"الديفا" داليدا في عيد ميلادها الـ87.. أيقونة مصرية لا تغيب

17-1-2020 | 21:59

"الديفا" داليدا

 

مصطفى طاهر

في مراحل حياتها المُختلفة وطوال 54 عاما عاشتها في دنيانا منذ يوم ميلادها وحتى الرحيل، ظلت فتاة شُبرا الأشهر على الإطلاق عبر التاريخ " يولاندا كريستينا جيجليوتي " أو " داليدا " كما نعرفها جميعا، في مطاردة مثيرة بحثا عن الأضواء والنجومية، فهل كانت النجمة المصرية الكبيرة التي أصبحت ذراعًا حديدية للقوى الناعمة المصرية في السبعينيات والثمانينيات، تتخيل أنها ستبقى في قلب الأضواء والشهرة حتى بعد رحيلها بما يزيد على ثلاثين عامًا.. نظرة على التفاصيل الغائبة في قصة صعودها قبل الشهرة تحمل لنا بعض الإجابات اليوم، الذي يوافق الذكرى الـ 87 لميلادها في العاصمة المصرية القاهرة.


أحلام البدايات

انطلقت الفتاة منذ سنوات صباها الأولى في الحي العريق بقلب القاهرة تجاه الأضواء كالفراشة، وربما كان ذلك الشغف بالشُهرة والنجاح هو محور عبقرية داليدا ومأساتها في الوقت نفسه، ولدت داليدا بشبرا في 17 يناير 1933م، لأبوين من المهاجرين تعود أصولهما لجزيرة كالابريا الإيطالية، هاجرا إلى مصر في بدايات القرن العشرين، هربًا من الفقر والحروب كحال الكثير من الأجانب في ذلك الوقت، وبحثًا عن الرزق في مصر البلد الآمن والمزدهر اقتصاديًا.


"الديفا" داليدا



كانت بداية علاقة الفتاة الشابة مع الجمهور عندما بلغت الحادية والعشرين من عمرها عام 1954م عندما شاركت في مسابقة ملكات جمال مصر ونجحت في الفوز بها، أحبت بنت شبرا (يولاندا) الموسيقى من الطفولة فتعلمت العزف وحصلت على دروس في الغناء، حتى وقعت المصادفة التي لعبت دورًا مؤثرًا على حياتها فيما بعد، عندما علمت من أهلها بأنهم على صلة قرابة بالممثلة الإيطالية Eleanor Duse، التي كانت قد توفيت قبل ولادة داليدا بتسع سنوات وكانت ذائعة الصيت في إيطاليا، وهي من قدمت الإلهام لستانيسلافسكي لتأسيس مبادئ مدرسته الشهيرة في التمثيل، حيث كان يمضي ساعات من الوقت لمشاهدة أدائها ومن خلاله يستقي المبادئ المؤسِسة لمدرسته الفنية.


أثرت تلك المصادفة في حياة داليدا فقد تعلق قلبها بحب التمثيل والسينما وابتعدت عن الموسيقى، ولم يفارقها الحلم أبدا طوال حياتها بأن تصبح ممثلة مشهورة، وكان ذلك الحلم هو رأس الحربة التي رفعتها في وجه الجميع، وأولهم أهلها، لاقتناص فرصتها في دخول سباق النجومية، وتحقيق الحلم، ورغم أن " داليدا " عاشت طفولة طبيعية وسط أسرتها ما بين المدرسة والكنيسة كأي طفلة مثلها، إلا أن صدامها مع والدها الحاد الطباع والذي كان يعرف بعصبيته، بدأ مبكرا فور دخولها مراحل الشباب الأولى، فقد حاول منعها من الخروج مع صديقاتها، خاصة بعد أن قضى عدة أشهر في السجن تزامنا مع بدايات الحرب العالمية الثانية، بسبب أصوله الإيطالية التي وضعته في مأزق بسبب وقوع مصر ذلك الوقت تحت الحماية البريطانية، التي كانت تقف على الجانب الآخر من الحرب ضد الطليان، لكن سجن والد داليدا لم يستمر طويلا، وكذلك قدرته على التضييق عليها لم تستمر أيضا، فبمرور الوقت وجدت داليدا الطريق للهروب من المراقبة العائلية واكتشاف العالم، وحتى ما بعد ثورة يوليو واقترابها من بداية العقد الثالث لشبابها.

حاول والدها أن يدفعها إلى إطار تقليدي لحياة طبيعية للفتاة المصرية بأن تكون زوجة وأما، لكنها قاومت والدها حتى جاءت وفاته المفاجئة إثر أزمة صحية لتضع الفتاة في خضم الاشتباك مع الحياة وأحلامها وحدها، فبدأت تتطلع لحياة أخرى بعيدة عن القناعة بالبيت البسيط، وبسبب الظروف المعيشية الصعبة وتحت ضغط من والدتها، بدأت داليدا في الحصول على دروس في الطباعة على الآلة الكاتبة، وعملت كسكرتيرة في إحدى شركات الأدوية، لكن حلم النجومية لم يفارقها، فظلت تشارك في مسابقات ملكات الجمال المحلية مثل (Miss ondina) التي حصدتها عام 1951م، وغيرها من المسابقات، حتى جذبتها الرغبة في الشهرة مجددا للترشح لمسابقة ملكة جمال مصر، ولكن كانت هناك مشكلة هذه المرة فوالدتها ستمنعها بكل تأكيد من المشاركة في المسابقة التي ستظهر فيها شبه عارية بملابس السباحة، فقررت داليدا إخفاء الأمر عن أمها، فادعت أنها ذاهبة إلى إحدى صديقاتها، قبل أن تستقل الأوتوبيس إلى حمام السباحة، حيث تجري المسابقة التي ستفتح الأبواب للفتاة الشابة فيما بعد، فقد فازت داليدا بلقب ملكة جمال مصر 1954م، لينفتح الطريق لها إلى أول أبواب الشهرة الحقيقية.

كانت الجائزة عبارة عن زوج من الأحذية الذهبية، أسرعت بها إلى البيت في شبرا طائرة من فرحتها لتخبر والدتها بما جرى، فكانت ليلة سعيدة انقطعت صباح اليوم التالي بعاصفة الغضب من الأم، لرؤية صورة ابنتها بثوب السباحة على الصفحات الأولى للصحف، فقد كان الأمر فضيحة حقيقية لعائلة محافظة ومنغلقة على نفسها بالعقليتين المصرية والإيطالية على السواء، لكن بمرور الوقت نست الأم الغاضبة الأمر، وبقى طريق الشهرة مفتوحا لابنتها، التي استمرت في العمل كسكرتيرة في مجال الأدوية، رغم الشهرة المفاجئة، لكنها استغلت معرفة الناس بها للتردد على الاستوديوهات السينمائية واستكشاف هذا العالم السحري، ولكن كان اسم يولندا ثقيلا في الاستخدام، و كان لابد للفتاة أن تبحث لنفسها عن اسم يناسب آمالها في الشهرة، فقررت اختيار اسم "دليلة" نظرا للشبه الكبير الذي تحدث عنه الناس وقتها، بينها وبين النجمة هيدى لامار بطلة "SAMSON & DALILA".

مشوار الألف ميل

كانت بداية الحلم في التمثيل عندما جاء فريق أمريكي لتصوير فيلم جديد بمصر يحمل عنوان (Joseph and his Brother) من بطولة الممثلة الأمريكية جوان كولينز، التي كانت تحتاج لممثلة تقف كبديلة لها في بعض المشاهد (دوبلير) وتصادف أن داليدا كانت موجودة في الاستوديو وقتها، فاختارتها (جوان) لمواصفاتها الجسدية، وشعرها الكثيف القريب الشبه منها، إضافة إلى أن ملابسهما كانت من القياس والحجم نفسه، وكان يجري التصوير في الأقصر بجنوب مصر، حيث التقت هناك في الفيلم نفسه بعمر الشريف الذي كان مازال في بداياته يحلم أيضا بالشهرة واقتحام هوليوود، ومن الأقصر بدأت صداقة تاريخية لعمر الشريف ب داليدا استمرت حتى وفاتها، بعد نهاية الفيلم قررت داليدا السفر إلى فرنسا بحثًا عن الشهرة، برغم اعتراضات والدتها ورفضها القاطع.

وبالفعل في ليلة الكريسماس الأوروبية في 24 ديسمبر 1954م سافرت فتاة شبرا إلى باريس، حيث انتظرتها هناك مشاعر القلق والوحدة التي كانت رفيقة أيام البدايات، فقد كانت مدينة النور مغطاة بالثلج ذلك الوقت من الشتاء، وكانت أصوات الرياح دافعا لبنت شبرا للاشتياق إلى الشمس الدافئة في مصر، لكن رغبة الفتاة في النجومية تغلبت على خوفها، فحولت القلق إلى ثقة كانت وقودا لها للصعود إلى القمة، ومن فندق بسيط في ضواحي الشانزليزيه، انطلقت لمقابلة (هنري فيدال) الرجل الذي وعدها بالمساعدة، لكن إمكانياته الضعيفة وعلاقاته المحدودة في الوسط السينمائي الفرنسي دفعتها للاعتماد على نفسها، فقامت بتقديم الطلبات إلى وكالات مختلفة تبحث عن مواهب في مجال التمثيل .. لكن طابور المنتظرين الحالمين بالفرص كان طويلا .. لتبدأ داليدا في الاستسلام فاعترفت لوالدتها في رسائلها إلى مصر بحقيقة الوضع، لتحلم الأم من جديد بعودة ابنتها إلى أحضانها، لكن داليدا رفضت الاعتراف بهزيمتها مطلقا حتى نفدت أموالها، ولم يكن هناك طريق إلا بحجز تذكرة العودة إلى دفء القاهرة.

ما بين التمثيل والغناء

تمثل تلك اللحظة النقطة الفاصلة في حياة فتاة شبرا فهي كانت تحلم بالتمثيل وقتها لكن الشهرة كانت تنتظرها عبر بوابة الموسيقى، وهذا هو ما قاله مدرب الصوت (رولاند برجر) الرجل الذي قابلها مصادفة وهي تستعد للعودة إلى القاهرة فأقنعها بترك أحلام التمثيل جانبا والتفرغ للموسيقى، لتبدأ رحلتها الحقيقية مع المجد من ملاهي باريس وحفلاتها الموسيقية وغرفة صغيرة في شقة تقاسمتها مع صديقتها "جينا جوردل" في عمارة كان جارهما فيها الشاب الذي يكافح للصعود إلى الشهرة "آلان ديلون"، الذي كانت الحياة قاسية عليه وقتها، حتى أن داليدا وصديقتها كانا يطعمانه من ثلاجتهما أحيانا.

أقنع أصدقاء "داليلة" صديقتهم بأن اسمها غريب بعض الشيء وعليها أن تغيره، ولكن المشكلة أنها منذ قدومها إلى باريس والجميع يعرفها باسمها المستعار "داليلة" وبعد تفكير قررت خلط اسمها الحقيقي "يولاندا" مع الاسم الذي تحبه "داليلة" وكانت النتيجة " داليدا "، ومن هنا بدأت قصة الصعود الصاخبة في العاصمة الفرنسية باريس، لكن كل تلك التفاصيل تسببت في بقاء حكايتها المصرية راسخة داخلها، وهي التي نتج عنها عودتها لمصر بعد ذلك عدة مرات، وغنائها لـ"حلوة يا بلدي" و "سالمة يا سلامة"، تلك الأغاني التي انتشرت في جميع أنحاء العالم لعدة عقود، وتم غناؤها بأكثر من لغة، وكانت خير دعاية لمصر في الخارج، نجحت " داليدا " بتوهج اسمها في عالم الغناء عالميا وغنائها بـ 9 لغات، ليس فقط في تحقيق مجد شخصي لها، ولكنها أصبحت دون أن تقصد، إحدى العلامات البارزة للقوى الناعمة المصرية، وعندما نتذكر " داليدا " في عيد ميلادها بعد كل هذه السنوات، نتذكر أيضا مصر الكوزمبوليتانية التي تحتضن الثقافات المختلفة والمتباينة، وتمر مشاهد الجمال المصرية كلها في أذهاننا ونحن نسمع صوتها.

مادة إعلانية

[x]