"بوابة الأهرام" تنشر فصلا من رواية "العابرة" للكاتب إبراهيم عبد المجيد

21-1-2020 | 14:19

رواية "العابرة" للكاتب إبراهيم عبد المجيد

 

تصدر خلال أيام قليلة في معرض القاهرة الدولي للكتاب رواية جديدة للكاتب إبراهيم عبد المجيد ، بعنوان "العابرة"، عن دار المتوسط للنشر.

"بوابة الأهرام" تنشر فصلًا من رواية إبراهيم عبد المجيد الجديدة:
راقبتْهُ أُمُّه وهو يأكل بشراهة، جائع منذُ أيَّام، وهي لا تزال تهزُّ رأسها في دهشة وتبتسم. مسح الطبق تقريباً، لم يترك فيه أيَّ أثر للبيض ولا للبسطرمة ولا للسمن، وأتى على قِطَع الجبن كلها، ووقف يتمطَّى ويقول "الحمد لله". أحسَّ وهو يتمطِّى أن فمه قد اتَّسع، وأن أسنانه قد طالتْ وامتدَّتْ إلى الأمام، ووجد نفسه يقول "ها" كأنه سيقضم حيواناً أمامه. غاب عنه المكان وهو يدور فيه وأُمُّه تتابعه مندهشة. رأى نفسه وقد صار يمشي في الشوراع جارياً يهاجم الناس، يعضُّ مَنْ يطوله منهم. الناس تختفي من أمامه، وهو لا يكفُّ عن الجري خلفهم. مَنْ يطوله منهم يدفعه من الخلف إلى الأرض، ثمَّ يسقط فوقه، يعضُّ فيه، ويأكل من لحم صدره وذراعَيْه وبطنه. ينفتح بطنه أمامه، ويجري الدم في الطُّرُقات. تأتي السَّيَّارات مسرعة نحوه، تراه منكفئاً فوق جثَّة، يقضم فيها. تعود السَّيَّارة ممتلئة بخوف مَنْ فيها. يجري هو خلفها، فيغلق مَنْ بداخلها النوافذ، لكنه يكون قد تعلَّق بنافذة منها، محاوِلاً قضم ذراع مَنْ يجلس جوار النافذة. انتشر الخبر في كل المدينة عن ظهور زومبي غريب في مصر. كان قد جلس جوار أُمِّه مبتسماً ذاهلاً عنها فيما يرى. أخفى الناس أطفالهم عن المدارس. نشرت الصحف أن وقوعَ سِيْسْتِمْ الامتحانات في نظام وزير التعليم الجديد القائم على استخدام التابلت والإنترنت ليس وراءه الإخوان المسلمون فقط، ولا الملايين الذين دخلوا على سِيْسْتِمْ الوزارة من البلاد الخارجية في أثناء الامتحان، لكنه الزومبي الذي ظهر، واستطاع أن يأكل الشبكات والأعمدة العالية، ويشفط موجات الأثير، ولديه قدرة أيضاً أن ينزل تحت البحر، يقضم كابلات الإنترنت الممتدَّة من أوربا إلى مصر. كان يضحك ويهشّ الرؤى من أمام عينَيْه، لكنها لا تضيع. أُمُّه لا تتوقَّف عن النظر إليه، وتقول بصوت يسمعه "إيه هو دا، يا اخويا. إيه اللي جرى لك، يا حمزة، إنتَ رحت فين. ماكانتش بسطرمة اللي أكلتها زيّ ما يكون أسد بياكل فريسة" وكانت الفريسة في فمه. إنها سناء "جنح" وربَّما "نفخو" وقد مدَّدها على الأرض أمام مقهى البستان التي صارت خالية. فور أن مزَّق ملابسها بأسنانه ويقضم من بين فخذَيْها قامتْ تجري وتقضم مَنْ يقابلها. ألقتْ بالشباب إلى الأرض، وراحتْ تقضم فيهم وهم يصرخون ويجرون بدورهم وراء الرجال والنساء. المذيعون في الفضائيات يصرخون "فلترتدِ النساء حفَّاضات من الحديد" "حزام العفَّة لا بدَّ أن تستورده الدولة بسرعة بالطائرات النَّفَّاسة" رجال الأعمال يتنافسون على مَنْ يستورد أكبر كمِّيَّة من أحزمة العفَّة الحديدية للنساء. متَّصل يسأل لماذا تتركون الذكور بلا واقٍ من الحديد أيضاً، يا اولاد الكلب ؟! المذيع يعتذر عن قَطْع الاتِّصال. يظهر رجل على الشاشة وهو يقضم في وجه المذيع، فتُظلم الشاشة. يشعر حمزة أنه توغَّل كثيراً في الخيال، فيبتسم ويهشُّ الخيالات عن وجهه، فلا تبتعد. في لحظة نظر إلى أُمِّه، وقال يخيفها "يا" فقالتْ "ياما" ثمَّ ضحكتْ. قامتْ من أمامه، ودخلتْ إلى المطبخ، وجلستْ تُعدُّ لها فنجاناً من القهوة وهي تبتسم. أين ذهب ابنها بعقله اليوم؟ ماذا يخفيه عنهم؟ ثمَّ قالتْ لله في خلقه شئون. وقفتْ أمام القهوة التي في الكنكة حتَّى لا تفور فوق البوتاجاز. كان هو في الخارج قد صار يجري على طريق صحراوي، لا يدري هل هو المؤدِّي إلى الإسكندرية أم إلى مدينة أخرى في الدلتا أم في الجنوب؟ توقَّف وسط الطريق، وكانتْ مقبلة عليه سيَّارة نقل كبيرة، بمقطورة، استطاع سائقها أن يتفاداه. توقَّف السائق على مسافة بعيدة، ونزل منها مسرعاً عائداً ناحيته، في نيَّته أن يضربه، لكنه وقف متجمِّداً أمامه وهو يرى لسانه يمتدُّ أمامه أسود والدم يهطل من بين أسنانه. فرَّ السائق عائداً، ووقف هو يضحك وكل السَّيَّارات تمرُّ عليه تتفاداه في دهشة، وحتَّى لا تصطدم السَّيَّارات ببعضها. عاد من بعيد قائلاً "مش لازم حوادث، يا حمزة. بلاش وإلَّا ستتعوَّد على الخيال الوحش، وتدخل على القطارات تعضّ السائقين، فتصطدم ببعضها. حوادث القطارات والعربيات مش عايزة زيادة" ابتسم ومشى إلى حجرته، وهو يرى كل شيء أمامه في البيت لا يزال كما هو. اكتشف أنه نسي الموبايل في الصالة، فعاد ليأتيَ به، لكنه جلس إلى السفرة التي صارتْ خالية بعد أن حملتْ أُمُّه الأطباق التي تناوَلَ إفطاره منها، وجلستْ في المطبخ. فتح الموبايل، وكتب على صفحته في الفيس بوك "أحسن حاجة في البلد دي الواحد يبقى زومبي. بدلاً من أن يخرج لسانه للناس يأكلهم" وتتالت التعليقات الضاحكة. "ههههههههههههههههه". احتلَّتْ مساحة كبيرة منها، وكتب واحد "هو فيه زومبي أكتر من اللي عمَّالين ياكلوا فينا مش سايبينا حتَّى ناكل عيش حاف" وقال آخر "كل بلد فيها زومبي كتير ، بس ما حَدِّش شايفه. أُمَّال الناس اللي بتختفي دي بتروح فين. أكيد فيه حَدّ بياكلها. ضحكت فتاة أو امرأة لا يعرف وقالتْ "كل واحدة تخلِّي بالها، ما تخلِّيش اللي نايم معاها يعضّها، ليكون زومبي" ردَّ عليها شخص قائلاً "احنا برضه اللي بنعض، يا زومبي؟! دا انا صدري وكتفي حُفر حمرا من مراتي، ربّنا يستر" جلس هو يضحك، ويضرب كفَّيْه ببعضهما مندهِشاً من خفَّة الدم، وكيف صار الموضوع لطيفاً. يا له من يوم جميل! ليتوقَّف عن هذا الخيال المرعب، ويخرج يجلس في البلكونة، ينظر إلى الشارع الخالي، ويسمع كلمات قليلة من المارِّين الشباب منه إلى المركز الفرنسي. لماذا حقَّاً لا يذهب لحضور ندوات المركز الفرنسي؟! لقد حضر ندوة واحدة مع المدرَسة وهو - أو هي وقتها - في الأولى الثَّانويَّة منذُ ثلاثة أعوام. كانتْ عن الفرانكفونية في مصر. كان المحاضر فرنسيَّاً، لا يذكر اسمه، وكان معه مصريّ، لا يذكر اسمه أيضاً. كان لقاء جميلاً، بينه استراحة، فيها قدَّموا لهم بوفيه لطيف. إنهم يعاملون الناس معاملة جميلة. يذكر أنه رأى صوراً لأفلام سيعرضونها وندوات أخرى كثيرة. أفلام فرنسية نادر عرضها في القنوات العربية كاملة. هنا تُعرَض كاملة لا بدَّ. الآن يمكن أن يرى ما يعرضون، ولا يخجل. لم يعد في الأولى الثَّانويَّة، ولم يعد "لمياء". خرجتْ أُمُّه من المطبخ، فرأتْهُ يحمل مقعداً، ويتَّجه إلى البلكونة، فسألتْهُ:
- خلاص. فُقت وأخدتْ بالك انتَ فين؟
ضحك وطلب منها أن تأتيَ له بكأس من الشاي. كانتْ تحمل فنجان القهوة، فخرجتْ معه إلى البلكونة، ووضعتْهُ على منضدة صغيرة مَنسيَّة هناك دائماً، وقالتْ له ستعود له بالشاي بسرعة، فهناك مياه ساخنة في "الكاتل". جلس هو ينعم بشمس الربيع الذي سيبدأ في الشهر القادم، وتأتي به القاهرة مبكِّراً قبل أن تأتيَ رياح الخماسين تُشوِّهه. كم كان أبوه وأُمُّه يصحبانهما وهما طفلان في الربيع إلى حدائق الأورمان. كم كان مبهِجاً مشهدُ الزهور وباعةُ بذور الزهور وعسل النحل وغيرها من منتجات الزراعة الطَّبيعيَّة! كيف يعود إلى هذا العالم؟! وابتسم. فليبدأ أوَّلاً بزيارة المركز الثَّقافيِّ الذي رغم قربه من بيتهم لم يذهب إليه إلَّا المرَّة التي ذكرها. وضحك. من نِعَم الله أنه بعد أن صار حمزة لم يفقد معرفته باللغة الإنجليزية، وكذلك الفرنسية ! أجل. معرفة اللغات ليستْ للنساء فقط، ولا تضيع بالعمليات الجراحية! عادتْ أُمُّه تحمل كأس الشاي، فقام بسرعة، وأحضر مقعداً آخر لها، وجلسا أمام بعضهما، هي تشرب القهوة، وهو يشرب الشاي. قالتْ:
- لا تشرد كثيراً كما فعلتَ منذُ قليل. لاحظْ أننا نطيعكَ أنا وبابا في كل شيء حتَّى تمرّ فترة النقاهة بسلام. أرجوكَ، لا تشغل نفسكَ بأيِّ مشاكل من أيِّ نوع.
- ربّنا يخليكم ليَّ، يا ماما، يا قمر.
وسمع أصوات نباح كلاب، فنظر إلى الشارع، ليجد أكثر من كلب، يجرون خلف بعضهم، وترتفع أصوات نباحهم عالية، وبينهم الأبيض والأسود والبنِّيّ والمتعدّد الألوان والصغير والكبير والذكور والإناث، وحولهم عدد كبير من الجراء الصغيرة، والنباح لا ينقطع، فقالت أُمُّه:
- يا لهوي! من أين أتتْ كل هذه الكلاب الآن؟!
- أكيد من سوق المنيرة. لا يوجد أكتر من القطط والكلاب هناك.
كانت النوافذ قد انفتحتْ في بيتهم وفي البيوت المجاورة، وسألتْ جارةٌ أُمَّه:
- معقول كلاب بهذا العدد هنا؟! ماذ جرى للشارع؟!
لكن الكلاب اختفتْ ماعدا اثنَيْن دخلا في بعضهما من الخلف. كلب وكلبة، وكل من نظر من النافذة صار يحملق ويبتسم، ولا يتكلَّم مع أحد في نافذة قريبة أو بعيدة. كان الناظرون كلهم نساء، وبدا الكلب قد انتهى من مهمَّته بسرعة، لكنه لايستطيع أن يفلت من الأنثى، وكلَّما ابتعد عنها، جذبها وراءه ملتصقة به وهو يدور، ثمَّ راح ينبح، وظهرت البسمات على الوجوه، وبعض النساء يضحكنَ. رأتْ أُمُّه المشهد، فقالتْ "كلاب أوسخ من الرجال ما تبصّش" اندهش جدَّاً من التعبير. الكلب الذَّكَر مسكين ينبح يائساً. ربَّما كان نباحه حقَّاً استغاثة. قامت أُمُّه، ودخلتْ بينما وقف هو يتأمَّل المشهد مبتسماً. يسمع ضحكات النساء من الشرفات، ويخجل أن ينظر لهنَّ. فجأة فكَّتْ الأنثى قيدَ الكلب الذكر، فانطلق يجري بسرعة كبيرة، ويختفي ناحية شارع المبتديان بينما مشت الأنثى على مهل. ارتفعت الضحكات، وسمع صوت النوافذ تُغلق.
 

مادة إعلانية

[x]