اطلبوا النهضة ولو من بوروندي

13-2-2020 | 19:49

 

في السادس من أبريل من عام 1994، أصاب صاروخان الطائرة الرئاسية الرواندية أثناء اقترابها من مطار كيجالي الرواندي؛ مما أدى إلى سقوطها على الأرض، ومقتل جميع ركابها، من بينهم زعيم رواندا "جوفينال هابياريمانا" والرئيس البوروندي "سيبريان نتارياميرا"، وعقب الحادث مباشرةً انطلقت المجازر عبر رواندا بأكملها، وبدأت عمليات القتل التي قضت على خُمس سكان البلاد، بالمناجل والمطارق والسيوف، وكانت تلك المجزرة سببًا في شهرة رواندا، وكانت الحرب الأهلية بين قبيلتي التوتسي، التي حكمت البلاد لقرون، وأغلبية الهوتو، التي كانت قد تولت السلطة من العام 1959 إلى العام 1962، وأطاحت بالنظام الملكي التوتسي.

وبرغم أن أرقام القتلى متضاربة، فإن هناك آراء كثيرة ترجح أن يكون عدد القتلى جراء تلك الحرب الأهلية بين 800 ألف إلى مليون شخص.

وجمهورية رواندا، وتعني "أرض الألف تل"، هي دولة في شرق إفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى الإفريقية لشرق وسط إفريقيا، تحدها تنزانيا شرقًا وأوغندا شمالًا والكونغو الديمقراطية غربًا، وبوروندي جنوبًا، وهى تعد بالإضافة إلى بوروندي من أقاليم الكونغو الكبير، وتبلغ مساحة رواندا 26338 كيلو مترًا مربعًا، وتقع بأكملها على ارتفاع عالٍ، وأدنى نقطة فيها على نهر "روسيزى"، بمنسوب 950 مترًا فوق مستوى سطح البحر.

ونجحت رواندا في النهوض سريعًا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، وها هي تمتلك أجمل مدينة إفريقية، حققت السياحة وحدها نحو 43% من الدخل الإجمالي للبلاد، ونجحت الحكومة الرواندية الحالية في تسويق "كيجالي" كوجهة آمنة عن طريق تطبيق القوانين الصارمة الملزمة للمواطنين، قصّة الثورة التكنولوجية والاقتصادية الرواندية بدأت عام 2000؛ إذ تولّى رئاسةَ هذا البلد الإفريقي الفقير رئيسٌ عرف كيف يضع الخطة المناسِبة لانتشال بلاده من مخلفات الحرب الأهلية والفقرِ معًا، فبدأ بالمصالحة بين قبيلتي الهوتو والتوتسي اللتين أدخلتا البلدَ في حربٍ أهلية عرقية طاحنة سنة 1994 قضت على نحو مليون إنسان، وكادت تفكّك البلد أو تحوّله إلى دولةٍ فاشلة كالصومال.

فوضع الرئيسُ دستورًا جديدًا يحظر خطاب الكراهية العرقية ويجرِّمه، وبعد 5 سنوات من إرساء المصالحة والاستقرار السياسي، كلّف فريقَ خبراءٍ بوضع خطةٍ تنموية للنهوض باقتصادها، فوضعوا خطّة متكاملة من 44 محورًا تنمويًا وأسموها "رؤية 2020"، وبدأ التنفيذ وأوفدت رواندا لجانًا إلى شتى بلدان العالم التي شهدت تجاربَ تنموية ناجحة للاستفادة منها، وتفجّرت الطاقاتُ الرواندية المحلية، كما جلب البلدُ الكثير من الاستثمارات الأجنبية بفضل سياسة "الشباك الوحيد للاستثمار"، وفي ظرف عشر سنوات فقط تضاعف الإنتاجُ المحلي ثلاثين مرّة، وبلغت نسبة النمو الاقتصادي 9% سنويًا، وهي الأعلى في إفريقيا ومن بين أعلى المعدَّلات في العالم، وتراجعت معدلات الفقر من 60% في 1995 إلى 39% حاليا، وحظيت حكومتُها بوصف "الحكومة الأكثر كفاءةً ونزاهة في إفريقيا".

والسر كما يقول البورنديون "إذا استطعتَ أن تجعل المطار خاليًا من الفساد والرشوة، وخدمةَ الإنترنت في البلاد سريعة، وإجراءاتِ الاستثمار بسيطة، والشبابَ يتحدَّثون الإنجليزية، فإنك ستحصل على دولة فعّالة، وستجذب الشركات والمستثمرين من كلّ أنحاء العالم".

ويرجع تطور رواندا على مستوى الحوكمة الجيدة ومحاربة الفساد إلى مجهودات الدولة التي أصدرت مجموعة من القوانين الصارمة لمحاسبة المفسدين ومعاقبتهم؛ حيث وصلت العقوبات الصارمة إلى حد إصدار الحكم بالإعدام في حق المتورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام، فصارت من أنظف وأرقى المدن في القارة السمراء، وفيما يتعلق بالاقتصاد الرواندي، فقد تأثر بشكل كبير بالطبع خلال الإبادة الجماعية، لكنها حاليًا تعتمد على السياحة بشكل رئيسي، وهى القطاع الرائد، ومصدر النقد الأجنبي في البلاد، كما أنها تعتمد زراعة القهوة والشاي، وهما من أهم المحاصيل الزراعية في رواندا.

وتشتهر رواندا بتربية "الغوريلا الجبلية"، في الحديقة الوطنية للبراكين، التي تكلف السائح الواحد 750 دولارًا لزيارتها، وبرغم أن المبلغ كبير فإن رواندا استطاعت تسويق ذلك وجذب الآلاف من السائحين لمشاهدة "الغوريلا" التي يمكن زيارتها بأمان، كما توجد غابات نيونجوي، وموطن حيوانات الشمبانزي، وأماكن احتياطي السافانا الصغيرة في شرق البلاد، وقرود روفينزوري منتجعات بحيرة كيفو، كعوامل أخرى للجذب السياحي.

وتعد رواندا حاليًا قبلة للعديد من المستثمرين الكبار، فالبلد يقدم مناخًا آمنًا للاستثمار؛ حيث تخلق في رواندا أزيد من 10 آلاف شركة سنويًا، علمًا بأن إنشاء شركة لا يتطلب سوى ملء استمارة على موقع إلكتروني بتأطير من موظفي مجلس التنمية الرواندية، واصطحاب بطاقة تعريف وتحديد اسم الشركة، وتنتهي الأوراق خلال خمس ساعات، ولهذا تعد إجراءات إنشاء شركة في رواندا الأسهل في إفريقيا، كما أنها تتسم بالبساطة، بعدما استفادوا من تجربة سنغافورة في الاستثمار، وفي 27 فبراير من العام الماضي أرسلت قمرًا صناعيًا إلى الفضاء الخارجي؛ لتمكين تلاميذ مدارسها من الإنترنت مجَّانا لاستزادة معارفهم وتدريبهم على البحث منذ نعومة أظافرهم، كما أعلنت رواندا مؤخرًا تصنيعَ هاتفين محمولين ذكيّين، وافتخرت بأنهما أولُ هاتفين يُصنَّعان في إفريقيا بإمكانات محلية، والمثير للاهتمام أن ميزانية التعليم في تزايد مستمر، فبعد أن كانت 17% سنة 2013، وهي نسبة مهمة مقارنة بدول إفريقية بل وأوروبية، أصبحت 22% سنة 2018؛ لتصل هذا العام إلى 25% بغية إنجاح مشروع رواندا 2020 لكي تقدم تلك الدولة الإفريقية العظة والدرس بعد أن تحولت من المجاعة لسابع اقتصادي في سرعة النمو على مستوى العالم.

مقالات اخري للكاتب

أخيرا نجحنا في أزمة إدارة الأزمة

لم تكن السماء تمطر عندما بدأ سيدنا نوح بناء سفينته، والأدهى أنه كان يبنيها في وسط الصحراء، أي أن الأزمات تدار قبل حدوثها، وفي علم إدارة المخاطر والأزمات التأخر في اتخاذ القرار قد يحول المشكلة لأزمة

مهرجان البوس للجميع

مهرجان البوس للجميع

السيسي والذين معه

سيظل مشهد الثالث من يوليو ٢٠١٣ حينما اجتمع رموز الأمة المصرية أزهرًا وكنيسة وجيشًا وشبابًا ونساء ومحكمة دستورية عصي على فهم أولئك المتربصين بها؛ الذين

عزاء السرادقات ليس واجبا

عزاء السرادقات ليس واجبا

الفيروسات ابتلاء وليست عقابا إلهيا

نظريّة المُؤامرة الدينيّة، والسياسيّة، دخلت على خط أفكار مُتتبّعي المرض، فالسياسيّة ذهبت إلى تصنيع هذا الفيروس في المُختبرات الأمريكيّة، ومن ثم نشره في

دمج الوزارات هو الحل

أحسنت لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان عندما طالبت بإعادة النظر في وزارة التعليم العالي؛ نظرًا لأن الجامعات مستقلة ماليًا وإداريًا، وهناك المجلس الأعلى للجامعات هو من يضع السياسات التعليمية، ويشرف عليها، وهو ما يفتح الأبواب لإعادة النظر في الوزارات الزائدة.

مادة إعلانية

[x]