مرايا المدينة المنورة

21-1-2020 | 19:25

 

يحتاج كاتب السيرة الذاتية إلى الكثير من الصدق والشجاعة والقدرة على التذكر، أو ذاكرة حديدية ترتقي لذاكرة صاحب "الأيام" الدكتور طه حسين.

وربما البعض يعاني كثرة الذكريات وتشابكها، مما يجعل كاتب سيرته يتردد ويتأنى، وقد ينصرف تمامًا عن مشروعه.. وقد يرى البعض ممن عاشوا حياة حافلة قريبًا من الحكم وأروقته يتراجعون حتى لا يتأذى أو يُجرح أحد أو يهتك سر..

وهذا ما تحدث عنه المفكر القانوني البارز والوزير السابق الدكتور مفيد شهاب خلال مناقشته كتاب الدكتور صالح بن بكر الطيار "سيرة ومسيرة" الصادر قبل أيام عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة.

وقد جمع الدكتور الطيار صفات كثيرة مما ذكرها الدكتور شهاب وكتب سيرة شخصية ومهنية، وأكثر من ذلك وطنية وعروبية، وإن خص بالذكر مصر من بين كل الأقطار، وفسر ذلك في كتابه، وشرح الأصول المصرية في دمه من جهة الأم.

والمناصفة كانت في الكتاب وكذلك الشهادات والتي كتبت بدماء الخبرات الطويلة، لم تكن موجهة سوى للسعودية ومصر، ولذلك فإن الكتاب يعتبر بحق دفقة جديدة في نهر العلاقات المصرية السعودية .

وربما وضع الدكتور الطيار الكتاب أو اتبع القواعد العامة لكتابة السيرة، بحيث لم تهيمن الصنعة على الحقيقة، أو المهارة على الصدق، فكتب سطورها بأسلوب سلس وبسيط، لكنه يتميز بالعمق والأصالة، ولم يدع أفكارًا كثيرة تقيد حرية عمله، وكتب بأوضح عبارات ممكنة ما يريده من هذه السيرة، وهي أن تكون عرفانًا لمن ساندوه وعلى رأسهم والدته، وتسامحًا مع من آذوه وأقربهم أصدقاء أو من كانوا يدعون الإخلاص والوفاء، ثم خبرات حياته يقدمها لأبنائه وأقرانهم.

وهو ما لمسه رئيس اتحاد الناشرين العرب وناشر الكتاب الأستاذ محمد رشاد لما لاحظ أن الدكتور الطيار استهدف أن يكون جسرًا للوعي بين أجيال في بلده، أجيال عاشت ما قبل طفرة النفط، ثم الطفرة، وأخيرًا التحديث، وأنه أراد بمذكراته سد الثغرات التي يمكن أن تجد أسئلة بلا إجابات..

الدكتور الطيار ابن المدينة المنورة التي نشأ ولعب في حواريها وأزقتها وتعلم في مساجدها ومدارسها، فيما كان يذهب وأصدقاؤه إلى ربوة عالية لمشاهدة الطائرات وهي تهبط وتقلع.. وتأخذ معها أحلامهم إلى الأفق البعيد.

هذا الطفل الفقير في مجتمع أغلبه من الفقراء المكافحين قبل فورة النفط الذي أتاح للدولة الصرف المغدق على التعليم والصحة والأفراد بصفة عامة، لكن كما قال الطيار في سيرته كانوا سعداء ومتضامنين كأفراد أسرة وكل الحي الذي مثل مضمون الجيرة الحقيقية.

حكى المؤلف عن أيام المدينة وما شاهده فيها وهو يلعب ويدرس ويساعد والده في خدمة ضيوف الرحمن، حكى عن عادات وتقاليد استقبال شهر رمضان والزيارة الرجبية لأهل مكة ورؤيته للملك فيصل عندما زار المدينة لينال البيعة بعد الملك سعود واحتضان الملك له، وتمكنه دائمًا من رؤية ضيوف المدينة من ملك اليمن إلى بطل الملاكمة العالمي محمد علي كلاي .

وينتقل إلى اهتمامه المبكر بالصحافة والإعلام، ويصل بنا إلى المصادفات التي أخرته عن الالتحاق بجامعة سعودية ليأتي إلى "سنوات القاهرة" وليدرس الحقوق بدلا من العلوم السياسية.

ويفيض في شرح فضل أساتذته في حقوق القاهرة من مفيد شهاب إلى فتحي سرور وسميحة القليوبي، وتمسكه بالاستمرار في الدراسة برغم أن مهنة المحاماة لم تكن جاذبة للدارسين السعوديين ولم تكن تبين عن مستقبل في المملكة في ذلك الحين، ثم سفره بالمصادفة أيضًا ليستكمل دراساته العليا في جامعة رين في شمال فرنسا وعودته بالدكتوراه.

كثيرة هي المصادفات المحورية في حياة الدكتور الطيار، لأن مصادفة أخيرة أبقته في فرنسا حتى الآن، بعد أن أسس مكتبًا للاستشارات القانونية في الشانزلزيه، لكن الاهتمام بالسياسة وبقضايا الوطن كانت موهبة أكثر منها هواية، فأنشأ عقب تحرير الكويت من الغزو العراقي مركزًا للدراسات العربي -الأوروبي في باريس، استعان فيه بكبار المفكرين العرب والأوروبيين وأنجز المركز مؤتمرات وصلت إلى العشرة بواقع مؤتمر في عاصمة أوروبية يليه مؤتمر في عاصمة عربية... وهكذا، حتى جاء الحادي عشر من سبتمبر وتغيرت سياسات وتحديات، فأبقى على نشاط المركز وصار يقيم "حوارات باريس" السنوية.

مهما يكن فإن الكتاب ليس هذه الخطوط العريضة إلا من خلال إلقاء نظرة شاملة، إنما تكمن أهمية الكتاب في التفاصيل الدقيقة.. تفاصيل الحياة في المدينة التي يراها المؤلف في كل المرايا التي يدقق فيها، مرايا حقيقية أو نفسية.

والتفاصيل في رؤيته للصراعات العربية في أزمنة ومواقف معينة، وفي سرده لتفاصيل ملفه مع المرض والذي قاده يومًا إلى مستشفى مايو كلينيك في الولايات المتحدة وإلى غيرها.

وفي علاقته بالملوك والرؤساء العرب، الأكثر من ذلك في علاقته لمعارضي سياسة المملكة من السعوديين وغير السعوديين، وإعلائه أهمية الحوار مع الجميع؛ لأنه لا وسيلة أخرى، وأيضًا في يوميات حياته وزوجته في مدينة رين، والتي تجمع ما بين الدراسة والفكاهة والمواقف التي يتعرض لها عائلة سعودية صغيرة على بحر المانش.

مقالات اخري للكاتب

حدائق الفيس بوك

في جلسة خاصة جمعتني بالأستاذ السيد ياسين في معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته: كيف يرى استعاضة المصريين عن اللقاء المباشر الحميم بإرسال التهاني والتعازي

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

أيام مع نجيب محفوظ (21)

حصل الأستاذ نجيب محفوظ على جوائز محلية، سرعان ما تبخرت في الصرف على طلبات عائلية، أو في عملية نصب، مثل إعلان عن مشروع سكن فيلات في المعادي على النيل، ودفع لها ألفي جنيه كانت كل قيمة جائزة الدولة التقديرية سنة 1958.

أيام مع نجيب محفوظ (20)

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية "ملكة النور".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).

أيام مع نجيب محفوظ (19)

عشية عودتنا إلى القاهرة أعدت الجمعية المصرية باستوكهولم برنامجًا حافلاً مساء يوم الإثنين 12 ديسمبر تحت اسم "الأمسية الثقافية بمناسبة حصول الأديب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب لعام 1988"، وذلك في قاعة الحفلات الموسيقية في ستوكهولم.

أيام مع نجيب محفوظ (18)

سألني الأستاذ نجيب محفوظ بعد عودتي من استكهولم عن رأيي فيما جرى، وعما كتبت في مجلة "المصور" كتغطية للرحلة، وقلت له إن قراره بعدم السفر جعله "الحاضر الغائب"، وأن الاهتمام به من الصحف والإعلام كان هائلاً، وسألني عن الكلمة وتأثيرها وأداء الأستاذ محمد سلماوي فقلت له: إن الكلمة كانت شديدة التأثير..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]