المؤرخ د. عاصم الدسوقى: أردوغان خادم الغرب.. والأتراك أعطوا الفرصة لاحتلال المنطقة العربية| حوار

19-1-2020 | 06:04

المؤرخ د. عاصم الدسوقى

 

أجرت الحوار: حسناء الجريسى

- المصريون لم يحاكوا العثمانيين فى شيء لأنهم ليسوا أصحاب حضارة


الشر قابع فى نفوسهم منذ فجر التاريخ، فتاريخهم مليء بالعنف ومحاولات السيطرة، فالاحتلال العثمانى لم يترك أثرا فى أى بلد احتله إلا وخربه، لأنهم ببساطة ليسوا أصحاب حضارة، ولمعرفة المزيد حول الجرائم التى ارتكبوها فى حق الشعوب العربية، كان لزاما علينا التوجه إلى المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقى ليحكى لنا تاريخ العثمانيين، ويلقى الضوء على دورهم فى مساعدة الغرب فى احتلال الدول العربية، فمن خلال رؤية د. عاصم النابعة من عقل مفكر ومثقف واع ملم بالتاريخ القديم والحديث، يؤكد لنا أن الغرب الأوروبى وأمريكا لن يسمحا باستعادة زمن السلطنة العثمانية، هم يستخدمونها لإثارة الفتنة.

يؤكد د. عاصم الدسوقى أن العثمانيين ارتكبوا الكثير من الجرائم فى حق الشعوب العربية، قائلا: لو تحدثنا عن هذه الجرائم التى جاءت مع احتلالهم للعالم العربي، هذا لا يمكن فهمه بمعزل عن نشأة العثمانيين أنفسهم، فهم قبيلة من شمال غرب الصين، فى الأصل اعتنقوا الإسلام، لكنهم ليسوا أصحاب حضارة، يتنقلون من مكان إلى مكان حسب مصادر الحياة والرزق، وفى تنقلهم يحدث صدام بينهم وبين المستوطنين فى هذا المكان، يتقدمون ويظلون كذلك من شمال غرب الصين، حتى يصلوا إلى آسيا الصغرى فى منتصف القرن الرابع عشر.

ويحكى د. الدسوقى أنه فى ذلك الزمن كان زعيم القبيلة يسمى "عثمان" فأطلق على الجميع آل عثمان، والسبب أنه كان فى آسيا الصغرى صراع على عرش إمبراطورية بيزنطة، وأراد أحد هؤلاء المتصارعين أن يصل لهذا العرش بتأييد هذه القبيلة، وعرف عنهم أنهم أقوياء الشكيمة يحاربون هنا وهناك، فاستجاب له خصمه فانفتح الطريق أمام آل عثمان، وعبروا الدردنيل، ووصلوا إلى أوروبا الشرقية وهى منطقة "البلقان" حاليا، وما تبقى منها هى يوغوسلافيا وصربيا ورومانيا وبلغاريا.
يواصل د. الدسوقي: كلها أسماء أطلقت على شعوب، لا على دول كما فعل آل عثمان، هم ناس بدأوا يسيطرون بفعل القوة على هذه البلاد بفرض جزية على كل رئيس قبيلة من هذه القبائل والطاعة لآل عثمان، وبعد أن سيطروا على البلقان فى منتصف القرن الخامس عشر، وصل سلطانهم محمد الفاتح إلى القسطنطينية وأسقطها واستولى عليها، وأسماها "إسطنبول" أى المدينة العالية، هنا نشأت الإمبراطورية العثمانية لأنها حلت محل الإمبراطورية البيزنطية، فى هذا التاريخ فى 1453 فى أواخر القرن الخامس عشر، نجد ثلاث قوى متنافسة: هى العثمانية والقسطنطينية والمماليك فى مصر، هذه القوى كانت تتصارع على التوسع فيما بينها.

يشير إلى أنه كانت منطقة التنافس، المنطقة الكردية التى لا تزال حتى اليوم تشكل مشاكل للعراق وسوريا وتستخدمها القوى الكبرى، مثل أمريكا مستخدمة النعرات الطائفية، لكن طبقا للتوسع دائما يقال إن أى قوة تنشأ فتية تتصاعد حتى تصل إلى الذروة، عند وصولها إلى الذروة تتجمد ولا يبقى لها شيء تضيفه فى هذا المنعطف، إذا ظهرت قوة جديدة تقضى عليها، فى ذلك الزمان كانت القوة العثمانية قوة حديثة بالنسبة للصفويين فى إيران والمماليك فى مصر، وحدث الصراع لأن العثمانيين لم يتوقفوا عند احتلالهم القسطنطينية، إنما أرادوا أيضا أن يتوسعوا، فاصطدموا بالصفويين وتغلبوا عليهم فى معركة مشهورة عام 1514 أسموها معركة "شاه إيران"، وبعد أن تخلصوا من الصفويين وهزموهم تحولوا إلى مصر، وكانت حجتهم فى هذا أن السلطان الغورى، وقف إلى جانب الصفويين ضد الغزو العثمانى.

من ناحية أخرى كان هناك سبب مباشر لاحتلال العثمانيين لمصر، أو صدامهم مع المماليك وهو خصوصية قبلية عند هؤلاء، ويضيف د. الدسوقى، أن السلطان الذى كان يتولى مقاليد الحكم عندهم هو الأكبر، لكن ما كان يحدث هو أن الأخ الأكبر له أخوة أصغر، كان منهم من يطمع فى العرش، وبالتالى لم يكن أمامه سوى قتل أخيه الأكبر، طمعا فى العرش، حتى يتولى مكانه، وما حدث أن أحد أبناء السلطان الأمير "قوم" كان الوريث الشرعي، وكان يخشى هذا المصير وهرب إلى مصر، ليعيش فى ضيافة المماليك، فاتخذها العثمانيون حجة أو وسيلة يدعون من خلالها إلى عودة السلطان "قوم" ولم يكن السلطان الغورى يضع فى باله أنها حجج واهية لمحاولتهم احتلال مصر.

يستمر د. الدسوقى فى حديثه: وفعلا دارت المعركة، وكان المماليك يتوسعون فى الحكم حتى بلاد الشام ، فى ذلك الوقت كانت بلاد الشام ومصر فى قبضة المماليك، السلطان سليم الأول أراد أن يدخل البلاد دون معركة، فطلب من السلطان الغورى أن يتنازل عن الحكم، ويصبح تابعا للسلطان سليم، والطبيعى أن يرفض السلطان الغورى مثل هذا العرض، من هنا بدأ الصدام، وما حدث أن القوى العثمانية قوة فتية، والمماليك أقدم منهم، فكانوا فى مرحلة من الانحدار، فانهزم السلطان الغورى فى موقعة "مرج دابق" فى شمال حلب، وهى قريبة من منطقة الصراع "المنطقة الكردية" بعدها طبعا تولى "طومان باى" نائب السلطان الغورى الحكم، وقاد المعركة ضد سليم ورفض الاستسلام.

يؤكد د. الدسوقى أنه كانت هناك مقاومة لكن القوى لم تكن متكافئة، وهزم طومان باى فى الريدانية فى منطقة العباسية حاليا، لأنها كانت صحراء فى ذلك الزمان وهزموا هزيمة ساحقة، ولم يكتف السلطان سليم بقتله بل قطع رقبته وعلقها على باب زويلة، حتى يرعب المماليك الباقين ويستسلموا، وهنا أصبحت مصر تابعة للدولة العثمانية، طبعا كانت هناك مقاومة من المصريين لكن العثمانيين أعملوا السيف فيهم، حتى إن المصريين الذين كانوا يختبئون منهم فى المساجد مثل السيدة نفسية والسيدة زينب كانوا يدخلون عليهم بالسيوف، بل كانوا يأخذون ما خف وزنه وثقل ثمنه، والأكثر من هذا أن الذى كان يصعد المئذنة هربا منهم، كانوا يصعدون وراءه ويرمونه من المئذنة، كل هذه الوقائع ثابتة ذكرها محمد أحمد ابن إياس فى مجلدات بعنوان " بدائع الزهور فى وقائع الدهور" تحدث فيه كثيرا عن إعمال العثمانيين السيف فى المصريين.

يشير د. الدسوقى إلى أن العثمانيين لم يقدموا أى شيء جديد، فهم ليسوا أصحاب حضارة بينما مصر صاحبة تاريخ حضارى عريق، كانوا يريدون السيادة وما كانوا يفعلونه هو إرسال الوالى إلى إسطنبول، والوالى لا يبقى أكثر من ثلاث سنوات، ويتغير خوفا من أن يطمع فى الحكم، فكانوا يتركونه يمكث فى الحكم سنة أو شهور، خصوصا عندما كان يصل السلطان أن هذا الوالى أصبح له شعبية كبيرة، فكانوا يخشون أن يستقل بالبلاد، لذلك كان يتم عزله وإرساله إلى بلاده فورا، والإدارة كلها كانت فى يد العثمانيين طبعا مثل الدفتردار والخازندارة، الحامية العسكرية كلها فى أيديهم، ولأنهم ليسوا أصحاب حضارة فلم يضيفوا حضارة، فلم يذكر التاريخ أن المصريين حاكوا العثمانيين فى شيء حتى فى الملبس وغيره، ولتأكيد ذلك عندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، برغم أنها احتلال، فقد وجد المصريون فى الفرنسيين ما يأخذونه مثل ارتداء البنطلون دون أن يفرض عليهم ذلك، بعكس العثمانيين، كان يريدون فقط الاستيلاء على الحكم، ووفقا لما ذكرته المراجع الأجنبية التى درست العصر العثماني، فإن الحكم العثمانى كان سطحيا، لم يتعمق فى حياة الناس، وأكثر من هذا تسببوا فى عزلة مصر، عن التيارات الحضارية فى العالم.
عندما جاء العثمانيون إلى مصر كان البرتغاليون يكتشفون طريق رأس الرجاء الصالح، واحتلوا بعض الأماكن على السواحل، ودخلوا منطقة الخليج، وكان المماليك يقاومون البرتغاليين، لكنهم لم يستطيعوا الانتصار عليهم، وجاء العثمانيون إلى مصر وواصلوا هذا الطريق لكنهم لم يهزموا البرتغاليين، هنا أقدموا على حماية المنطقة التى احتلوها بمنع مرور المراكب الأوروبية التى احتلوها من البحر الأحمر، لأنهم واصلوا الاحتلال حتى احتلوا عدن فى اليمن وهى مدخل البحر الأحمر، وقد ترتب على هذا عزلة المصريين والمنطقة عن التيارات الحضارية المحيطة بالعالم.

يواصل د. الدسوقى قائلا: ترك العثمانيون مصر تعيش فى نظام الطوائف، سواء طائفة حرفية أم دينية أم مذهبية، وكل طائفة من هذه الطوائف تعيش فى حارة، وكان يطلق اسم الطائفة على الحارة، لذلك تجدين حارات مصر فى كتب التاريخ، أغلبها حارات مهنة مثل حارة النحاسين والفحامين، حتى عندما احتلوا أوروبا قبل أن يأتوا إلى مصر أساءوا إلى أهلها، كانوا يأخذون عنوة من كل أسرة مسيحية طفلا فى سن العاشرة، ويربونه فى معسكر الجيش الانكشارى ويجعلونه يعتنق الإسلام، وهذا أدى إلى غلة فى نفوس الأوروبيين، توارثوها جيلا عن جيل حتى بعد زمن طويل، عندما انهار الحكم الشيوعى فى يوغوسلافيا منطقة الصرب، وبدأ المواطنون المسيحيون يحكمون البلاد أخذوا يعملون السيف فى رقاب المسلمين، طبعا كل هذا ميراث من الحكم العثمانى الذى أخذ أولادهم وأجبرهم على اعتناق الاسلام، ورباهم فى معسكرات الانكشارية لكى يحاربوا أقاربهم فى منطقة البلقان، وطبعا كانت المسألة كلها بالنسبة لهم مرتبطة بفكرة التوسع.

هنا نشأ مصطلح بين الأوروبيين يسمى "المسألة الشرقية"، وتقوم على أنه كيف لشعب مسيحي أن يخضع لحكومة إسلامية ممثلة فى الدولة العثمانية؟ وكانت تصرفاتهم منافية للإنسانية، وبدأت القوى الأوروبية تتخلص من هذا الكابوس خصوصا بعد الثورة الصناعية فى منتصف القرن 18 وكانوا يحتاجون إلى السوق الخارجى لتصريف الإنتاج الزائد عن الحاجة، للحفاظ على المكاسب الموجودة، فى نفس الوقت كان العالم الآخر فى آسيا وإفريقيا لا يزال فى مرحلة الصناعة اليدوية، وطبعا كانت هذه المنطقة جغرافيا تعتبر منطقة مدارية، وفى الجغرافيا معروف أن المنطقة المدارية متعددة الغلات، أصبح المشرق مطمعا لأوروبا الصناعية، حتى يضمنوا هذه المصادر من المادة الخام ولا بديل عن الاحتلال، هنا بدأ الصدام وكان العالم العربى من المحيط إلى الخليج فى قبضة العثمانيين.

يوضح د. الدسوقى أن الحملة الفرنسية، جاءت إلى مصر عام 1798وطبعا الحامية العثمانية القائمة لم تستطع مواجهتها، لأنها كانت مسلحة بأدوات تقليدية بعكس البارود الذى جاءت به الحملة الفرنسية، طبعا إنجلترا سعت لإخراج الفرنسيين من مصر، لكى تثبت للعثمانيين أنها تعمل لصالحهم لكنه فى الحقيقة كان تنافسا بين القوى الاستعمارية الجديدة، وفعلا جاءت إنجلترا وأخرجت الحملة الفرنسية من مصر، وفى هذا التحدى انكشف الغطاء عن حكم العثمانيين بسهولة فهم ليسوا أصحاب حضارة، إنما يرغبون فى التوسع من أجل الحصول على مصادر القوة، ومصادر الحياة، طبعا مع انهيار الحكم العثمانى وعدم قوته بدأ يتساقط أمام القوى الاستعمارية الجديدة، فاحتل الفرنسيون الجزائر، ثم تونس، وفى عام 1882 احتل الإنجليز مصر، وذلك بحجج كثيرة منها دعم الخديو توفيق فى حكمه ضد العرابيين، وكان الخديو إسماعيل يحلم بأن يكرر نموذج محمد على، فى ضم بلاد الشام والسودان، لكنه أكره على الخروج من بلاد الشام، تحت دعوى حماية السلطان العثماني، وأراد الخديو إسماعيل أن يضم الصومال ضمن هذا الإحياء بعد افتتاح قناة السويس لكى يضمن حرية الملاحة فى المنطقة، هنا تصدت له بريطانيا وفرنسا وكانا يحتلان أجزاء من إفريقيا فى ذلك الوقت، وهنا أثارا الحبشة ضد الخديو إسماعيل بدعوى أنها تحمى الصومال، وبناء عليه تدخلت إنجلترا وفرنسا فى الشئون المصرية بحجة "الاستدانة" التى مارسها الخديو إسماعيل وحجتهم معالجة الميزانية.

ويواصل د. الدسوقي: من هنا دخلوا بحجة حماية الخديو توفيق فى مواجهة عصيان عرابي، واحتلوا مصر والسودان، طبعا إيطاليا تطلعت إلى أخذ جزء من هذه الكعكة الشرقية، فاحتلت ليبيا وبرغم أن المغرب لم يخضع للاحتلال، لكنه كان تحت الإدارة الفرنسية، وأصبح المغرب العربى كله فى يد فرنسا، وليبيا فى يد إيطاليا، والمشرق العربى تم اقتطاعه من الدولة العثمانية، العثمانيون هم من أعطوا فرصة لهذه الدول لاحتلال الدول العربية، عندما حكموا البلاد لأكثر من 300 سنة، وعزلوها عن التطورات الحضارية ومنعوا التطور الذاتى لهذه البلاد، فبدأنا من جديد فى المحاكاة والنقل، طالما لا نعتمد على أنفسنا نصبح تابعين لهم.

وبالسؤال حول شخصية رجب طيب أردوغان ومدى الشبه بينه وبين السلاطين الأتراك؟ يقول د. الدسوقي: كلهم فى تاريخهم نوع من العنف والسيطرة، السلطان محمد الفاتح عندما دخل القسطنطينية، كانت هناك كنيسة آية صوفيا وهى مقامة من سنة 800 وما فعله أنه أقام على هذه الكنيسة مئذنة، وحولها إلى مسجد، كان يريد الإهانة ولم يكن يريد البناء، وهذه المسألة حتى الآن عميقة فى شعور المسيحيين هناك، لدرجة أن الرئيس بوتين أثناء مشاكله مع أردوغان بشأن سوريا قال له: هل تتراجع عن احتلال سوريا أم نفكر فى آية صوفيا؟ وهذا يؤكد مدى استقرار هذه الواقعة فى أذهانهم.

يقول د. الدسوقى إن لقب الخلافة فى الدولة العثمانية، انتحله السلطان عبد الحميد، حيث أصدر دستور 1876تحت تأثير مطالب الغرب الأوروبى، وكانت هناك حرب بين الخلافة العثمانية وروسيا، وكان الغرب يريد الوقوف إلى جانب الدولة العثمانية فأصدر دستورا ينص فيه على المساواة والحريات وأمضاه بتوقيع عبد الحميد خليفة المسلمين، طبعا الأتراك كانوا لا يستخدمون لقب خليفة، وهنا انتقده عبد الرحمن الكواكبى فكتب ضده فى كتابه عن الاستبداد، وقال: "إن الخلافة عربية وليست تركية أو عثمانية " وكانت النتيجة أنه أطاح بالكواكبى الذى فر هاربا من حلب حتى جاء إلى مصر ومات بها مسموما، وما يفعله أردوغان اليوم يخدم مخطط الغرب فى تحقيق هدفهم للتخلص من الكيانات الكبرى، وهو أداة سيتم التخلص منه، فلن يسمح الغرب الأوروبى وأمريكا باستعادة زمن السلطنة العثمانية، هم يستخدمونها لإثارة الفتنة فقط، وما يحدث فى الهند والصين اليوم ليس إلا محاولة لإيجاد ربيع آسيوى، نظرا لقوة الصين ومنافستها لأمريكا فى السوق الحرة.

نقلًا عن مجلة الأهرام العربي 

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]