هل عيد الحب بدعة وحرام؟

13-2-2020 | 20:37

عيد الحب

 

تحقيق: محمد عبد المولى

د. أحمد كريمة: الحب مفهومه واسع ولا يجب حصره فى العلاقة بين الرجل والمرأة


د. أحمد ممدوح: لا مانع من الاحتفال به بشرط عدم الخروج عن آداب الإسلام

د. وسيم السيسي: الفراعنة أول من احتفلوا به وكانوا يسمونه "عيد طهارة القلوب"


يعتبر عيد الحب من أهم المناسبات التي ينتظرها الشباب طوال السنة، فمنهم من يكتفي فيه بالخروج للكافيهات والحدائق العامة للتنزه، ومنهم من يكتفي بشراء الهدايا من دباديب حمراء وورد، وسلاسل فضة مكتوب عليها اسم من يحب للتهادي والتعبير عن حبه واعتزازه وتقديره بمن يحب؛ ويتساءل آخرون مع حلول هذا العيد عن صاحب فكرته وأول الشعوب التي احتفلت به، وما هي نظرة الإسلام للحب؟ وحكم الاحتفال به في الشرع؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات التي تشغل أذهان الشباب ـ استعنا برأي بعض رجال الفكر والدين في السطور التالية:

أصله وحكايته

قال الدكتور وسيم السيسي ـ المفكر القبطي الشهير-: إن عيد الحب هو عيد مصري في الأساس حيث كان يسمى عند المصريين القدماء بعيد طهارة القلوب، وقد كان يأتي بعد عيد الربيع أو شم النسيم مباشرةً حيث كانت الأسر المصرية المتخاصمة تتصالح فيه مع بعضها البعض، بأن تقوم كل أسرة أخطأت بحق أسرة أخرى بعمل فطيرة كبيرة لها وتزينها بما لذ وطاب وتقدمها لها كشىء من التقدير والاعتذار عن هذا الخطأ والذنب، ولكن مع مرور الوقت والزمان نسب الناس تدريجيًا هذا العيد المصري الأصل للراهب الروماني فالانتين، والذي كان يساعد الناس على الزواج في السر في عهد الإمبراطورية الرومانية ؛ وذلك لأن الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني في روما قد حظر الزواج بين الشباب لاعتقاده بأن الجنود غير المتزوجين يكونون جنودًا أكفاء وأفضل من المتزوجين، فاعتبر القس فالانتين أن هذا القرار الذي أصدره الإمبراطور الروماني غير عادل فقرر كسر هذه القواعد وتحدى الإمبراطور، ولكن تم القبض عليه في نهاية المطاف، وأمر الإمبراطور الروماني بإعدامه في الرابع عشر من فبراير عام 269 ميلادية، ولكن فالانتين قبل موته بقليل كتب أول رسالة حب لابنة السجان التي وقع في حبها، ثم أعلن البابا جيلاسيوس في القرن الخامس عام 496 ميلادية أن يوم وفاة فالانتين هو عيد القديس فالانتين الذي عرف بعد ذلك بعيد الحب أو الفلانتين.

وأضاف الدكتور وسيم السيسي: المصريون القدماء هم أول شعوب الأرض الذين ابتكروا الأعياد وتعلم منهم الآخرون في العالم حيث كان لديهم قرابة الألف عيد في السنة فما يكاد ينتهي عيد بمدينة إلا ويقام في أخرى، لدرجة أنه كان يحتفل بثلاثة أعياد في اليوم الواحد ما بين أعياد سياسية ودينية وملكية وزراعية وسنوية وتقويمية، أي خاصة بأيام السنة وفصولها، وموسمية، ولهذا وصف الشاعر الروماني ـ أوفيد ـ: المصريين القدماء بأنهم "أهل الأعياد"، وقال المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت: "لقد وجدت للمصريين القدماء ـ الفراعنة ـ في معبد واحد فقط وهو معبد هابو بغرب الأقصر مسجل أسماء 282 عيدًا، فما بالنا بباقي المعابد الفرعونية الأخرى.. فكم عيدا سجلت على جدرانها وبنقوشها؟!".

نظرة الإسلام للحب

وأكد الدكتور أحمد كريمة ـ أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ـ أن الحب ليس حرامًا في أي حال من الأحوال، إلا أنه لا يجوز الخلط بين هذا المعنى السامي الرفيع وبين ما يجري بين الجنسين من العلاقة المحرمة، والانقياد لداعي الشهوة بحجة الحب؛ فإن في ذلك ظلمًا لهذا المعنى الشريف الذي قامت عليه السماوات والأرض: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، وقد جعل الله تعالى الزواج هو باب الحلال في العلاقة والحب بين الجنسين، فمن ابتُلي بشيء من ذلك فليكتمه إن لم يستطع الزواج بمن يحب ؛ لما ورد في الحديث: «مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ فَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» أخرجه الخطيب البغدادي وغيره وقواه الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري في رسالة مفردة أسماها "درء الضعف عن حديث من عشق فعف".

وتابع الدكتور كريمة: فديننا الحنيف جاء بهذا المعنى النبيل ودعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلِّي»، وكذلك عن أبي هريرة  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُون الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» رواهما مسلم، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» رواه الترمذي، وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» رواه مالك في "الموطأ" بسند صحيح.

وأضاف الدكتور كريمة: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي» رواه الترمذي وصححه الحاكم، ولهذا فالمسلم محب لكل خلق الله تعالى، يرى الجمال أينما كان، ويعمل على نشر الحب حيثما حل، فهو رحمة للناس يحسن إليهم ويرفق بهم ويتمنى الخير لهم.

متأسيًا في ذلك بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وَعَظَّمَهُ بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

حكم الاحتفال بعيد الحب

وأوضح الدكتور أحمد ممدوح ـ مدير إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية ـ أنه لا مانع في الشرع الشريف من أن تتفق الناس على أيام معينة يجعلونها خاصة ببعض المناسبات الاجتماعية، ما دامت هذه المناسبات لا تتعارض مع الشريعة أو الدين، فلا مانع أن نتخذ يومًا من الأيام لنكرم فيه الأم، وليس معنى هذا ألا نكرم الأم في بقية الأيام، ولكن في هذا اليوم يكون لنا بها مزيد من الاحتفاء والتكريم. كما أنه لا مانع أيضًا من أن ننتقي يومًا لنكرم فيه العامل أو المدرس أو الأب أو حتى نتخذ يومًا من الأيام لكي يظهر الناس كل واحد منهم للآخر مشاعره نحوه وأنه يحبه، فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف دعا الإنسان إذا أحب أخاه أن يقول له: "إني أحبك في الله"، ولهذا مفهوم الحب أوسع من تلك العاطفة التي بين الرجل والمرأة على وجه الخصوص، فالحب مفهومه أعم وأوسع، فيمكن في هذا اليوم أن أعبر عن حبي لأولادي أو لصديقي أو لأهلي فهو ليس مختصًا بذلك النوع.

وتابع الدكتور ممدوح: وقد يعترض بعض الناس ويقولون إن هذه المناسبات الاجتماعية التي اعتيد على الاحتفال بها أصولها ليست إسلامية، وإن هذا تشبه بغير المسلمين، ولكن في الحقيقة هذا الاعتراض ليس صحيحًا .. لماذا ؟، لأن التشبه حتى يكون الإنسان متشبهًا لابد أن يكون فعلاً قاصدًا التشبه، لأن في مادة اللغة العربية كلمة «تشبه» على وزن «تفعل»، والتفعل ـ معناه ـ أن الإنسان يفعل الشيء وهو يقصد فعله أي ليس حدوث الشبه في الشكل والصورة يسمى تشبه . ثم إن أصول هذه الأشياء ذهبت وتنساها الناس وشاعت وذاعت، وصار يفعلها المسلمون وغير المسلمين، ولم يعد يلاحظ فيها أصولها غير الإسلامية لو كانت ؛ وعليه فالاعتراض بهذا الكلام غير صحيح، وهذا كله طبعًا مقيد بألا يتم فيه أي نوع من الأشياء التي تخالف الشرع أو الدين.

  • نقلا عن مجلة الشباب.

د. أحمد كريمة


د. أحمد ممدوح


د. وسيم السيسي

الأكثر قراءة

[x]