محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

20-1-2020 | 18:06

 

من الزملاء المهنيين المحترمين الذي لم يتخل عن قيمه ومبادئه يومًا، والذي تشرفت بزمالته وصداقته طوال مسيرة كفاحنا في جريدة "الأهرام" الصحفي الكبير محيي الدين فتحي، الذي كتب في كل صفحات الأهرام أخبارًا وتحقيقات وحوارات متميزة، وهو أيضًا ناقد فني موضوعي، منذ أن عرفته وقت الدراسة في كلية الآداب جامعة القاهرة ، ثم خلال فترة عملنا بالأهرام حتى وفاته لم

أره غاضبًا، لم يكن يغضب أحدًا.

كان صديقًا للجميع، محبًا لكل الناس.. مات مظلومًا كما عاش طوال حياته الصحفية التي امتدت لأكثر من أربعين عامًا .. ظلمه كبار الأهرام الذي أراه – وهو لن يقرأ ما أقوله - كان أكبر منهم جميعًا.. ظلموه يوم عينوه في قسم الاستماع، ورفضوا نقله إلى قسم الفن، الذي كان هو أبرع منهم في الكتابة عنه وتغطيته.. ظل محيي الدين فتحي يكتب في الفن، ويعمل من أجل الفن الذي أحبه وتخصص فيه برغم أنف الكبار اسمًا وليس معنى ومضمونًا، وبرغم انتقاله إلى القسم الاقتصادي الذي أنهى حياته الصحفية وهو عضو فاعل فيه، استمر في الكتابة الفنية، حيث كان من الأعضاء المؤسسين لجمعية كتاب و نقاد السينما ، عندما كونها الأستاذ الكبير كمال الملاخ، وكان مشاركًا نشطًا في معظم المهرجانات الفنية التي تشرف عليها الجمعية.

عرفت الصديق محيي الدين فتحي صحفيًا ورئيسًا للتحرير وهو كان طالبًا ب كلية الآداب جامعة القاهرة ، فقد كان مسئولًا عن تحرير جريدة كلية الآداب، وظل وفيًا لها طوال حياته الصحفية، كان محبًا لمهنة البحث عن المتاعب.. يعشقها ويضحي من أجلها.. برغم أنها كانت تتمنع عليه أحيانًا - كما الحبيبة المخادعة - وكان من أوائل المنضمين ل جريدة الأهرام من جيلنًا برغم أننا كنا من خريجي قسم الصحافة وهو من خريجي قسم الاجتماع، ولكنه كان أفضلنا؛ لأنه كانت له تجربة تدرب وتمرس فيها منذ السنة الأولى له في الجامعة.

كان محيي الدين فتحي غزير الإنتاج محبًا لعمله حتى درجة الغيرة والخوف عليه، يتابع الخبر أو الحوار أو التحقيق، منذ لحظة الفكرة، حتى خروجه إلى القارئ.. لم يكن ينام إلا بعد أن يطمئن أن مادته الصحفية قد نُشرت، وكما يريد لها.

لم تكن تخلو صفحات الجريدة منذ التحق بالأهرام من اسم محيي الدين فتحي، ولم يكن ينافسه في ذلك سوى اسم المحرر الرياضي الكبير الأستاذ (إسماعيل البقري) رحمه الله.
إذا لم ينشر لمحيي الدين فتحي خبر أو حوار كان يحزن جدًا.. كان محيي يكتب في الفن والاقتصاد والتحقيقات، والعلوم والطب، والمرأة، كان قطار صحافة (قشاش) يسير على قضبان صاحبة الجلالة بشغف وعشق، وهذا لا يقلل من شأنه أبدًا فقد كان يملك ناصية عمله، يعرف كيف يوجه فرسه كما يشاء، فقد كان من أمهر قائدي خيول الصحافة.. كان كشكول صحفي متحرك، لا تنقصه المصادر أو الخبرة الصحفية.. لدرجة أن أستاذنا وصديقنا الشاعر الكبير مصطفى الضمراني (الذي ظُلم هو الآخر) كان يقول: محيي الدين فتحي ممكن يكتب في البطاطس بنفس جمال كتابته عن سعاد حسني.

وخلال رحلتنا الصحفية زاملت الراحل العزيز في العديد من المهام الصحفية، ومنها مهمة في مدن البحر الأحمر استغرقت 12 يومًا على ظهر الباخرة عايدة زرنا خلالها الغردقة وسفاجا والقصير والعديد من المنائر في البحر الأحمر، ورأيت عن قرب دأب وشغف هذا الصحفي الكبير بحق وهو يفتش عن الفكرة ويجرى قلمه فيها، وهو يتحدث إلى مصادره بود واحترام، ثم يكتب حواره أو تحقيقه بحب وعشق.

كنا نجلس أنا وهو والأصدقاء رأفت أمين، حسين فتح الله، محمود الشناوي (رحمهما الله) ومايسة السلكاوي وسامية عبدالسلام ونجلاء أبوذكري وأمال علام نحلم ونأكل ونخطط لمستقبلنا، وكنا نحزن عندما يغضب محيي الدين فتحي؛ لأنه كتب طلب نقل من قسم الاستماع، ولم يبال به أحد، برغم أنه كان عنصرًا أساسيًا في تحرير الملحق الفني الذي كان يشرف عليه (يوسف فرنسيس) ولم تكن تخلو صفحة من صفحات الملحق من إنتاجه الصحفي، كنا نقول له ولا يهمك، وبالفعل لم يكن يتوقف وظل يحلم بالانتقال إلى القسم الفني؛ ولكنهم في اعتقادي كانوا يخافون على أنفسهم منه؛ لأنه كان عاشقًا ومتخصصًا أكثر منهم.

وبرغم كل هذه المعاناة ظل وفيًا للصحافة، حتى بعد أن تخطاه الكبار وعينوا تلاميذه ومن علمهم هو الصحافة رؤساء له؛ لأنه من جيل تربى على العطاء بغض النظر عن المناصب.

هذا هو الكاتب الصحفي والناقد الفني الكبير الزميل والصديق الأستاذ محيي الدين فتحي رفيق الصبا والأحلام والآمال والآلام.. عاش كبيرًا - ومات كبيرًا بعلمه وعمله وأخلاقه وحبه للناس، رحمك الله يا صديقي المبتسم دائمًا برغم الألم.. وهنيئًا لك في جنة الخلد عند من لا يظلم أحدًا.. وإلى أن نلقاك طبت حيًا وميتًا.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

يوتوبيا "خليل الحداد"

غاية الإبداع، سواء أكان عملًا أدبيًا أو فنيًا هو خلق المجتمع الصالح، الذي أساسه المواطن والإنسان النافع والمفيد للناس والوطن، تحقيقًا لغاية الخالق سبحانه

فلما بلغ "أنور عبداللطيف" الستين .. فاض نهر إبداعه

تتقدم الصحافة وتزدهر، وتستمر بالمهنية، وتراكم الخبرات، شأنها شأن كل المهن، فلا تكون هناك صحافة بدون التواصل بين الأجيال، ولا يوجد تلميذ بلا أستاذ، الخبرة

أحمد نصر الدين..عاشق الأهرام والنيل

عندما نتحدث عن الحب نذكر نوعين: الرومانسي، والإلهي أو الصوفي، ولكل نوع أعلامه ومشاهيره، ويمكنني أن أقول إن هناك نوعًا ثالثًا من الحب، وهو "الأهرامي" فهناك

"محمد طعيمة".. الصحفي كما ينبغي أن يكون

حظيت "الأهرام" على مدار تاريخها بالأساتذة الكبار في مهنة الصحافة، عرفوا طوال فترة عملهم في الجريدة بالمهنية والموضوعية؛ ليصبحوا علامات تاريخية، حتى وإن

أسامة "الأبيض" .. شريك مجد "علاء الدين"!!

تظل "الأهرام" مدرسة صحفية كبيرة وعريقة، قدمت إلى الساحة الإعلامية خبرات وأسماء كبيرة، حتى ولو لم تتول منصب رئيس التحرير، أم رئيس مجلس الإدارة، تربت هذه الخبرات وتشربت قواعد المهنة جيلًا وراء جيل.

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]