ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

26-1-2020 | 13:18

 

عصر ما بعد الحداثة بشكل مبدئي يرفض الحداثة، وما يرتبط ب الثورة الصناعية من نظريات شمولية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي المجال الاجتماعي سادت نظريتان وهما النظرية الوظيفية.

والنظرية الوظيفية تتبع الفكر الرأسمالي، ولكن نظرية الصراع تتبع الفكر الشيوعي، وكل نظرية تسعى لتفسير قضايا ومشكلات المجتمع من خلال أبعاد ومحتويات كل نظرية.

ولكن اتجاه ما بعد الحداثة يرفض تعميم كل النظريات السابقة بوجه عام؛ في كل المجالات السياسية والفنية والفلسفية والاجتماعية.. وغيرها؛ على أساس أن لكل مجتمع بيئته الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية والطبيعية المختلفة، كما أنه لا يوجد نظرية تصلح لكل زمان حتى ولو في نفس المجتمع؛ وبالتالي لا يمكن تعميم نظريات سابقة في عصر جديد شهد ثورة كبيرة في كل مجالات الحياة، وبالتالي فهذه النظرية تعطي اهتمامًا أكبر للبيئة من خلال مفهومها الشامل للأبعاد الطبيعية والتكنولوجية والإنسانية، وأيضًا للزمن وما يرتبط به من تغيرات تختلف من مكان لآخر.

ومن هنا فالتغيرات الاجتماعية كبيرة في عدة مجالات تبدأ بالأسرة؛ حيث أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي لعدة مشكلات أسرية؛ من أخطرها أن هذه الوسائل سحبت كثيرًا من تأثير الأسرة على أبنائها وإكسابهم عادات وتقاليد الأجداد المتوارثة من أجيال سابقة؛ ولكن مع جهاز كالموبايل الصغير أصبح الطفل أو النشء بوجه عام يطلع على ما يحدث في أوروبا أو أمريكا أو أي مكان في العالم، وأصبح هذا الجهاز الصغير وحده له دور كبير في التنشئة الاجتماعية للأجيال لا يقل عن دور الأسرة في كثير من الأحيان، ويصعب منعه أو حظره لاستخداماته المتعددة؛ سواء في الدراسة أو الانتقال وغيره من الاستخدامات الأخرى؛ وهذا في حد ذاته يسبب كثيرًا من المشكلات داخل معظم الأسر، فالأجيال القادمة مختلفة تمامًا عن أجيالنا والأجيال السابقة، وإذا كانت هناك دائمًا فجوة بين الأجيال لكن هذه الفجوة اتسعت بشكل رهيب الآن؛ لأن التكنولوجيا الحديثة سحبت كثيرًا من دور وتأثير الأسرة على أبنائها، وهذا سوف يؤدي - على المدى البعيد - إلى نشأة ثقافات جديدة متقاربة في العالم، والأخطر أننا لا نملك التكنولوجيا التي تسهم في عرض ثقافتنا أو نشرها؛ وبالتالي سوف تكون هناك تبعية ثقافية للحضارات المتقدمة والمسيطرة على التكنولوجيا الحديثة، وهذا بالطبع له تداعياته المتوقعة في عدة مجالات؛ مثل ضعف الانتماء الوطني والحضاري، وضعف التماسك الأسري.

وتزداد المشكلة مع تقدم تكنولوجيا الروبوت؛ حيث أصبح هناك عروس روبوت يحاكي جسم المرأة، وعريس روبوت يحاكي جسم الرجل بجودة عالية؛ لدرجة أن أحد علماء الاجتماع في إنجلترا يتوقع انتشار هذا الربوت؛ مما يؤدي لانخفاض نسبة الزواج بنحو 50% بعد عشر سنوات فقط؛ خاصة أن ذلك يوفر نفقات الزواج وتكاليفه ومشكلاته وبدون أي مسئوليات.

واستمرار هذه الظاهرة قد يؤدي لانقراض البشرية على المدى البعيد، ومن ناحية أخرى مع قدرة الأجهزة الطبية الحديثة ودقتها في التشخيص والتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها بفترة زمنية؛ مما ييسر الوقاية والعلاج، ومن ثم متوقع ارتفاع متوسط الأعمار، وزيادة أعداد ونسب كبار السن والمعمرين، مع تفكك اجتماعي فتزيد الحاجة لرعاية المسنين ودور الرعاية الخاصة بهم، ومن ناحية أخرى فإن قضية العدالة الاجتماعية والبيئية بوجه عام يتوقع لها زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ سواء بين الدول وبعضها البعض أو داخل كل دولة؛ وذلك لاتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول وبعضها البعض، أو بين الأشخاص داخل كل دولة؛ لأن من يمتلك التكنولوجيا الحديثة في الدول الكبرى سيعمل ويصدر ويربح الكثير، ومن لا يمتلكها سوف يدفع الكثير لاستيرادها؛ ومن ثم سوف تزداد الفجوة بين البلدان التي تمتلك التكنولوجيا الحديثة، ومن ثم تمتلك الثروات الكبيرة.

بينما الدول المتخلفة تكنولوجيًا سوف تعاني وتدفع الكثير، وتزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في العالم، وداخل كل دولة سيكون للتكنولوجيا الحديثة؛ خاصة تكنولوجيا الروبوت السيادة في كل أو معظم مجالات العمل؛ مما سيؤدي لتفاقم مشكلة البطالة ؛ حيث سيحل الروبوت في معظم مجالات العمل بكفاءة أكبر وتكلفة محدودة؛ فمثلا مكتب محاماة كبير كان يعمل به عشرة محامين، سيكتفي بمحام متميز أو اثنين على الأكثر، ويستعين بخمسة أو عشرة روبوتات من المحامين، ونفس الشيء في التنظيف أو المطاعم؛ بل حتى في أساليب الحرب والقتال سينتشر الروبوت المقاتل القادر على حصد العديد من الأرواح وفي كل المجالات؛ ولذلك سوف تقل ساعات العمل وتزداد الإجازات؛ حيث يتوقع أن يكون هناك ثلاثة أيام إجازة أسبوعية؛ مما يزيد من أهمية السياحة ووسائل الترفيه.

ولكن يبقى الإنسان غير المتعلم يعاني من الفقر وعدم وجود أي فرص عمل؛ مما يمثل عبئًا كبيرًا على المجتمع، وتهديد خطير للأمن الاجتماعي؛ سواء على المستوى المحلي أو القومي أو على مستوى العالم كله، مع تزايد المخاوف مع تراجع المجتمع والإنسانية بوجه عام مع هذه المستجدات التكنولوجية؛ والتي قد تصبح خارج سيطرة الإنسان؛ مما يصعب من التعامل معها ومع أخطارها غير المحسوبة.

مقالات اخري للكاتب

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

كورونا فرصة للاستثمار (5)

قال الدكتور محمد عبدالعال، رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي إن مصر قادرة على تحويل أزمة كورونا إلى فرصة للاستثمار؛ من خلال توطين الصناعة وزيادة الاهتمام بالزراعة.

كورونا وهجرة العقول (4)

تصاعد أزمة كورونا كشفت ضعف المنظومة الصحية في معظم دول العالم، وأيضًا ضعف منظومة البحث العلمي والتعليم في كثير من الدول؛ ومنها دول كبرى وعظمى، وبالطبع سوف يؤدي هذا إلى تغيرات كبرى على مستوى العالم في شكل العالم بعد كورونا.

من يدفع ثمن كورونا؟ (3)

كورونا لها تكلفة باهظة وثمن غال على الصحة والاقتصاد، والله سبحانه وتعالى وزع الأعباء الصحية على جميع بلدان العالم بأسره بحكمته وعدالته بين الجميع، ولم يكن هناك فرق بين أمير أو رئيس وبين أي عامل نظافة أو غيره فهي العدالة البيئية في أجل صورها

بدائل السجون في عصر الكورونا

الهدف الأساسى من السجن إصلاح وتهذيب السلوك السلبى للأفراد الخارجين على قواعد المجتمع؛ ولكن الدراسات أثبتت أن السجون عادة ما تفشل فى تحقيق هدف الإصلاح والتهذيب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

مادة إعلانية

[x]