ناصر الجيلاني لـ"بوابة الأهرام": أعيش على الجسر بين القصيدة واللوحة | صور

10-2-2020 | 13:27

الفنان المصري الإيطالي ناصر الجيلاني

 

محمد حربي

الاتفاق بين الثقافة ال مصر ية والإيطالية هو البحث عن خلاص الإنسان الروحي كل بطريقتها، الثقافة ال مصر ية الأصيلة والقديمة كانت تعمل بجد وتبحث عن إجابات الأسئلة الكونية، مع التركيز على ما بعد الحياة الدنيا، بينما الثقافة الإيطالية تبحث عن الإجابات المتعلقة بجعل الحياة نفسها أكثر روحانية إذا صح التعبير.


ومن هذا المنطلق نجد الكثير من الاختلافات التطبيقية خاصة فيما يتعلق بحرية الفرد وعلاقة المجتمع بخيارات ذلك الفرد والقدرة على النقد، خاصة نقد الشائع أو الموروث، ورد فعل المجتمع على ذلك النوع من النقد؛ لكن لا نستطيع أن نجزم بأن إحدى الثقافتين أقدر على تحقيق الخلاص، "ولهذا ربما أجدني واقفاً في المنتصف مؤمناً بضرورة التبادل الثقافي القائم على الاحترام ومحاولة الفهم وقبول التأثر والتأثير بدون أحكام مسبقة”.

هكذا يلخص الفنان ال مصر ي الإيطالي ناصر الجيلاني الحكاية أو "الغواية" التي دفعته للسفر إلى إيطاليا منذ عشرين عاما والحياة فيها، من دون أن يتنكر ل مصر يته، وربما تبرر تلك الرحلة وتمنح لحظة المنتصف أو لحظة الجسر التي يعيشها تفسيراً منطقياً ومعني وجودياً.

في التفاصيل يحكي ناصر لـ"بوابة الأهرام"، عما تكشفه لوحاته الأخيرة في معرضه الذي جمع بين مصر وروما وبين الشعر واللون معا. وعن نشاط الجمعيه الثقافية التي يترأسها في روما.

اللوحة الأولي: غواية منذ الصغر.. كل الأحلام تؤدي إلى روما

يقول المثل: كل الطرق تؤدي إلى روما.. ويقول ناصر الجيلاني الذي استوطن العاصمة الإيطالية منذ خمسة عشر عاما:

"شيء ما كان يناديني في إيطاليا منذ الصغر. أعتقد أن قدر الإنسان يناديه دائماً، وهذا حدث معي في محطات كثيرة من حياتي ومنها اختياري إيطاليا ".. وقد بدأت الغواية مع ناصر وهو طالب بكلية الفنون الجميلة حيث فاز في مسابقة الطالب المثالي وتم ترشيحه لتمثيل مصر ضمن مشروع للتبادل الثقافي.

"كانت هناك فرصة للسفر إلى إيطاليا أو فرنسا أو أسبانيا فاخترت إيطاليا بدون تردد، وبعد تلك الزيارة تملكني شعور بأنني سأعود يوماً إليها، وهذا ما كان بالفعل بعد ذلك بسنوات طويلة".

قد يتساءل الكثيرون لماذا لم يفكر الفنان الشباب في فرنسا التي تعد الآن قبلة للفن العالمي، إلا أن لناصر وجهة نظر أخرى، فهو لم ينبهر بالشكل الفني لعاصمة النور وله أسبابه:
"لم أنبهر بفرنسا شأن الكثيرين من زملائي لأنني في بداياتي كدارس للفن الكلاسيكي، كنت شغوفاً بأعمال الفنان الروسي إيليا ريبان (1844- 1930) أحد أعظم فناني تيار الواقعية في الفن الروسي في القرن التاسع عشر، وشغفي بفنه دفعني للاطلاع على غيره من أقطاب الفن الروسي من أمثال فودكين وبوبوفا ونيكولاي جي وإيفازوفسكي وفاسنستوف وفروبيل وماريان فون ونيكولاس ريريخ وأندريه روبليوف، بخلاف المشهورين منهم لانتقالهم للغرب من أمثال مارك شاجال وكاندينسكي".

ولا شك أن هذا الاطلاع على الفن الروسي جعله يتخذ موقفا نقديا من مقولة المركزية الأوروبية والتي تحصر الفن أو أسسه في أوروبا الغربية.. "كنت أدرك أن فرنسا استمرت كسوق الفن الأكثر أهمية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت كل من انجلترا والولايات المتحدة في سحب البساط من تحتها، وبالتالي أصبحت مركزيتها بالنسبة للفن محل شك. ولا ننسى أن عصر النهضة هو بالأساس إنجاز إيطالي تألق فيه كل من دافنشي ومايكل أنجلو ورافايللو وبوتيتشيللي وببييرو ديللا فرانشيسكا وجاء بعدهم تيتزيانو فيشيللي المعروف باسم تيتيان حسب اللغة الإنجليزية".

لكن للهوى الإيطالي عند الجيلاني سببا آخر يرتبط بنشأته في المنصورة.. "كانت نشأتي في حي بمدينة المنصورة اسمه المختلط، نسبة لوجود المحكمة المختلطة به، وكان يسكنه إلى جانب التكنوقراط ال مصر يين الكثير من اليونان والإيطاليين، وكنت أجدهم أناساً طيبين بينما كانت نظرتي للفرنسيين مرتبطة بمسألة الحملة الفرنسية على مصر وحصار عكا ومشكلة الجزائر. ولم أعرف الفرنسيين كأشخاص أو كشعب في طفولتي، وكنت لا أفهم كيف قاموا بثورة ضد الملكية ثم انطلقوا لاستعمار الشعوب الأخرى".
ورغم موقفه النفسي من فرنسا، يعترف الجيلاني أنه مع الوقت بدأ يميل لأعمال التأثيريين وبعض التعبيريين "خاصة سيزان وماتيس وفان جوخ وجوجان وإيجون شيلي وإيميل نولده.. ولكنني بقيت أرى إيطاليا هي الأصل والأكثر أهمية".

اللوحة الثانية: بين عالمين يستوطن الفنان جسراً أو يكاد
لأي مهاجر موقفان من الغربة.. أن يعتبرها منفى اختياري يسمح له بتنفيذ أحلامه التي لم يحققها في وطنه ، أو مهجر دائم يستوطنه للأبد. لكن الجيلاني فضل الوقوف في منتصف اللوحة فيقول " إيطاليا ليست بلد مهجر ولا منفى اختيارياً، بل هي الجانب الآخر من شخصيتي. فقد كبرت مشتتاً بين الشعر ، الذي هو الوعاء الحقيقي للثقافة العربية بتقاليدها إيجابا وسلبا، وبين الرسم المرتبط بشكل عضوي بالثقافة الغربية والذي مثلته دائماً إيطاليا . الشعر يعني حب المرأة من منظور عربي حيث للمرأة بعد قيمي معين يرتبط بالأرض والعرض وربما الحلم المستحيل. وأذكر أنني كتبت قصيدة ولم أكن بلغت بعد التاسعة عشرة من عمري باسم "شاطئ المستحيل"، احتفى بها المستشرقون الإيطاليون بعد ذلك بسنوات وترجمها أحدهم، وهو الدكتور أنجلو سيزانا، وتم نشرها في الصحافة الإيطالية. أما الرسم وخاصة التقليدي الذي كنا ندرسه في الكلية، فكان يعني تجسيد اللحظة وإدراك الجمال في الكون والتقاطه ووضعه في اللوحة. وبالنسبة لي في تلك المرحلة العمرية كان جسد المرأة هو الجمال المطلق حيث يصبح الحلم متاحاً وملموساً، هذا التناقض بين الشاعر والرسام جعلني أعيش تقريباً في عالمين متوازيين".

اللوحة الثالثة: الفنون الجميلة مختبر للإبداع
الدراسة بكلية الفنون الجميلة بالزمالك في الفتره من ١٩٨٤ حتي ١٩٨٩ هي أهم تجارب حياة ناصر الجيلاني . ففي الكلية تعلم من المناهج لكن التعليم الأكبر جاء من المناخ الذي وفرته له الكلية، إذ يقول: "هذه الكلية في وجود عمالقة مثل حامد ندا والوشاحي وصلاح عبد الكريم وآخرين، كانت تمنح الطالب فرصة الاحتكاك والبحث بقدر كبير من الحرية ربما أكثر من أي كلية أخرى في مصر . فضلاً عن أن المستوى الفني لدينا لا يقل من الناحية التقنية عن المستوى الأوروبي".

تخرج ناصر بمرتبة امتياز وكان الأول على دفعته، لكنه هجر التدريس بالكلية مستجيبا لنداهة الكتابة فاتجه للعمل بالأهرام.

اللوحة الرابعة: "الصحافة لأهلها"
"فضلت عالم الصحافة بسبب ارتباطي ب الشعر ، فقد نشرت دواويني الأولى خلال فترة الجامعة وتم قبولي عضواً باتحاد الكتاب ال مصر يين قبل تخرجي فيها، في سابقة كانت وقتها استثنائية. واعتقدت أن انضمامي للأهرام سيفتح لي الطريق ككاتب وشاعر، لكنني فوجئت بعد التحاقي بالأهرام كرسام صحفي بأنني دخلت من الباب الخطأ لأن تقاليد الأهرام لا تسمح للرسام بأن يكون كاتباً أو رئيس تحرير، كما هو الحال مثلا في مجلة صباح الخير، لذلك بعد فترة أنجزت فيها الكثير من الرسوم الصحفية شعرت بأن التجربة قد اكتملت، وأنني يجب أن أبدأ تجربة جديدة. فتوجهت للعمل بالتحقيقات المصورة التليفزيونية في أبوظبي، ومن هناك بدأت الكتابة في جريدة الاتحاد ثم بعد ذلك نشرت الأهرام لي في صفحة الرأي".

لكن تجربة الكتابة والعمل بالصحافة أفادت الجيلاني كثيرا فقد فتحت أمامه الآفاق على عوالم أبعد من عالم الفن، هو عالم الثقافة بمداه الواسع.. "هذه التجارب أضافت الكثير إلى نظرتي للعالم، وأفادتني جداً بعد انتخابي رئيساً لجمعية دعم العلاقات الأوروبية - العربية، حيث أراعي الكثير من الجوانب فيما يتعلق بأنشطة الجمعية ثقافياً وإدارياً". وفي تلك الفنتره حصل ناصر علي الدكتوراه في الفنون من كلية الفنون الجميلة في منتصف التسعينات قبل أن يسافر إلى إيطاليا .

اللوحة الخامسة: إنكار الذات بداية النجاح - المسابقة الأخيرة
عندما نظمت الجمعية العربية الأوروبية التي يترأسها ناصر مسابقة فنية هذا العام تحت اسم "أسريا"، فاز ال مصر يون بتسع جوائز، ما فتح باب الجدل والكلام عن مجاملة الفنان ال مصر ي لأبناء جنسيته الأولى. لكن ناصر يدفع عن نفسه هذا الاتهام قائلا :
"استغراب كثيرين من فوز مصر بتسع جوائز في مسابقة "أسريا" ٢٠١٩ ، سببه عدم قراءة التفاصيل والتعامل مع العناوين فقط. وربما هذا التسرع هو آفة هذه المرحلة من التاريخ الإنساني. فبالدخول في التفاصيل نكتشف أولاً أن لجنة التحكيم في تلك المسابقة تكونت بالكامل من إيطاليين، لا يعرفون أحداً من المتسابقين ال مصر يين. وأنا شخصياً لا يسمح لي القانون بأن أكون عضواً لأني رئيس الجمعية، وبالتالي ليس لي صوت، وكل ما أقوم به هو التوقيع على ما تقرره لجنة التحكيم. ولا يمكنني أن أشارك بأعمالي ولو حتى كضيف شرف.
وثانياً، الفوز في أي مسابقة تحكمه عوامل مختلفة منها عدد ونوعية ومستوى الأعمال المتقدمة للمسابقة وقبل كل شيء مزاج لجنة التحكيم وسير الأمور في الوسط الثقافي خلال الفترة السابقة على تحكيم المسابقة، بما في ذلك نتائج المسابقات الأخرى.
ثالثاً، الجمعية قامت بتنظيم العديد من المعارض وورش العمل والندوات الفكرية، كما تشارك في معارض ومسابقات تنظمها جهات أخرى، وأذكر من أنشطة الجمعية معرض حوار مصر ي في قاعة آرت جاب والذي افتتحه معالي السفير هشام بدر سفير مصر في إيطاليا ، ومعرض رسائل من روما الذي ضم تسعة عشر فناناً من ستة دول، وسمبوزيوم قوة الفن بفندق ميركور والذي تبعه معرض بفندق بيرنيني في روما ضم فنانين من خمسة دول، وكذلك المشاركة في مسابقة سوبياكو، حيث فاز فنان من وفدنا بجائزة خاصة، والاشتراك بجناح خاص في معرض فيرنيشي بمدينة فورلي حيث فاز فنانونا بثلاث جوائز. وكذلك معرض حكاية فن بالمركز الثقافي ال مصر ي بروما بمشاركة ثلاثين فناناً من سبعة دول، كما نظمت الجمعية عدداً من الندوات الأدبية ضمن مشروع حوار الكتاب الأوروبيين والعرب، ومن ذلك ندوة بمكتبة فهرنهيت ضمت الكاتبة الروائية الإيطالية فرانشيسكا بيللينو والشاعرة السورية هبه مرعي".


اللوحة السادسة: ترويض التناقضات بين الشعر واللوحة
"عندما قررت التخلي عن الرسم التقليدي"، يقول الجيلاني، "كنت أحاول أن أجد طريقا فنيا أكثر تعبيرا عن شخصيتي، أو فلنقل عن ازدواج شخصيتي بين الشاعر والرسام. فكان قرار الجمع بين الشعر والرسم قرارا ذاتيا، وربما هو إعلان عن الاختلاف، أو مقاومة نفسية للتنميط الذي تحاول كل ثقافة أن تفرضه عليك. وأنا لا أعتبر نفسي حروفيا مثلما كانت مجموعة الحروفيين في أواخر القرن الماضي، لأنني لست مرتبطا بالحرف كوحدة تشكيلية بقدر ما أنا مرتبط بالمعنى الذي يحمله الحرف، وربما الكلمة، ضمن السياق الشعر ي أو الصوفي. والتجريد في عملي ليس بمعنى التجرد من المعنى ولكنه التجرد من التشبيه أو من نقل الشكل وتجسيده، حيث الحالة اللونية العامة هي نتاج التحريض الذي قام به الشعر عن طريق استدعاء الصور المتناقضة من أعماق الذاكرة".

اللوحة السابعة: تنويع على جدلية اللون والكلمة في عوالم متداخلة
زاوج ناصر الجيلاني في معرضه الاخير بروما والذي جاء تحت عنوان "عوالم متداخله" بين الحروف العربية لكلمات وأبيات شعرية للمتنبي وبعض الصوفيين، وأبيات أو سطور من شعره هو وكأنه كما يقول يقاوم على جهتين: الأولى ماضيه الذي لا يتركه، والثانية واقعه الذي يتنكر غالبا للشعر وينحاز للصورة..

" الشعر بالفعل يمثل الماضي، ويمثل الحلم أو العالم الذي أفتقده، فأنا أفتقد جلسات الشعر اء الشباب الذين يتقابلون لينشدوا آخر كتاباتهم، أفتقد أصدقاء الجامعة الذين يتدارسون معاً روايات ومسرحيات عالمية في محاولة لاستكشاف العالم، أفتقد المناقشات العميقة حول الدين والفلسفة، أي أنني أتمسك ب الشعر تماماً مثلما يتمسك الضابط في فيلم داوود عبد السيد بكتابة رسائل إلى أناس لن يقرأوها، وربما لا يعرفون بوجودها أصلاً.
في مسألة اللون ربما يكون عنف التعبيرية وقوة اللون من منظور التناقض وليس التشبع اللوني هو ما جعل الباحثة الإيطالية ناديا بيرروفا تربط بيني وبين جوجان، ولكن جوجان كان يعبر عن انبهاره بإشعاع اللون تحت شمس المشرق في مقابل ضبابية اللون في الطقس الأوروبي. وهذا الانبهار كان بصرياً أكثر منه فكرياً. لكن بالنسبة لي الحاضر هو هذا التشوش اللوني المرتبط بهذا العالم المتناقض والقلق الذي نعيشه، هو تعبير فكري أكثر مما هو بصري".


البدء كالختام رثاء ما أخفيه خلف الألوان الرسم فوق الشعر ليس قتلاً للأب، كما يظهر لبعض محللي الفن من راوية علم النفس او الفرويدية لكنه كما يقول الجيلاني بطريقته إنه رثاء للاب، "محاولة لحكاية قصته وما حدث له بشكل مختلف، إنه أشبه بأن تقول نعم أنا حزين لكنني سألبس أفضل ثيابي وسأحضر الحفل رغم كل شيء".

قد يكون صعبا شرح اللوحات أو قراءتها كما يقول بعض نقادنا، تقريبا للفن إلى ذائقة بنيت على النصوص لا الصور. لكن اللوحة في منظور ناصر الجيلاني لا تبتعد كثيرا عن المعنى لكنها ليست للقراءة. يقول الجيلاني ويوصينا أن نصدقه: "تخطت اللوحة في عالمنا اليوم الخلاف الأيديولوجي الذي كان قائما بين الماركسية والرأسمالية. وبانهيار الاتحاد السوفيتي انتهت المدرسة التي كانت تؤيد قراءة اللوحة كمعنى أو كرسالة، لها دورها في إطار الصراع الاجتماعي والسياسي. لكن المدرسة المضادة التي كانت ترى اللوحة بحثا فنيا خالصا، هي أيضاً سقطت في العزلة، بسبب حصر تقدير الأعمال الفنية في نخبة محددة، فضلاً عن استنفاد الكثير من أوجه البحث الفني خلال القرن الماضي. ولذلك هناك اتجاه اليوم يركز على ذاتية الفنان، وهو اتجاه يعكس حالة الاغتراب وعدم اليقين الذي يسيطر على المناخ العالمي في كل المجالات. وبالتالي أعمالي لا يمكن وصفها بالتعبيرية المنتمية إلى الحداثة، وإنما يمكن وصفها بالأعمال الذاتية التي تنقل ما بعد الحداثة من إطار التفكيك وما بعده إلى إطار العولمة بمفهوم التواصل والتلاقح لا بمفهوم السيطرة وفرض وجهة النظر الأقوى".

رؤية نقدية

وتقدم الناقدة الإيطالية "ناديا فيرريو" رؤية نقدية حول أعمال الجيلاني، وتقول:

بعد رحلة طويلة من ممارسة الفن حسب التقاليد الأوروبية خاصة رسم الموديل العاري انتقل ناصر الجيلاني منذ أكثر من عشر سنوات إلى نوع من الرسم التجريدي مع استخدام الخط العربي لكتابة أبيات من الشعر ، معبراً بذلك عن شخصيته الحقيقية، فهو يقول إن الشعر العربي قد ساهم في تشكيل وعيه فقد بدأ كتابة الشعر في المرأة عندما كان في السابعة عشر من عمره، وبرغم أنه قد مارس الرسم بانتظام منذ الطفولة لكن الشعر كان يمثل أداة أسهل في التعبير عن مشاعره، لذا وعندما قرر الانتقال من مستوى الرسم التشبيهي إلى المستوى التعبيري اعتبر أنه لا يمكنه إغفال الشعر .

وقد تطورت ممارسة الجيلاني للفن تحت تأثير المدارس الفنية الغربية من محاكاة أساليب التأثيرين إلى أسلوب يقارب بشكل ما نهج التعبيرية الألمانية حيث البحث والتعبير عن الذات الداخلية والشعور بالغربة، وذلك باعتماد الألوان القوية والتباين، مع تأثير طاغي لقوة الألوان وضربات الفرشاة التي ميزت مناظر إميل نولده الطبيعية؛ لكننا نلاحظ أيضاً تأثيرات من الفن الرمزي ولا سيما كليمت وجوجان حيث الأجواء الحالمة والألوان الدافئة التي تهيمن في بعض الأحيان.

ونستطيع أن نميز في أعمال الجيلاني في معرضه الأخير "عوالم متداخلة"، والذي زاوج فيه بين الشعر واللون ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: يفسح مساحة أكبر للخط العربي وكتابة الشعر مع تقسيم لمساحة اللوحة فيما يذكرنا بالفسيفساء أو الزخارف الإسلامية والتي كانت حاضرة باستمرار إلى جانب الخط في المخطوطات القديمة، وكذلك في المنسوجات التقليدية المسماة "الكليم".

الاتجاه الثاني: يحافظ على مساحة كبيرة للخط و الشعر ولكن مع انطلاق أكبر للألوان المشتقة من عوالم واقعية كالنيران أو الأمواج بحيث تبدو اللوحة الفنية وكأنها تبتلع بعناصرها اللونية حضور الخط و الشعر .

الاتجاه الثالث: والذي يكاد يختفي فيه الخط و الشعر في الطبقات الأولية للوحة؛ بحيث تبدو اللوحة وكأنها رسمت بالكامل على قماش كانت قد طبعت عليه كتابات وأشعار بالكاد ندرك وجودها.


الفنان ال مصر ي الإيطالي ناصر الجيلاني


الفنان ال مصر ي الإيطالي ناصر الجيلاني

مادة إعلانية

[x]