"تركيا الآن بلد حزين".. أردوغان انسلخ ببلاده عن محيطها ودمر علاقاتها مع أوروبا

20-1-2020 | 15:31

رجب طيب أردوغان

 

أنقرة - سيد عبد المجيد

تركيا الآن بلد حزين.. تلك هي العبارة التي أطلقها الصحفي التركي البارز "جان أوندار" من منفاه في ألمانيا خلال حواره المطول لموقع أحوال المعارض.


أوندار ــ الذي تعرض لمحاولة اغتيال في وضح النهار وسط إسطنبول، وأمام المحكمة العدلية التي كان يستعد للمثول أمامها ــ لم يختر الهروب ولكنه أجبر عليه، بعد أن كشف جانب وحيد فقط من عوالم فساد صارت تنهش في جسد مجتمعه الأناضولي.

صحيح أنه هو نفسه من أزاح الستار عن شحنات أسلحة تم ضبطها في سيارات تابعة لجهة أمنية رسمية وهي في طريقها للميلشيات الجهادية بالجارة السورية، لكن أوندر يقينا لم يدر بخلده أن ينزلق النظام الحاكم ببلاده إلى هذا الدرك المخيف بدعم تنظيم بوكو حرام الدموي في نيجيريا، وهكذا لم يعد تمويل الجماعات الإرهابية يقتصر على الدول ال عرب ية بل وصل إلى عمق إفريقيا، ومع الهوة السحيقة التي باتت تفصل تركيا عن القارة العجوز كان من الطبيعي أن يتضاعف حزن الصحافي وهو يري جمهوريته الفتية تنسلخ وبإصرار غريب ليس فقط عن مبادئها سلام في الداخل سلام بالعالم ، بل من محيطها الحداثي الذي تستحقه.

في عمر الجمهورية الكمالية ( الذي سيصل المائة عام 2023)، لم يأت رئيس عليها تمكن من تدمير علاقاتها بالغرب مثلما فعل الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان ، وربما كان سيفعل الأمر ذاته الراحل نجم الدين أربكان، لكن من حسن الطالع أنه لم يمكث أكثر من عام في منصبه كرئيس للحكومة الائتلافية في تسعينيات القرن المنصرم.

أردوغان كذلك سيكون بمثابة المسمار الأخير الذي سيدق في نعش مسيرة بلاده نحو الاندماج بالقارة العجوز معلنا نهاية لحلمها بالانضمام للاتحاد الأوروبي وهو تطور يبدو منطقيا خاصة وأن المفاوضات مجمدة منذ سنوات.

وفي حلقة من حلقات مسلسل "الطلاق البائن" أشارت تقارير صحفية إلى قيام الاتحاد الأوروبي بتقليص مساعدات الانضمام المخصصة لتركيا لعام 2020 بشكل كبير وذلك بشطب ما نسبته 75% ، لتصبح 165 مليون يورو فقط ، في دلالة ليست عصية على التفسير تقول إن فرص أنقرة للالتحاق ببروكسل باتت شبه معدومة نتيجة العديد من الخلافات التي باتت متجذرة علما بأن معظم هذا المبلغ (150 مليون يورو) سيسخر معظمه لمجال الديمقراطية وسيادة القانون وكلاهما أصابه العطب والضمور جراء القيود المفروضة على حرية التعبير وحصار المعارضين وتسييس السلطة القضائية.

وهنا تحدثت فريديريكا ريس، عضو البرلمان الأوروبي ونائبة رئيس مجموعة تجديد أوروبا، من الدعم الذي سبق وقدمه الاتحاد الأوروبي ، للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، في بدايات حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، عندما طالب بأن تكون الديمقراطية والتعددية حجر أساس للحكم في تركيا، اليوم تغيرت مواقفه تماما لترتد بالاتجاه المعاكس.

على الصعيد الداخلي وبعد الانقلاب المزعوم منتصف يوليو العام 2016 أنقض أردوغان على القيم الرئيسية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي منكلا بها ما جعل الحديث عن انضمامه إلى هذا الكيان أكثر صعوبة، إضافة إلى مشكلة اللاجئين وتداعياتها ما عزز التصور العام القائل بأن تركيا في ظل قيادة أردوغان تتجه نحو دولة استبدادية أحادية القيادة.

وفي نوفمبر الماضي، وخلال مؤتمر انعقد في البرلمان الأوروبي، كان واضحًا حجم التحديات والصعوبات التي يواجهها الاتحاد في علاقته مع تركيا دون وجود حلول قابلة للتطبيق قريبا، بالتوازي كانت النقاشات بينهما تصطدم بحائط صد وذلك على خلفية عملية "نبع السلام" العسكرية في شمال سوريا إضافة إلى إثارة القلاقل في مياه المتوسط .

فالهجوم الذي لم يكن له أية علاقة بالسلام كشف عن حجم الانتهاكات ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وتمثلت في احتلال مناطق بعفرين ومنبج السوريتين وطرد سكانها الأصليين، ليحلّ مكانهم المسلحون الموالون لأنقرة ما تطلب تجميد صادرات الأسلحة الأوروبية يضاف إلى ذلك التنقيب غير المشروع قبالة شواطئ قبرص وما نتج عنه من مواقف أوروبية منددة ورافضة لتلك الاستفزازات وخصوصاً البنك الأوروبي الذي اعلن عن احجامه بالاستثمار في تركيا.

كذلك وفي أعقاب اتفاق الأخيرة بشأن الحدود البحرية مع حكومة فايز السراج والتي تتخذ من طرابلس مقراً، بدأت التوترات في شرقي المتوسط تتزايد يوما بعد آخر وهو ما أتاح لأردوغان فرصة إرسال مسلحين مرتزقة من سوريا وقوات تركية محدودة إلى الاراضي الليبية، وهو ما ساهم أيضا في استياء كبير لدى دول الاتحاد الأوروبي وجميعها أصبحت على قناعة أن وريثة الإمبراطورية العثمانية يجب أن تظل في مكانها الأسيوي وإلى الأبد.

مادة إعلانية

[x]