حقيقة التوكل والتواكل | فيديو

13-2-2020 | 21:07

أليس الله بكاف عبده

 

غادة بهنسي

لما قذف خليل الله إبراهيم عليه السلام في النار أتاه جبريل، يقول: ألك حاجة؟ قال: "أما لك فلا وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل" فكانت النار بردًا وسلامًا عليه، ومن المعلوم أن جبريل كان بمقدوره أن يطفئ النار بطرف جناحه، ولكن ما تعلق قلب إبراهيم بمخلوق في جلب النفع ودفع الضر، وإنما توكل على الله وحده فكفاه.


حقيقة التوكل

التوكل على الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، وتعلق القلوب به جل وعلا من أعظم الأسباب التي يتحقق بها الخير المطلوب ويندفع بها المكروه، وتقضى بها الحاجات، وكلما تمكنت معاني التوكل من القلوب تحقق المقصود أتم تحقيق، وهذا هو حال جميع الأنبياء والمرسلين والصالحين.

وهذا التوكل الحق نراه في قصة موسى عليه السلام، فلما سار نبي الله موسى ومن آمن معه حذو البحر، أتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، فكان البحر أمامهم وفرعون خلفهم، أي إنهم هالكون، ولذلك قالت بنو إسرائيل: إنا لمدركون، ولكن النبى المؤمن موسى قال: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} قال العلماء: ما كاد يفرغ منها إلا وأُمر أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فكان في ذلك نجاة موسى ومن آمن معه، وهلكة فرعون وجنوده، ولذلك قيل: فوض الأمر إلينا نحن أولى بك منك، إنها كلمة الواثق المطمئن بوعد الله، الذي يعلم كفاية الله لخلقه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} - الزمر: 36

وكذلك فعل الصحابة الكرام يوم حمراء الأسد ـ صبيحة يوم أحد ـ حين لم يخشوا العدو مع كثرة عدده وتوكلوا على الله مولاهم فأيدهم، يقول تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ} - آل عمران: 173 ، 174


عن التوكل والتواكل

لا يصح ترك الأخذ بالأسباب بزعم التوكل كما لا ينبغي الركون إلى الأسباب وحدها، فخالق الأسباب قادر على تعطليها، وأما عدم السعي فإنه ليس من التوكل في شيء، وإنما هو اتكال أو تواكل.

والأخذ بالأسباب هو هدى سيد المتوكلين على الله ـ صلوات الله وسلامه عليه - ففي يوم الهجرة عندما قال أبو بكر ـ رضي الله عنه - لو نظر أحد المشركين تحت قدميه لرآنا، قال له النبي: "ما بالك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا"، وهذا الذي عناه سبحانه بقوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40].

وفي الحديث: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" - رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.

وقد فسر العلماء التوكل فقالوا: ليكن عملك هنا ونظرك في السماء، وفي الحديث عن أنس بن مالك ـ  رضى الله عنه ـ قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل" [رواه الترمذي وحسنه الألباني] .

وقالوا عن التواكل إنه عدم الأخذ بالأسباب أو السعي للحصول على الرزق بحجة أن الله الرازق، والتواكل يتنافى مع العقيدة الإسلامية لما في التواكل من كسل وخمول والاعتماد على الغير.


الفرق بينهما

برغم تقارب الكلمتين من بعضهما إلا أن الفرق بينهما كبير، فالمتوكّل يعتمد على نفسه، ويتصف بالنشاط والعمل والمثابرة، أمّا المتواكل يعتمد على غيره ولا يخطو خطوة واحدة إيجابية في حياته.

والتوكّل يدفع الإنسان للاطمئنان على رزقه وحياته وصحته وعدم الخوف من الآخرين؛ لأنّ الله هو من يتولى شئونه، أمّا التواكل فيشعر صاحبه بالخوف دائمًا؛ لأنّه ضعيف الإيمان وكسله هو من يدفعه للجلوس وعدم الإقدام على العمل والسعي.

ويتصف المتوكّل بالصبر والتحمل، والحمد دائمًا وتقبل السراء والضراء، أمّا المتواكل فإنّه لا يمتلك الصبر والتحمّل ولا يدرك أنّ نقص الرزق، والصحّة، والمال نتيجة تخاذله.

والإنسان المتوكّل يرضى الله عليه ويساعده ويحفظه من السوء ويضع مفاتيح الخير أمامه ويهديه دائمًا لاتّباع الطريق الصائبة ويثيبه على سعيه في الحياة، أمّا المتواكل فلا يرضى عنه الله ولا يحظى بتوفيق الله وتيسيره ولا يستجيب لدعائه.

والمتوكّل كثير الفعل والدعاء ينوي وينفّذ ما نوى، أمّا المتواكل فلا يفعل ولا ينوي يتكلمّ كثيراً ولكنه لا ينفّذ شيئًا.

وكذلك فإن التوكّل يدفع الإنسان للتواضع ويرى الحياة والخلق ملك للخالق ونحن عابدون فيها ساعين للعيش والعبادة فليس لأحد أن يتكبر على الآخر ما دمنا متشابهين لا يميزنا سوى أعمالنا، والتواكل يدفع صاحبه للغرور ورمي حموله وواجباته على الناس ويرى نفسه الأفضل دائمًا لقلّة معرفته بالدين الصحيح وأحكام التقوى.

وأخيرًا فالتوكّل يشعر الفرد بالبهجة والفرح عند الحصول على ما يريد ويشعر بمدى إنجازاته سواء المال أوالنجاح نتيجة الكد والاجتهاد، أمّا المتواكل فلا يشعر بالفرحة؛ لأنه معتاد على الجلوس ولم يشعر بلذة تعبه وجهده.


التوكل الحق في أدعية النبي

من أجمل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، التي نستشعر منها أسمى معاني التوكل: "اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك" - رواه البخاري ومسلم.

وكذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" - رواه مسلم.

النبي المتوكل

ومِن أسْمائِه، صلى الله عليه وسلم، "المُتَوَكِّل" أيْ الذي يَتَوَكَّلُ على اللهِ في كلِّ أعماله وأحوالهِ وحَرَكاتِه وسَكناتِه.

وقد كانَ النبي صلَّى الله عليه وسلم، سيِّدَ المُتَوَكِّلينَ، لأنه سيدُ العارفين بالله على الاطلاق، وأعظمُ المُوحدين لَه، لذلكَ اعتمدَ في كلِّ أعْمالِه وأحواله وأقواله على الله، ولَمْ يُتْرَكْ لِنفسهِ طَرْفَةَ عَينٍ، فكانَ ناطقًا عن الله، مُتَوَكِّلاً عَلَيه.

وكان صلى الله عليه وسلم متوكلًا حقيقيًا لقناعته باليسير وصبره على ما كان يكره، وصدق اعتماد قلبه على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.

وأخيرًا فمن الذي سأل الله عز وجل فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه وتوكل عليه فلم يكفه،

فأحسنوا الظن بربكم وتوكلوا عليه، فإن الله يحب المتوكلين.

مادة إعلانية

[x]