أكثر من 1800 صانع ذهبوا لبناء إسطنبول.. «مدنية تركيا.. صناعة مصرية»

19-1-2020 | 05:06

إسطنبول.. مدنية تركيا.. صناعة مصرية

 

مصطفى عبادة

فى الأسبوع الأول من الغزو العثمانى لمصر قتلوا 10 آلاف مصرى


أخذوا السيوفية والبنائين والمرخمين والمهندسين والحجارين من مصر ليصبحوا دولة


كأننا تفاجأنا، أو كأننا فى غفوة طالت، واستفاقت على صوت النذير، وكأن قرون استشعارنا، التى حمتنا آلاف السنين، تعطلت مائة عام كاملة، منذ مارس 1924م يوم سقوط ما سمى زورا وبهتانا بالخلافة العثمانية الدموية، تعطلت حتى الآن ومنعتنا من قراءة التاريخ قراءة واعية، أفهمنا البعض أنه كان فتحا، وآخرون قالوا دفاعا عن الإسلام، وكأن الدم العربى الذى سال أنهارا كان ماء، عذبا سائغا على أفئدة الترك والمؤرخين ودعاة الدفاع عن الدين.

كان لابد أن يجعجع أردوغان ويدعى أحقيته فى كل الشرق العربى، حتى نعرف أن تاريخ بلاده معنا كان غزوا همجيا وليس فتحا، كان احتلالا ولم يكن تجميعا، كان نهبا ولم يكن إضافة، كان تعطيلا ولم يكن تقدما، فكيف لجماعة من القبائل المختلطة من المغول والتركمان أن تصنع حضارة، إلا بخيرات من تحتلهم، وهى قبائل تولى فكرة الجماعة الأولوية على فكرة المكان، وقد نقل المؤرخ ميشيل برونو، فى كتابه «من آسيا الصغرى إلى تركيا»، ما أوضحه ستيفان دوتابيان، عن الترك من غلبة البعد الترحلى المتحرك فى نظرة الشعوب الناطقة بالتركية لمجالها، حتى بعد تحولها منذ قرون إلى حياة الاستقرار «فالمرجعية الترحلية تظل حاضرة دائما فى مفردات اللغة التركية المغولية، حيث إن كلمة «الخيمة»، هى مصدر كل الكلمات التى تدل على المساكن، وكل أنواع المبانى، كما أن المجموعة المنظمة سياسيا تحدد إقليمها وتتحرك معه، ويبدو المفهوم التركى للإقليم الذى تحمله لغة ظلت قريبة من جذورها الآسيوية، على رغم الحقبة العثمانية الطويلة والتأثير العربى والفارسى القوى والثرى جدا، هو مفهوم ترحلى فى الأساس، أى أنه مرتبط بمجموعة متحركة متماسكة اجتماعيا يظل ارتباطها بإقليم معين ضعيفا، فالجماعة أهم من الأرض».

قوم غرباء، تعودوا على الغزو والترحال، ما أول شىء يفكرون فيه حين يحلون بأرض، يفكرون فى المبيت، ولأنهم تعودوا دخول مدن غيرهم كثيرا، كانوا يخرجون أهل البيت ليناموا هم مكانهم، وفى مصر، جرى الأمر عينه، ففى يوم الإثنين 26 يناير 1517م هجم عساكر الترك على منازل المصريين وطردوهم منها، وفى الصباح توجهوا لتخريب المساجد العامرة بالزخارف والرخام، اقتحموا الجامع الأزهر، ومسجد ابن طولون، وأشعلوا النار فى المدارس بعد أن جردها من زخارفها، وحملوا كل ذلك إلى إسطنبول وقتلوا فى أسبوعهم الأول فى مصر أكثر من عشرة آلاف مصرى ونهبوا أموالهم ودوابهم وغلالهم وحليهم وحملوها إلى إسطنبول، وكان ذلك مع ما ورثوه من الحضارة البيزنطية، أول بناء جمالى فى إسطنبول، التى كانت قد هدمت بفعل غزوهم لها، حيث حولوا الكنائس إلى مساجد، ويروى ابن إياس:«وصار أهل مصر تحت أسرهم وانفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر من نهب قماش وسلاح وبغال وعبيد وغير ذلك من كل شىء فاخر واستولوا على أموال وقماش ما فرحوا بها قط فى بلادهم».

ثم نزعوا الكثير من الأبواب المصنوعة من الحديد والنحاس والرخام المنقوش على الواجهات التى بلغت حمولتها ما يزيد على حمل ألف جمل وأرسلوها إلى إسطنبول، ثم راحوا يقبضون على آلاف الصناع المهرة ويقتادونهم إلى بلدهم ليعمروها، ومرة أخرى يقول ابن إياس:«أمر بأن يتوجه إلى إسطنبول جماعة من الزردكاشية صناع الدروع وآلات الحرب، والسيوفية صناع السيوف، والسباكين والبنائين والنجارين والمرخمين، صناع الرخام، والمبلطين والخراطين والمهندسين والحجارين والفعلة، ويقال إن مجموع من خرج من أهل مصر وتوجه إلى إسطنبول بنحو 1800 صانع مصرى».

وإلى الآن يمكنك أن تشم عرق المصريين فى كل حارة من حارات إسطنبول، وفى كل مبنى بدءا من ميدان تقسيم، مرورا بشارع الاستقلال، وكل الشوارع المتفرعة من ميدان تقسيم، العمارة هى عمارة المصريين، والمقاهى التى فى الحوارى هى على نمط الطراز المملوكى، بدهاليزها وأقبيتها، وإذا ذهبت إلى مسجد السلطان الفاتح، والسور العظيم حوله الذى بنى من الحجارة التى نهبت من المبانى والقلاع المصرية، وأمام المسجد ستجد المسلة الفرعونية المصرية بنقوشها كما هى، وأبواب المساجد القديمة، حتى الأشجار المزروعة هناك أخذت شتلاتها من مصر، وحيث ذكر الجبرتى ـ أيضا ـ أنهم كانوا يخلون المنازل من ساكنيها، ويخرجون الناس قهرا من بيوتهم أو يحرقونها، وإذا امتنع أصحابها كانوا ينكلون بهم، وفى حال تأخرت رواتب الجند الأتراك كانوا يهاجمون الأسواق ويخطفون أمتعة الناس، وكل ما يجدونه داخل السوق من مأكل، فيضطر أهل السوق إلى إغلاق حوانيتهم خوفا من امتداد السلب والنهب إليهم.

ليس من رأى كم سمع!

فى مارس 2015 سافرت لمدة خمسة أيام إلى إسطنبول، وفى ذهنى كل الكلام الجميل عن التجربة التركية، خمسة أيام عشتها فى قلب التناقض والهوة الشاسعة بين ما أرى، وبين ما أعرف من القراءة، والصورة الذهنية عن تركيا، فالصورة الذهنية يختلط فيها التاريخى، الخلافة الإسلامية فى أحط صورها، ونهب مصر، وكان الغزو العثمانى من أقسى ما مر على هذا الوطن حتى إن المؤرخ العراقى جواد على قال نصا: «ما دخلوا بلدا إلا وخرجوا منه كما دخلوه على مركبات البقر»، وإنهم حينما جاءوا إلى مصر كانت هناك آلاف المدارس المدنية، ولكل مدرسة وقف يصرف عليها، فقاموا بتوزيع المدارس على قادة الجند، الذين قاموا بدورهم بنهب الوقف الخاص بالمدارس، وتم تدمير هذه المدارس تدميرا تاما، ودخلت مصر بعدها فى ظلام دامس دام أكثر من ثلاثة قرون، وغير ذلك من الصور الذهنية غير المشرقة عن تركيا الماضى، التى حاول عرابو العصر الحديث تصديرها إلينا، كمثال على الرفاهية والنمو، ورغد العيش من خلال الدعاية الإسلامية، ولم نكن نعرف وقتها لماذا، ومن خلال المسلسلات التى يتم تصويرها فى الغابات والقصور الفاخرة، وكذلك السلع، ورحلات الطيران المتصلة والسياحة التركية، حتى كادت الصورة القديمة تتلاشى لصالح أخرى أكثر إشراقا وجمالا.

وحينما عدت من إسطنبول، كتبت سطرين لا أكثر، ولم أستطع كتابة الرحلة، حينها، كتبت: لو أننى كتبت ما رأيت لغضب منى المصريون، ولو أننى كتبت ما عرفت لانهار أنصار النظام التركى، وكنت كلما قرأت أو سمعت هجوما تركيا من الرجل الذى يقال إنه راعى الخلافة وحامى حمى الإسلام، أضحك، وأتذكر ما رأيت وعرفت فى إسطنبول، صحيح أن المدينة جميلة ونظيفة، وهذا سهل الوصول إليه، وظللت أقارن بين ما أسمع وبين ما أرى، حتى استقر رأيى أن هذا النظام سيكون انهياره مدويا، لأنه أكثر هشاشة من بيت العنكبوت، وأن التناقض بين ما يدعيه والواقع، سيكشف عن كذبة كبرى، وأن ما قدمه فى عمره حتى الآن هى أموال الإخوان المسلمين التى تتدفق إليه من بنوك أوروبا، وهى بالمليارات فى مقابل إيوائه لبعض عناصرهم، ولبعض شذاذ الآفاق الباحثين عن الربح والشهرة، والمصابين بعقد النقص، وأن الثمن الذى يدفعه الهاربون إلى هناك، يتمنون معه لو أنهم فى أى أرض أخرى غير تركيا، حتى لو وسعتهم سجون بلدهم، ففى أكثر من مناسبة قال لى بعض من التقيت: إن بلدكم لا يستحق هؤلاء الخونة، وأنه لولا حماية النظام هنا لهم، لطردناهم شر طردة.

فى المنطقة السياحية، بجوار المسلة المصرية، لا يمكن أن تقضى خمس دقائق، أو تتحدث مع أحدهم، لوفرة المتسولين، وبعضهم لا يطلب أموالا، بل مجرد ساندوتش لأنه جائع، ولأنه تحت وهم الزعامة الذى يتلبس أرودغان، فتح بلاده لكل مطاريد العالم العربى من العراق إلى سوريا، وعددهم كبير جدا، وأغلبهم باستثناء بعض السوريين، يعملون فى التسول، بشكل مهين، حتى إن الواحد منهم يتعلق فى ذراعيك ومعه أطفاله، فى حالة يرثى لها، من أجل وجبة أو ثلاث ليرات، ورأيت بعض السوريين ينامون فى الحدائق، وفى الشوارع الخلفية، كمتشردين ولا تظن أن أرودغان فتح لهم البلاد، من أجل سواد عيونهم، بل ليبتز بهم الغرب، وتحديدا أوروبا، التى يطلب عضويتها وتتأبى عليه، إما الأموال وإما إطلاق هؤلاء نحو الحدود الأوروبية، وقد نجح فى مسعاه إلى حد كبير، وحصل على المليارات من أجل هؤلاء الذين ينامون فى العراء، ويتسولون كسرة خبز، والمليارات ذهبت فى جيب الباشا، والأمر نفسه فى السوق المصرى الذى بناه المصريون على نمط حى خان الخليلى، وشارع المعز، نفس نمط البناء والزخارف، والمشربيات، باستثناء أن ليس فيه شىء مصرى الآن، رجل أوروبا المريض يريد دواء على حساب غيره، فعلها وفعلتها دولته كثيرا وبعض المذابح التى يتجاهلها الوعى العام العربى تحت وهم أن التراكوة مسلمون ومنها: مجزرة درسيم والتى سميت بعد ذلك «تونجيلى» عام 1938-1937م ومات فيها 13 ألف قتيل، ومجزرة «ماراش» ومات فيها أكثر من 200 مواطن و«تشوردم» 200 مواطن وحريق «سيفاس» المتعمد، والمجازر التى جرت على الحدود السورية، ونهب نفطها، وغيرها وغيرها، إن رائحة شقاء المصريين فى كل شبر فى تركيا، تلك الدولة التى قال عنها ميشيل برونو، لم تكن لتصبح دولة لولا احتلال مصر.

وكأنه كتب على المصريين أن يبنوا عواصم العالم، وكأنه كتب علينا أن ننظر وراءنا دائما، وبغضب حارق، نحن عمارة الدنيا وملح الحضارة.

نقلًا عن مجلة الأهرام العربي 

مادة إعلانية

[x]