في ذكرى بناء السد العالي.. "جغرافيا حراجي القط" غيرت القرى والمدن المصرية | صور

15-1-2020 | 17:16

ذكرى بناء السد العالي

 

محمود الدسوقي

يوافق اليوم 15 يناير، الذكرى 49 لافتتاح السد العالي ، "بوابة الأهرام".. وتواكبا مع ذكرى اليوم الذي لا ينسى في تاريخ مصر، تستعيد "بوابة الأهرام" ذكرى اختيار الشاعر عبد الرحمن الأبنودي اسم " حراجي القط " ليكون بطلا لديوانه الشعري، الذي يسرد فيه ذكريات العمال مع بناء السد العالي ، و"حراجي" مشتقة من الحرجة الزراعية القديمة، حيث يتحول حراجي من فلاح بسيط يعمل بالأجرة فى أراضى الغير، إلى عامل فى مشروع السد العالى، يهاجر إلى أسوان، فيما اختار الأبنودي مكان "جبلاية الفار" التي تعني المنطقة الجبلية، تعبيرًا عن ذلك النهر العفي، الذي قطع آلاف المسافات والجبال لكي يستقر في الوادي والدلتا، قبل أن يواصل طريقه لمصبه النهائي في البحر المتوسط.


قبل وضع حجر الأساس للسد العالي، دارت مباحثات مهمة لاختيار مكان إنشاء السد، كما دارت مباحثات مهمة لإدارة قوة التخزين، حيث قامت بعثة في أكتوبر عام 1952م لمعاينة المنطقة، من الكيلو 5 إلي الكيلو 14 بأسوان، فيما قام سلاح الطيران بعمل صور جوية، وصنعت هيئة المساحة خرائط مساحية ،وتم تقسيم الخزان إلى "تقسيم مفقود" و"سعة مخصصة لرسوب الطمي"، تم تقديرها بـ 30 مليار متر مكعب، وهي مساحة كافية لترسيب الطمي لمدة 500 عام، بمعدل 60 مليون متر مكعب في العام، بالإضافة إلى "تخزين حي"، مقدر بـ 70 مليار متر مكعب، مخصصة لسد حاجات الري والملاحة والوقاية من الفيضان.

لم تغب الجغرافيا إطلاقاً في ديوان رسائل حراجي القط ، سواء الجغرافيا المتحولة أو الثابتة للشاعر عبدالرحمن الأبنودي، المولود بقرية أبنود بقنا، نجدها في وصفه للقطار "والقطر راح ورمح كأنه عدي علي بصاية النار"، فهو يصف حال قريته قبل ركوبه القطار، أو وصفه للمنازل غير المرقمة في قنا، والتي كان يأتي لها البريد من خلال أسماء الأعيان ومشايخ البلاد آنذاك

كان " حراجي القط " مشاركا ضمن 20 ألف عامل مصري في بناء ملحمة السد العالي ، وهذا ما أشار إليه الأبنودي في رسائله، كان العمال ينتمون لمدن مصرية عريقة مثل :جرجا والبتاتون وأصفون، فيما كان الشاعر مصمما أن ينطق أسوان بأسمها القديم، أسوان بضم الهمزة.

كانت أسوان تعرف بـ "سونو" في العصر الفرعوني، ثم أطلق عليه اسم "سين" في العصر البطلمي، إلا إنها تنطق في اللهجات "أصوان"، كأنها أقرب للحجر الصوان، يقول الروائي محمد صالح البحر في تصريحات لــ"بوابة الأهرام ": إن ديوان "جوابات حراجي القط " هو ديوان شعري لشاعر فذ، فقد استطاع عبد الرحمن الأبنودي في ذلك الديوان أن يكتب كل تلك التواريخ التي أهملناها عمدا أو بسبب الإهمال، استطاع الأبنودي أن يحفر في لحمنا الحي أيضا، تماما كما فعل السَّد، ليضيف إليه البقاء والخلود، وليرد إليه مهابته وعظمته التي بدأت من خطابات اشتياق متبادلة بين عامل بسيط هاجر إلى السَّد ليكسب رزقه، وزوجته التي بقيت تعاني الفقد والحرمان في قريتها البعيدة الفقيرة، وانتهى بتسطير ملحمة خالدة لشعب يسعى إلى وجود يستحقه، لقد أراد عبد الرحمن الأبنودي أن يخبرنا أن كل شيء يبدأ من الإنسان ويجب أن ينتهي إليه.

تغيرت القرى المصرية بعد بناء السد العالي ، وكذلك المدن في كافة محافظات مصر، فما كان قبل السد، أصبح مختلفاً بعده، والجبلاية وقرية أبنود أختلفت تماما بعد بناء السد العالي ،حيث ظهرت أراضي وأمكنة جديدة أضيفت للعمران والزراعة، وأعطي لها الأهالي أسماء جديدة، مثل منطقة المنشية بقنا، كما يؤكد المؤرخ ضياء العنقاوي لــ"بوابة الأهرام "، مضيفاً أن الجغرافيا تغيرت في كافة المحافظات تماما، كما تغيرت الأبنية والمنازل، والأمكنة التي لم تكن فيها صناعة، تم إنشاء مصانع فيها، تعتمد على طاقة الكهرباء، وتم بناء منازل للعمال فيها، وهذا ماكان يؤكده الأبنودي في ديوانه، بأن السد العالي "حلم".

تؤكد المراجع التاريخية أن إنشاء سد في أسوان لم يكن وليد اللحظة، فتاريخيًا كان "الحسن ابن الهيثم" في العصر الفاطمي، هو أول من قد اقترح لبناء سد في أسوان؛ ولأن مشروعه باء بالفشل، فقد تظاهر بالجنون، أما السد العالي في العصر الحديث، فهو أول مشروع للتخزين المستمر على مستوى دول حوض نهر النيل.

وقد تقدم المهندس المصري اليوناني الأصل، "أدريان دانينوس"، إلى مجلس قيادة ثورة 1952، بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان؛ لحجز فيضان النيل، وتخزين مياهه، وتوليد طاقة كهربائية منه، وبدأت الدراسات في 18 أكتوبر 1952، بناء على قرار مجلس قيادة ثورة 1952، من قبل وزارة الأشغال العمومية.

يقول " محمد صالح البحر " أن السَّد العالي، ذلك البناء الضخم الذي استغرق عشر سنوات كاملة من تاريخنا الحديث، وأكل من لحمنا الحي، شكَّل افتتاحه حدثا ضخما للعالم كله، وليس لنا فقط، وهو ليس بعيدا جدا عن ذاكرتنا، ولن أكون مبالغا إن قلت إنه لم يأخذ حقه كاملا من التأريخ حتى الآن، لا التأريخ العلمي الذي يُظهر عظمة بنائه، ولا التأريخ الاقتصادي الذي يُظهر ثقل تكلفته وقدرتنا على تجاوزها، ولا التأريخ السياسي الذي يُبرز حجم التحدي الذي ظهرنا عليه في مواجهة قوى عالمية لا تبغي لنا سوى الظلام، ولا حتى التأريخ الأدبي القادر على تثبيت اللحظة، وتأطير ملحمتها، وخلق عظمتها الشعبية التي تتسرب بين الناس في مرور الزمن، لتظل حيَّة أبدا، وقادرة على خلق تاريخ موازٍ للتاريخ الرسمي الجاف، المدفون في الكتب المطوية بين جدران المكتبات التي لا يدخلها غير عابري السبيل لقضاء الحاجة.

وأوضح "البحر" أن الأبنودي استطاع أن ينفض التراب عن بذرته الأصلية، لتتجلى جينات أجداده الفراعنة نابضة وحيَّة وقادرة على الاستمرار والوجود، وأظنه نجح في تدوين شعلة التاريخ الشعبي التي ستظل محتفظة بنارها ونورها، وستظل قادرة على أن تتوالد وتتسرب في أرواح الناس بشكل خفي، وهو يتحدث عن أعظم بنايات القرن العشرين الخالدة علي مر الزمان " السد العالي ".


ذكرى بناء السد العالي


ذكرى بناء السد العالي

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]