«دسائس ومؤامرات واغتيالات وتطهير عرقى».. وهم الخلافة

19-1-2020 | 01:06

وهم الخلافة

 

السيد رشاد برى

- فرقة الحمزات والجبهة الشامية ولواء الشامل ومراد بك.. أهم فرق المرتزقة الحاليين


- بدأ الاعتماد عليها منذ بداية تكوين الجيوش العثمانية التى تكون قوامها من أسرى الحروب


من مذابح "صاصون" إلى مجازر "حلب"، ومن مؤامرة لواء الإسكندرونة مع فرنسا إلى التواطؤ مع العدو بتسليم طرابلس الغرب لإيطاليا، ومن تجنيد سليم باشا للخونة، ليتمكن من احتلال مصر إلى ألاعيب البهلوان الجديد أردوغان فى ليبيا، لم يتغير النهج التركى فى الاعتماد على "المرتزقة" وفرق قتلة الظلام وجحافل الإرهاب، كمكون رئيسى فى كل من الجيش والعقيدة القتالية التركية على مر العهود تتخبط بين الشرق والغرب.

لم يكن هذا النهج عجيبا من مجموعات هجينة بلا لغة ولا تاريخ ولا حضارة ولا قضية ولا حتى معنى للوطن لديهم، فمعظم ما يملكه هؤلاء الأتراك هو"الفراغ الثقافى والحضارى والقيمى والأخلاقى"، الفراغ فى كل شيء.. باستثناء النزعة العنصرية الوحشية الحاقدة على كل ما هو إنسانى وحضارى، وهى النزعة ذاتها التى ورثوها من المغول والتتار، ليتخذوها أسلوب حياة، لم يتغير حتى بعد دخولهم القرن الثانى والعشرين.

وفرق المرتزقة أو"الجند الخاص"، بدأ الاعتماد عليها منذ بداية تكوين الجيوش العثمانية عام 1289م، التى تكون قوامها من أسرى الحروب، حيث أصبح هؤلاء المرتزقة القوة الثانية بعد الانكشارية منذ عام 1566 عقب نهاية حكم سليمان القانونى، وهو ما يؤكده الباحث اللبنانى الدكتور صالح زهر الدين فى دراساته المتعددة حول هذه القضية، مشيرا إلى أن هؤلاء المرتزقة يستخدمهم الأمراء والسلاطين فيما يشبه "العمليات العسكرية السرية القذرة لتدعيم سلطتهم ضد أعدائهم،وقد عرف هؤلاء المرتزقة بأسماء متعددة على مر العصور منها: فرق الباشبوزق، وهم نوع من أنواع الفرق غير النظامية، أطلق عليهم هذا الاسم بسبب اختلاف القبعات التى يرتدونها فوق رؤوسهم، وغالبا كانت تتكون من مرتزقة ينحدرون من أصول ألبانية، وكانت الدولة العثمانية دائما ما تعتمد عليهم فى الدسائس والمؤامرات والاغتيالات من أجل السيطرة على المناطق التى يتم فتحها و إخضاع شعوبها، أيضا هناك مرتزقة "السكيان"الذين اشتهروا فى القرن السادس عشر كرديف أو قوات ظل للجيش العثمانى، واعتبروا مع الانكشارية من أقوى عناصره، و"الآقنجية "وهم قوات خفيفة كانوا يستخدمون تكتيكات حرب العصابات، ويُميزهم لباسهم الغريب، كارتداء أجنحة النسر على ظهورهم، ووضع قرون الثور على خوذهم، وارتداء المعاطف المصنوعة من جلد النمر وهو "ذات نهج أسلافهم التترى المغولى"، وعمل فى هذه المهنة عائلات تركية محددة ومعروفة منهم : تُرهانلى، ومهالى، ومالجكولو، وآفرنسكولو، بالإضافة إلى أنواع أخرى من المرتزقة مثل "اللاوند، والدالاتية، مرورا بالاتحاديين الذين ألفوا عصابات بالمعنى الحرفى للكلمة، وكان مقرهم الأساسى ولاية قونية، وأقيمت معسكراته تحت مسمى "فرق التشكيلات المخصوصة"، وقد استخدمهم حكام تركيا فى عمليات اغتيال رؤساء القبائل والزعماء ال عرب وغيرهم، فضلا عن عمليات التهجير القسري، وتغيير التركيبة السكانية فى الأماكن التى يحتلونها، وهو عين ما يحدثه "أردوغان" الآن فى شمال سوريا، وفى السياق ذاته يتفنن حكام الأتراك فى ابتكار طرق وأساليب ملتوية يحققون من خلالها غاياتهم الخبيثة بعيدا عن تحمل المسئولية المباشرة، ولو أدى الأمر إلى التضحية بالجنود المرتزقة الذين يعملون لحسابهم أوحتى بأصدقائهم المتحالفين معهم، مثلما حدث من صالح بك زعيم مرتزقة التشكيلات المخصوصة الذى أقام كمينا بأمر قائد الجيوش التركية أحمد جمال باشا لاغتيال قادة التفاوض القادمين من حلب ومعهم للتمويه جنود الحراسة النظاميون من الجيش التركى، وهو الأمر نفسه الذى تكرر فى اغتيال نواب سوريا على يد مهندس الاغتيالات "أحمد السررى" برغم عقد اتفاق تفاوضى مع زعيمهم زكى باشا "على غرار الاتفاق مع سراج ليبيا"!!

إنه النهج نفسه الذى فضحه موقع "نورديك مونيتور" السويدى حينما نقل عن عدنان تانريفردى، المستشار العسكرى لأردوغان، اعترافه بأن أنقرة يجب أن تؤسس شركة عسكرية خاصة للمساعدة فى تدريب الجنود الأجانب "المرتزقة" تعمل بالخارج، موضحا أنه بفضل مذكرة التفاهم الموقعة مع حكومة الوفاق الليبية فى 24 نوفمبر الماضى، يمكن لأنقرة إرسال مقاتلين متعاقدين إلى ليبيا، وزعم عدنان أنه يمكن لتركيا إرسال قوات إلى الخارج عن طريق تلك الشركة الخاصة، متجاوزة أى نوع من أنواع الآليات الدولية بالنظر لحقيقة عدم وجود حاجة لاتفاقية!!ويعتقد المستشار العسكرى لأردوغان أن القوة القتالية للجيش الخاص المقترح ستكون هائلة، بما أنها ستتكون من جنود متقاعدين مخضرمين، لافتا النظر إلى أن المعدات والأسلحة سيقدمها الجيش التركى لهؤلاء المرتزقة.

وشبّه تانريفردى إرسال المرتزقة إلى الخارج بـ"الصادرات"، وأنه أمر جيد للاقتصاد التركى، وهو ما بدأ أردوغان تطبيقه بالفعل عقب التمرير الهزلى من جانب البرلمان التركى لطلبه إرسال قوات إلى ليبيا عقب مذكرة السراج غير الشرعية، وكانت أولى ميليشيات المرتزقة التى قرر أردوغان إرسالها إلى ليبيا هى "لواء السلطان مراد"، حيث فتحت الفصائل المسلحة الموالية لتركيا فى شمال سوريا أربعة مراكز فى عفرين شمال حلب، لاستقطاب المقاتلين، بإشراف "فرقة الحمزات" و"الجبهة الشامية"، و"لواء المعتصم"، و"لواء الشامل" لقبول وتسجيل المرتزقة،وبحسب تقاريرالمراقبين، فقد أعلنت القوات التركية تخصيص راتب شهرى 2000 دولار أمريكى لكل مقاتل يتوجه إلى ليبيا، علاوة على خدمات إضافية ستتكفل بها "الوفاق"من أموال وثروات الشعب الليبى بالطبع.

وميليشيا "لواء السلطان مراد" تشكلت على يد المخابرات التركية، بعد دمج مجموعات "لواء السلطان محمد الفاتح" فى ريف حلب، ولوائى "زكى تركمانى" و"أشبال العقيدة" فى مارس 2013، وكان الهدف منها تجميع الجماعات التركمانية المسلحة فى حلب وريفها الشمالى، لتحقيق أهدافها بفضل إعادة هيكلتها وتسليحها وتدريبها على يد الأتراك، وهى تتكون من عناصر تركمانية بحتة ذات أيديولوجية قومية، لضمان ولائها الكامل لتركيا،وخصصت أنقرة راتباً شهرياً بـ 150 دولارا أمريكيا لكل عنصر فى الميليشيا التركمانية المسلحة،فيما أشارت تقارير عديدة إلى انضمام عناصر من تنظيم داعش الإرهابى أخيراً فى مدن جرابلس، والراعى، وعفرين، والباب السورية إلى هذه الميليشيا التركمانية، التى اشتهرت بحضورها الدموي، واضطلاعها بالأداور الأكثر قذارة وشراسة بدعم القوات التركية النظامية فى شمال سوريا، إذ ارتكبت هناك مجازر ضد السكان الأصليين من الأقليات والطوائف الأخرى، بخاصة ال عرب ،والأكراد،والآشوريين وغيرهم، كما تورط لواء السلطان مراد، فى أكبر عملية سرقة جماعية ونهب لممتلكات المدنيين في عفرين ذات الغالية الكردية، بعد استيلائها على المدينة فى مارس 2018 بدعم القوات التركية، ولم تتوقف جرائم ميليشيا السلطان مراد على جرائم الحرب وحدها، إذ تجاوزتها بكثير لتكون أبرز أدوات تركيا فى سياسة التطهير العرقى الواسعة التى اعتمدتها فى شمال سوريا، وإعادة هندسة شمال سوريا ديموغرافياً وعرقياً بطرد الأقليات الأخرى، وإحلال موالين طائفياً وعرقياً لتركيا فى مكانهم، وهو النهج الكارثى نفسه الذى سوف تستخدمه ميليشيات "السلطان مراد "فى ليبيا للقتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق "غير الشرعية"، المدعومة من تركيا ضد قوات الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر، فى إطار سعى أردوغان الدؤوب إلى “شرعنة” الجماعات الإرهابية، باستخدام "المرتزقة"، أداة أردوغان الذى يواصل استخدام نهج أسلافه، فى محاولته للقفز خلف حلم الخلافة المزعوم، برغم أنه يعلم، ربما أكثر من غيره، أنها محاولة للتحليق فى المجهول،ستأخذه فى النهاية هو ومؤامراته ومرتزقته إلى "الفراغ" الذى انحدروا منه.

نقلًا عن مجلة الأهرام ال عرب ي 

مادة إعلانية

[x]