في رحاب القرآن الكريم

19-1-2020 | 19:28

القرآن الكريم - أرشيفية

 

علي شفيق الشيمي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يُرِد اللهُ به خيراً يفقههُ في الدّين).. اللهم علمنا القرآن وفقهنا فيه - والفقه: "للُغةً" هو"الفهم"

قال العيني رحمةُ الله عليه يفقهه – أي يفهمهُ.

وقال تعالى:" يَفْقَهُوا قَوْلِي" (طه28) - أي يفهموا قولي.

في رحاب القرآن الكريم نقف على تفسير وتدبُر بعض الآيات من سورة إبراهيم واستكمالا لما توقفنا عنده، في حوار الرسل وأنبياء الله مع أقوامهم الكفار والمشركين تحتوي هذه الآيات على تهديد ووعيد بالطرد والنفي من الديار والأرض للرُسل وللأنبياء، ثم يأتي عقاب الله تعالى  للأمم الكافرة يوم القيامة من عذاب أليم وأهوال شديدة.

قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (13)

وهنا يُخبر المولي عز وجل بما توعد به الأمم الكافرة لرسلهم، من الإخراج من الأرض والديار والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن معه.

(لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)، وقال تعالى: إخبارًا عن قوم لوط، قال تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل56(

وقال تعالي عن مشركِ قريش عندما توعدوا بالنبي محمد: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء 76)، ولكن كان من صنعه تعالي أنه أظهر رسوله وأيده ونصره، وجعل له سبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانًا وجندًا، يقاتلون في سبيل الله، ومكن له الله فيها، وأرغم أُنوف أعدائه منهم، ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفوجا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وهكذا مع رسل الله تعالى، فقال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات).

وقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، أي وعيدي هذا لم ينله إلا من خاف مقامي بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالي في سورة النازعات: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).
ثم قال تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، وقوله: (اسْتَفْتَحُوا)، أي استنصرت الرُسل ربها على قومها، قال بن عباس ومجاهد استفتحت الأمم على نفسها كما قالوا، قال تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال 32).

وقوله تعالى: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، أي خسِرَ كل مُتجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) (ق 24-26).

وحديث شريف "أنه يؤتى بجهنم يوم القيامة فتنادي الخلائق فتقول: إني وكِلتُ بكل جبار عنيد" فقد خاب وخسر كل "عَنِيدٍ" حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.
ثم قال تعالى: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)، وكلمة "من ورائه جهنم" هاهنا بمعنى أمامه، كما قال تعالى في سورة الكهف: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا).

وقوله تعالى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)، يتجرعهُ (أي) يتغصصه أو تكرهه يشربه قهراً أو قسراً، ولا يُسِيغهُ في فيه حتى يضربهُ الملك بمطارق من حديد، كما قال تعالى: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ)، ( الحج 21) وتأتي هنا كلمة (وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) لا يستطيع تذوقه لسوء طعمه و لونه ورائحتهُ، وشدة حرارتهُ أو برده الذي لا يُطاق.

وقوله تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه، قال ميمون بن مهران: من كل عظم وعرق وعصب، وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.. وقال ابن جرير: أي من أمامه وورائه، وعن يمينه وشماله ومن فوقه ومن تحت أرجله ومن سائر جسده.

وقال الضحاك عن بن عباس: "وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ" قال أنواع العذاب الذي يُعذبهُ الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت ولكن لا يموت؛ لأن الله تعالي قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).

وفي قوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) أي: وله من بعد هذا عذاب آخر، أي: مؤلم وصعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر، وفي ذلك قال تعالى: عن شجرة الزقوم (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) (الصافات) فأخبر تعالى أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم وأنواعه وأشكاله مما لا يُحصي ولا يعد.
ولذلك قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (فُصلت).

أًكرِم بقومٍ أكرمُوا القرآنا ** ووهبوا له الأرواحَ والأبدانا
قومٌ قد اختارَ الإلهُ قُلوبَهم ** لتَصِيرَ من غرس الهُدى بستانا.

[x]