القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

6-2-2020 | 19:32

 

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"- اختيار القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2020، وجاء هذا الاختيار خلال حفل اختتام تظاهرة تونس عاصمة للثقافة الإسلامية عن العالم العربي لعام 2019، والذي تم تنظيمه في العاصمة التونسية.

وكم كانت سعادتي لمثل هذا الاختيار الذي كان في محله، وتستحقه عاصمتنا الطيبة، وإن كنت أرى أنها تستحقه أبدًا ودومًا - طالما الزمان والمكان قائمان، والبشر يتجاذبون ريادة الحضارة والثقافة والعلم والتاريخ، وأزهرنا الشريف وثقافتنا وتاريخنا الإسلامي شاهدون.

وقد يتساءل البعض ما قدر عاصمتنا القاهرة؟ وماذا تعني الثقافة الإسلامية مفهومًا ومصطلحًا؟ وما مصادرها وخصائصها؟ لكي يقترنان ببعضهما شرفًا هذا العام، من منظمة إسلامية عالمية لها حضور وجهود دولية لا ينكرها إلا جاحد.

من ثمة رأينا كثيرًا من علمائنا المختصين قد وضعوا تعريفات مهمة لمفهوم مصطلح الثقافة الإسلامية، أبرزها؛ أنها معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، ويشمل ذلك: الدين، واللغة، والتاريخ، والحضارة، والقيم، والأهداف المشتركة بصورة واعية هادفة.

أما عن مصادرها، فتتكئ على أعمدة أربعة رئيسة، تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وخبرات البشرية القيمة عبر العصور المتتالية، وفكرنا وتراثنا الإسلامي الذي أنتجه المسلمون من المعارف الكونية المختلفة خلال حقب الإسلام المتعاقبة منذ عصر صحابة نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - وحتى الآن، وهو ما أوجب علينا نحن المسلمين تحديد الثقافة التي تمثلنا في ظل ازدحام التيارات الفكرية والثقافات، وإدراك الاتجاهات التي تُحيط بنا، حتى نتصرف على أفضل وجه، ونبتعد في حياتنا عن العبث والضياع، وتحرير عقلنا في هذا العصر من الثقافات التي تسعى إلى تضليل الثقافة الإسلامية.

كما أن المدقق النابه في ثقافتنا الإسلامية يرى أنها تتدثر بالعديد من الخصائص الطيبة المباركة التي تميزها عن غيرها من الثقافات الأخرى، بشمولها وكمالها، فعلومها ومعارفها مستمدة من كتابنا المقدس الكريم، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، داعية إلى توحيد الله تعالى الخالص ومكارم الأخلاق التي جاء بها رسولنا، وصبغ بها ديننا الإسلامي، إصلاحًا وتهذيبا لفطرة الإنسان التي اختطفه الشرك من الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا شريك له ولا ند ولا ولد، وأيضًا تهذيبا لغرائزه، وبثا لأسباب الطمأنينة في نفسه، وتحقيقًا لرضاه بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد "صلى الله عليه وسلم" نبيًا ورسولًا في الدنيا، وسعادة له في الآخرة مما آمن به وعمل له سلفًا.

كما تمتاز ثقافتنا الإسلامية بالتوازن والاعتدال والمثالية الواقعية، فتعمل على تحقيق هذا الاعتدال في بناء الشخصية الإسلامية تحقيقًا فعليًا، لا شكليًا، متمثلا في توازن الروح والمادة عند المسلم، فالاثنان يمثلان رمانة الميزان لشخصية المسلم، فلا يطغى جانب على آخر، لا كما تسيطر المادة على الإنسان الغربي وجميع الأمم المختلفة معنا في العقيدة، والذين نجدهم يبحثون عن هذا التوازن فلا يجدونه إلا في ديننا، فيعتنقوه بإيمان خالص، يملأ قلوبهم شفاء، ويروي ظمأ عقولهم، ومن ثمة كانت لهم ثقافتنا الإسلامية أيضًا عطفًا على ديننا رافدًا مهمًا من روافد السمو بالروح والفكر، وجعل الإنسان متميزًا بأخلاقه، وعقيدته، وسلوكه مع الآخرين، متسمًا بتحقيق توازنه بين متطلبات الدنيا، ومقومات سعادته في الآخرة.

أما القاهرة فهي منارة مهمة من منارات الحضارة الإسلامية، وشاهد حي لتاريخنا الإسلامي المجيد، لما تزخر به من الآثار العديدة، والمزارات الباقية الشاهدة على مكانة عاصمتنا الإسلامية منذ إنشائها، وعبر العصور المتعاقبة، والتي يتجلى أبرزها وأهمهما في مسجد عمرو بن العاص، أول جامع بني بمصر، بعد أن فتحها عمرو بن العاص سنة 20 للهجرة الموافق سنة 641م، ويقع بالفسطاط بحي مصر القديمة ، وكذلك الجامع الأزهر، وقلعة صلاح الدين، التي شيدها، وعرفت باسم قلعة الجبل، وهي إحدى أهم معالم القاهرة الإسلامية، وأيضًا جامع محمد علي، الذي يوجد في القلعة ذاتها، وهو أكثر معالم القلعة شهرة، كما يسمى أيضًا بجامع المرمر، نسبة لنوع من أنواع الرخام النادر الذي كسي به.

من معالم القاهرة الإسلامية الأثرية التاريخية أيضًا مسجد أحمد بن طولون، الذي يعتبر ثالث جامع أنشئ بمصر الإسلامية، وكذلك الجامع الذي شيده الناصر محمد بن قلاوون منذ نحو سبعمائة عام ويقع وسط القلعة، ويحمل اسمه، وكذلك مقياس النيل بالروضة الذي يعد من أهم آثار الدولة العباسية بالقاهرة الإسلامية.

وهكذا.. إذا أخذنا في حصر آثار القاهرة الإسلامية، فسوف نحتاج إلى مجلدات عديدة، لكن ما أحب أن أختم به مقالي، شكري لربى - ثناء عليه - أن قيد لنا علماء أكارم أفاضل، يعنون بالثقافة الإسلامية عبر أقسامها الكثيرة المباركة في كليات الدعوة الإسلامية والدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف ، وأن جعل القاهرة الإسلامية المباركة عاصمة لدولتنا، نحيا ونعيش على أرضها الطيبة، حاوية مقابرها أولياء الله الصالحين، والقادة والسلاطين الإسلاميين الذين سجلوا سطورًا من نور عبر تاريخنا الإسلامي المتعاقب.. وتهنئتي للقاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية من فؤادي سادرة.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ملتقى القاهرة الدولي الخامس للخط العربي

بادئ ذي بدء، أسجل عشقي وهيامي بفن الخط العربي كفن إسلامي أصيل يأخذ بالأفئدة والألباب قبل أخذ الأبصار، ذلك أنه حاضن رئيس لوعاء هويتنا العربية والإسلامية

عمارة.. ونشر علمه وفكره

عمارة.. ونشر علمه وفكره

صناعة التطرف والعنف .. بفيلم كارتون

أثار انتباهي هذا التقرير المنشور للزميلة إيمان عباس بـ"بوابة الأهرام" تحت عنوان (صناعة التطرف والعنف تبدأ بـ"قصة وفيلم كارتون".. والبرلمان يفتح الملف)،

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

هذا هو الإسلام

جميل، وبديع، ومثمن، صنيع وزارة الأوقاف حين أطلقت حملتها العالمية الدعوية لهذا العام "هذا هو الإسلام" بأكثر من عشرين لغة، بيانا لصحيح الإسلام للدنيا بأسرها،

نعم.. تستطيع الدراما

بحكم طبيعة عملي الصحفي، وركضي الحثيث للبحث عن المعلومة الموثقة الهادفة التي أقدمها لقارئي الحبيب، أجدني مقلا في متابعة الأعمال الدرامية على مختلف أنواعها،

الممر.. تحية إجلال وتقدير

توثيق، وطني، عالمي، عظيم، كنا في أمسِّ وأعظم الحاجة إليه في الوقت الراهن، يأخذ بأيدينا الى شاطئ وبر أمان الوطنية المتجذرة في قلوبنا نحو وطننا وجيشنا وأرضنا،

في ذكرى النصر والعبور.. معركتنا مازالت مستمرة!

كنت قد نوهت في مقالي السابق عن تكملة حديثي عن ديننا الحنيف، ويوم السلام العالمي، بيد أن حلول ذكرى نصر أكتوبر العظيم، جعلتني لزامًا علىّ مشاركة أبطالنا ومصرنا الحبيبة تلك الذكرى المباركة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]