طموحات إفريقيا.. إسكات البنادق.. والمخاطر!

11-2-2020 | 14:25

 

لعل من قبيل أمانة التوثيق لهذه المرحلة التاريخية من عمر الحياة الدبلوماسية والسياسية في مصرنا المحروسة؛ أن نرى بعين الإنصاف ما يبذله الرئيس عبدالفتاح السيسي ــ برغم الحرب الضروس التي تجابهها مصر من عناصر الخوارج في الداخل والخارج ــ نحو إعادة ترتيب البيت من الداخل؛ بالاهتمام بالبنية التحتية التي اهترأت بفعل الإهمال على مدى عقود من الزمن؛ ولكنه لم يغفل أبدًا الاهتمام بالسياسة الخارجية، كما أن إيمان القيادة السياسية المصرية بأن "مصر" جزءٌ لا يتجزأ من جسد القارة الإفريقية ـ بل القلب النابض لها ـ لذلك وجب عليها أمانة الارتقاء ببلدانها ورفاهية شعوبها؛ تلك الشعوب التي عانت من ربقة الاستعمار الأجنبي باستنزاف ثرواتها وكنوزها على مدى قرون.

وعلى هذا المفهوم الوطني البحت؛ تعددت الإنجازات التي حققتها مصر خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي على مدار عام كامل؛ حيث وضعت الاهتمامات والطموحات الإفريقية على الأجندة الدولية؛ بإقامة ورعاية مؤتمرات الشراكة بين إفريقيا والصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ومختلف القوى الدولية الفاعلة، وبدأت بتوقيع اتفاقية استضافة مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات القبلية والعشائرية داخل بلدان القارة؛ مما كان له أكبر الأثر في عودة الوئام والسلام والتفرغ لمتابعة الاستثمارات التي تعود بالفائدة المرجوَّة على البشر عماد التنمية والنماء، ولم يكن لهذا الجهد أن يتحقق؛ إلا بتعيين من يضطلعون بوظيفة المستشارين القانونيين لقيامهم بمهام التنسيق بين مجموعة الدول في كل أنحاء القارة؛ كما استطاعت جهود الرئيس عبدالفتاح السيسي إقناع الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن تؤيد - بأغلبية ساحقة - اقتراحًا يدين احتلال بريطانيا لجزر شاجوس.

وكذا تعضيد موقف الجزائر بجعلها مقر اللجنة الإفريقية للطاقة؛ وكان ضمن تلك الخطوات تعاون الاتحاد الإفريقي مع الصين لإيصال الكهرباء لـ 600 مليون إفريقي في مختلف أنحاء القارة؛ فالطاقة تُعد حجر الزاوية في إعلاء شأن القارة الإفريقية بين قارات العالم الخمس، وكان ضمن الخطوات في هذا الصدد تعزيز التعاون مع شبكة المجالس الوطنية لحقوق الإنسان في بلدان قارات العالم؛ للقناعة التامة بأن الإنسان هو الإنسان؛ والكل سواسية بصرف النظر عن اللون والجنس والعقيدة.

ولتتوالى على طول العام خطوات تعضيد الإنسان الإفريقي؛ بقيام المكتب القانوني للاتحاد بالسعي للحصول على موقف إفريقي مشترك ومنسق بشأن المحكمة الجنائية الدولية حمايةً لكرامة البشر على ظهر القارة بلا تفرقة بين الأقطار الفقيرة أو الغنية، بالإضافة إلى دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز النفاذ بعد تصديق 24 دولة من بينها مصر..

والجدير بالذكر أيضًا نجاح الاتحاد الإفريقي في توحيد موقف القارة في الأمم المتحدة حول صك الاتفاقية الدولية لقانون البحار؛ وهو الأمر الذي يحافظ على حرية التجارة في عالم أعالي البحار؛ لتأمين الأساطيل البحرية التجارية والحربية وحماية واحترام المياه الإقليمية لكل دولة.

كانت هذه النقاط مجرد إطلالة سريعة وموجزة على الإنجازات والطموحات الإفريقية المنشودة، فنجحت مصر في تحقيقها بقيادتها السياسية على مدى العام الذي شرُفت القارة برئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، وهذه الشهادة ليست من قبيل الزهو والتفاخر؛ بقدر ما تنطوي قيمتها على كونها قد تحققت في زمن قياسي هو عام فقط عمر رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي كما ذكرنا، وهي بحق كلمة للتاريخ وللأجيال القادمة؛ كي تعي للدور الفاعل والمؤثر في مسيرة القارة الإفريقية؛ واستكمالها لخطواتها المساندة لحركات التحرر والاستقلال للبلدان الإفريقية منذ حقبة الستينيات من القرن الماضي، ويقينا ستواصل مصر بالحماس نفسه والدأب جهودها الحثيثة نحو ترسيخ السلام في أرجاء القارة السمراء، وكان فوزها بأغلبية ساحقة بعضوية مجلس الأمن والسلم الإفريقي مؤخرًا مؤشرًا ومنطلقًا جديدًا لممارسة دورها نحو إسكات مدافع العدوان، ودرء المخاطر التي تحدق بها من كل صوب وحدب طمعًا، وتهدد استقرارها، فقد وقعت تحت نيرها البلدان الإفريقية طويلا، وآن الأوان لتنعم بالأمن والأمان.

وفق الله مصرنا الحبيبة وقيادتها الوطنية في تحقيق المأمول على الساحة السياسية الدولية وحماية مصالح جيرانها من البلدان التي تجد في مساندة مصر النجاة والفلاح.

كاتب المقال:
*أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

دماء الشهداء .. والحُزن النبيل!

بادئ ذي بدء.. أنا لست من دُعاة التجهُّم والحُزن وارتداء قناع الكآبة؛ للإعلان عما يعتمل في أعماقي من مشاعر تجاه حادث (ما) جلل؛ يقع على ساحة الشارع المصري

رمضان (الكريم) .. والتنمر!

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف!

البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية

ماذا جرى لكم .. يامصريين؟!

رجاءً من القلب.. ألا تقطِّبوا جبينكم دهشةً واستنكارًا لما حدث في مسألة الاعتراض على دفن الطبيبة المتوفاة بـ "فيروس كورونا" بإحدى القرى في محافظة الدقهلية

الضمير الوطني.. الغائب!

قال "فلان" عن "علان": إنه قليل الأدب! وبرغم أن تلك العبارة لا تشكل ما يسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن "ترتان" انفعل انفعالاً شديدًا،

جهود الدولة المصرية .. وكتائب الشر!

لا نستطيع على الإطلاق أن ننفصل عن الواقع المصري الذي نعيشه في المرحلة الآنية؛ ولا نملك تجاهه إلا الرصد الصادق ـ والمُحايد ـ لحراك وتفاعلات المجتمع تحت

الأكثر قراءة

[x]