابد أن تنتهي، فقد يكون دوره هاما جدا بالبحث رغم مشاركته القصيرة، حيث إن بعض الدول المتقدمة هناك نظم تعيين مقسم لأعضاء هيئة التدريس إلى نوعين، عضو هيئة تدريس مهمته العلمية التعليمية وتطويرها وتنميتها فقط، والآخر هو عضو باحث مهمته البحث العلمي فقط، فليس كل باحث جيد هو تربوي ومدرس جيد والعكس صحيح.

قصور القانون

قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، لم يحدد بشكل مباشر عقوبة لجريمة سرقة الأبحاث العلمية، واكتفى في المادة رقم 32 بمعاقبة كل من قلد بغرض التداول التجاري موضوع اختراع أو نموذج منفعة منحت براءة اختراع عنه، بغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، كما نصت المادة 181، على عقوبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه، لكل من قام ببيع أو تأجير مصنف أو تسجيل صوتي أو برنامجي إذاعي محمي طبقا لأحكام القانون أو طرحه للتداول بدون إذن كتابي مسبق من المؤلف أو صاحب الحق المجاور.

وبناء على العمل بقانون حماية يحق لصاحب المُؤلف أن يقاضي السارق، وتتولى المحكمة البت في الأمر من خلال تشكيل لجنة فنية لفحص الرسالة، ولكن بطْء التقاضي أدى إلى عزوف الباحثين عن اتخاذ خطوات قانونية حيال السارق.

تغليظ العقوبة

ويؤكد خبراء القانون، أن معظم حالات السرقات العلمية يتم اكتشافها بالصدفة البحتة، والسبب في انتشار لصوص العلم بجامعتنا المصرية يعود إلى أن العقوبة التي ينص عليها قانون الملكية الفكرية، لا ترقي لمستوى الجرم المقترف، فلم نرى أن هناك من عوقب بالحبس بتهمة السرقة العلمية، لذلك يطالب خبراء القانون بتكاتف التعليم العالي و الأعلى للجامعات ، لتعديل الشق المتعلق ب السرقات العلمية بقانون الملكية الفكرية، وأن يتم تغليظ العقوبة بالقانون.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

[x]