فلما بلغ "أنور عبداللطيف" الستين .. فاض نهر إبداعه

17-2-2020 | 16:00

 

تتقدم الصحافة وتزدهر، وتستمر بالمهنية، وتراكم الخبرات، شأنها شأن كل المهن، فلا تكون هناك صحافة بدون التواصل بين الأجيال، ولا يوجد تلميذ بلا أستاذ، الخبرة تدعم الموهبة، وكل تلميذ لابد له من يعلمه، ويوم خلت المؤسسات الصحفية، وخاصة القومية من الخبرات، تداعت وتاهت، وخاصة في ظل الصراع بينها وبين وسائل الإعلام الجديدة.

نعم لابد من أن تكون هناك دماء جديدة، وتغيير وتطوير، ولكن في وجود الخبراء والمشيرين الذين لا غنى عنهم، والصحافة إبداع، وتوهج، ونحن للأسف لم نحافظ على مبدعينا، وحكمنا على توهجهم بالموت، كخيل الحكومة.

ومن الخبرات التي زاملتها وعملت معها في رحلة "البحث عن المتاعب" والتي توهجت بعد الستين، وتدفق إبداعها، زميلي وصديقي "أنور عبداللطيف" الذي صدر له مؤخرًا عمل إبداعي مميز، غنى بكل ما هو قيم وجميل، صيغ بحروف من خبرة وتجربة، بأسلوب أدبي راق وجذاب، يجمع بين الرصانة والحداثة، وأهمية الفكرة، والقيمة التي يوصلها لنا الكاتب أو القاص، في كل سطر من سطور كتاب " فلما بلغ الأربعين ".

الكتاب يجمع بين كل أنواع البيان مع بساطة السرد وثراء المعاني، رسمت حروفه ريشة فنان، واسع الأفق والتطواف بين ريف وحضر، وشرق وغرب، متنقلًا في خفة وسهولة بين ضفاف النيل وترعة البوهية وشطآن الدانوب، مرورًا بشخصيات عاشت في وجدانه تأثر بها وأثر فيها، وأشركنا في متعة محبته وود علاقته بهم.

الكتاب - وهذه شهادتي من خلال معرفتي بمؤلفه زميلًا وأخًا وصديقًا ورفيق رحلة - قليل من كثير مخزون في تجارب "أنور"، فهو مبدع حقيقي، سواء من خلال مهنته، أو من خلال تجاربه الإبداعية، فهو ينتقل من الخاص إلى العام بفطرية شديدة ودونما تكلف، والأمثلة متعددة، فمثلًا في "خطوات قبل أن تتوقف" يعبر عن مأساة الصحفي عند إحالته إلى التقاعد، أو بمعنى أصح عند إطلاق "رصاصة الرحمة" على قلبه وعقله، وأنا أقرأ هذه القطعة، تعايشت مع رئيس تحرير مجلة المحروقات وما حدث معه، فهو نفس ما حدث مع كل أصحاب الخبرات والمهنية والأساتذة، من الصحفيين ويكاد يكون صورة طبق الأصل، من إقصاء قسري، ونفي وتنكر لكل ما يتمتعون به من إبداع.

"أنور عبداللطيف" لم يكن مجرد سكرتير تحرير عبقري، وصحفي "نمبر وان"، وإنما كان طوال رحلته الصحفية في الأهرام إنسانًا متفانيًا في العمل وحب ومودة الزملاء، وأنا وهو تجمعنا صفات مشتركة كثيرة، أولاها عشقنا للأهرام وإصداراته المختلفة، واحترامنا لقيمه الأصيلة، وللكبار من الزملاء، ورغبتنا منذ اللحظة الأولى في تأكيد الذات والتفاني في العمل، وعملنا في مصنع الموهوبين "سكرتارية التحرير الفنية" برغم مشقة العمل بها، وجمعنا أيضًا للمقدرة التحريرية، والكتابة في الصفحات المختلفة، لم نكتف بعملنا في "الإخراج الصحفي" وشاركنا كمحررين، بمواد مميزة، وليست لمجرد أن تحمل اسمنا، وأيضًا سافر كل منا للعمل في "الإمارات" وفي مجلة واحدة "زهرة الخليج" عملت أنا بها محررًا ثم مديرًا للتحرير(1981-1989) وهو كمدير تحرير فني (1994-1998)، كما كنا معًا في السنة التمهيدية للماجستير، وأكملت أنا حتى حصُلت على الدكتوراه 1995.

من الصفات التي جعلت "أنور" سكرتير تحرير مميزًا، دأبه ورغبته في التعلم، وتعامله بمودة ولطف مع رؤسائه وأيضًا مع مرءوسيه، وطوال الفترة التي ترأس خلالها "قسم الإخراج الفني بالأهرام 2004-2016" كان يتعامل بأريحية مع من هم أكبر منه، وبمودة مع الزملاء الجدد، كان مثالًا للتفاني، يبدأ دائمًا بنفسه، يتحمل العبء الأكبر في العمل، أول الحاضرين وآخر المنصرفين، طور مهاراته بحرفية، فاكتسب ثقة الجميع رؤساء ومرؤوسين، حتى إنه كان يشرف فنيًا على العديد من الإصدارات بالمؤسسة في وقت واحد، ومنها "مجلة الشباب" و"الأهرام الرياضي"، فقد كان معظم قيادات الأهرام يجلونه ويعرفون قدره ومهنيته وأخلاقه العالية.

ولأنه كان عاشقًا ومتيمًا بالأهرام، بعد أن ترك عمله كمدير تحرير تنفيذي للجريدة (2014-2018) أشرف على تحرير ملحق الجمعة (أغسطس 2015- يونيو 2018)، وخلال هذه الفترة نجح في مهمته، وشهد الملحق تحقيق انفرادات صحفية عديدة، وتعاون مع الكثيرين من الزملاء لثقتهم في مشواره الصحفي، واستمر في العطاء حتى بعد أن أحيل إلى التقاعد من خلال المقال الأسبوعي الذي يكتبه في جريدة "الأهرام" كل ثلاثاء، بأسلوب مميز راق، يتناول فيه العديد من القضايا التي تهم الوطن والمواطن، ومقالاته تعد قطعًا أدبية مكتوبة بمداد الخبرة والحرفية، وحب الوطن، الذي جمع عشاق "الأهرام" الحقيقيين.

وكانت تجمع أنور عبداللطيف علاقة مميزة بالأستاذ " محمد حسنين هيكل "؛ فقد كان من مريديه، والتقى به كثيرًا، وعندما زار"الأستاذ" الأهرام بعد أربعين عامًا من إقالته - كما أشار "أنور" في " فلما بلغ الأربعين " - كان المريد هو الذي غطى لقاء "هيكل" مع القيادات الجديدة وأسرة تحرير "الأهرام"، حبه لهيكل وتشبعه بتعاليمه سجله "أبوأحمد" في كتاب " محمد حسنين هيكل - الوصايا الأخيرة" (2017).

تميز "أنور عبداللطيف" دليل حي على أن "قسم الإخراج الفني بالأهرام" كان ولا يزال بحق "مصنع الموهوبين والمبدعين"؛ فهو يأتي امتدادًا لأساتذة الإخراج الفني المعجونين بالحرفية في الإخراج والصياغة والكتابة (سمير صبحي، ماهر الدهبي، سامي دياب، سامي فريد، محمود فايد) الذين برعوا فنيًا وتحريريًا، وينضم إليهم (فاروق هاشم، أسامة فرج، محمود مخالي، محمد حسين، عطية أبوزيد، عادل صبري، نبيل الطاروطي، الذي سار رئيسًا لتحرير لغة العصر، نبيل السجيني، والقاص خالد عميرة).

وهنا أتذكر ما قاله الأستاذ "إبراهيم نافع" عندما طلبت الحصول على إجازة بدون مرتب للسفر إلى الإمارات، مبررًا رفضه، حيث قال من السهل صناعة محرر، ولكن من الصعب تعويض "سكرتير تحرير".

ومن هنا لم يكن غريبًا أن يُكلل مشوار تألق وعطاء "أنور عبد اللطيف" بالجوائز، بداية بجائزة (أفضل مخرج صحفي عربي) برعاية الشركة السعودية للأبحاث عام 1989، وجائزة التفوق الصحفي من نقابة الصحفيين المصريين عام 2003، ثم مؤخرًا جائزة إحسان عبدالقدوس في القصة القصيرة 2019، لتتوج عطاءه الإبداعي أديبًا ومفكرًا وكاتبًا صحفيًا متفردًا.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

تصالحوا وتصارحوا مع أنفسكم ومع الله

أزمة "كورونا" التى نمر بها حاليًا، وبعيدًا عن استعدادات الحكومات، وجهود المكافحة والحماية والرعاية، يجب ألا تمر هكذا دون أن نُحاسب أنفسنا جميعًا؛ لأننا

"كورونا" .. وبعض التساؤلات المنطقية

بالطبع نثمن كافة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي حتى الآن؛ للوقاية من فيروس "كورونا" ومواجهة هذه الأزمة التي لم تصبنا وحدنا، وإنما تضرب

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الفضيلة في رواية

الفضيلة في رواية

يوتوبيا "خليل الحداد"

غاية الإبداع، سواء أكان عملًا أدبيًا أو فنيًا هو خلق المجتمع الصالح، الذي أساسه المواطن والإنسان النافع والمفيد للناس والوطن، تحقيقًا لغاية الخالق سبحانه

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]