وصفة الموت!

15-1-2020 | 17:41

 

"أوعى يغرك جسمك.." جملة قالها الممثل الراحل "علاء ولي الدين" في فيلم "الناظر"، من المؤكد أنه قالها على سبيل الهزل؛ لكنها رسالة مهمة لذوي العضلات المفتولة، فربما كانت "من ورق" تم حشوها بتناول عشرات الحبوب من المنشطات أو المكملات الغذائية ، وضررها أكثر من نفعها، ومعها يصبح هذا "القوام الرياضي" علامةً على المرض.

فلا ينبغي أن يغتر صاحب العضلات المنفوخة كالبالونة فهي إنذار بسلسلة من الأزمات الصحية الكامنة، وحين ترى الأكتاف المرتفعة والصدر العريض ملفت للنظر في زمن قياسي، فاعلم أننا في عصر العضلات "المغشوشة" والقوام الرياضي "المزيف"، و"مكملات الجيم"، أو أدوية بناء العضلات، وكلها مؤشر على خلل محتمل في وظائف أجهزة الجسم..

من المؤسف أن هذا الأمر يكاد يتحول إلى ظاهرة، بعدما صارت صالات الجيم ظاهرة للعيان في معظم شوارعنا؛ ولأنها لا تخضع لأي رقابة صارت ساحة لتداول المكملات الغذائية والمنشطات للإيقاع بمزيد من الشباب الذين يعانون الفراغ ويحلمون بعضلات "فان دام" و"سيلفستر ستالون" التي تتزين بها عادة واجهات هذه الصالات.

ولا يمكن تبرئة وسائل التواصل الاجتماعي من تفشي هذه الكارثة، فهي التي أسهمت في الانتشار السريع لهذه المكملات، فهي ببساطة أرضت غرور كثير من الشباب بمشاركة صور عضلاتهم المفتولة عبر مواقعها لحصد علامات الإعجاب، لكن الأخطر من ذلك أنها تغري كثيرًا من الشباب المصابين بهوس بناء العضلات في زمن قياسي للتباهي بالمظهر الرياضي العملاق.

ومثل هؤلاء الشباب يعانون غالبًا ـ وفق الدراسات العلمية ـ من أزمة نفسية حقيقية تعرف باضطراب التشوه الجسدي والشعور بعدم الرضا عن شكل الجسم، فالإنسان يجب أن يتمرن ويبني عضلاته غذائيًا بشكل صحي وطبيعي، لكن ما يحدث هو أنهم يأخذون بنصيحة المدرب لا الطبيب.

نعم في هذه الصالات غالبًا يأخذ الشباب بنصيحة المدرب لا الطبيب، وتكون تلك العقاقير في متناول اليد وسهلة التداول، والكارثة أن بعض المدربين يكتبون نظامًا غذائيًا صارمًا لمن يتمرنون معهم، وهم غير مؤهلين بالمرة؛ لأن هذه مهمة أخصائي التغذية والأطباء، والنتيجة إصابة الشخص بالأنيميا أو غيرها من الأزمات الصحية، وحين يسهل على أي شاب الحصول على هذه المكملات بدون رقابة ويتبع نظامًا غذائيًا غير صحي بالمرة، فهو من دون شك يكتب لنفسه وصفة للموت!!

وبرغم أن وزارة الصحة لم تسمح إلا بتداول 150 دواء فقط من تلك المكملات، فإن الأسواق المصرية مليئة بعشرات أضعاف هذا الرقم.

وفي الوقت الذي حذَّرت فيه منظمة الغذاء والدواء الأمريكية - منذ سنوات - من خطورة تداول المكملات الغذائية لإنقاص الوزن، أو بناء العضلات، أو تعزيز الأداء الرياضي، والوظائف الجنسية، مؤكدة أن كثيرًا منها يسبب مشكلات في الكبد والكلى والضعف الجنسي، وسكتات دماغية وأزمات كثيرة تصل إلى حد الوفاة، وطالبت بتجريم استخدامها دون وصفات طبية، وبرغم ذلك يمكن لأي شاب الحصول على تلك المساحيق بآلاف المسميات التجارية بسهولة ودون وصفة طبيب، بل يبيعها إليه مدربه بالجيم، أو يشتريها بسهولة حتى من بعض محلات "السوبر ماركت"!!

دراسة أجرتها كلية طب "جامعة هارفارد" الأمريكية، قالت إن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا ويتناولون منتجات لتعزيز الطاقة، يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض بـ3 أضعاف أقرانهم، الذين يكتفون بتناول الفيتامينات فقط، استندت الدراسة إلى بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي FDA الخاصة عن الحالات الطبية الخطيرة نتيجة للأغذية أو المكملات الغذائية بين عامي 2004 و2015، وقالت إن 40% من هذه الحالات كانت شديدة الخطورة..

ولمزيد من الإيضاح، ينبغي ـ وفقا للدراسات العلمية ـ التفرقة بين " المكملات الغذائية التي تتضمن مواد طبيعية آمنة، وبين الأدوية التي تحتوي على مواد مثل الأفيدرين، الذي يستخدم في الأصل بشكل طبي، لكن البعض يحقنه تحت الجلد للتخسيس، وهو أمر خطير للغاية، إذ مُنِع بأمريكا، لأنه يسبب الوفاة، وكذلك الإستيرويد، وهرمون النمو، فهذه ليست مكملات غذائية، بل هرمونات تدخل الجسم بهدف تكبير العضلات وحرق الدهون، وهي عقاقير خطيرة جدًا ومميتة، وتؤدي إلى مشكلات في الكبد والكلى، بل والعقم أيضًا والضعف الجنسي..

ومن الطبيعي أن تداول هذه المكملات من دون أي رقابة صحية - واعتمادًا فقط على نصيحة المدربين وانبهارًا بدعايات وصور "السوشيال ميديا" - قد يعصف بأعمار شباب في عمر الزهور..

أبرز تلك الحالات وفاة الفنان الشاب هيثم أحمد زكي الذي فارق الحياة وهو في الـ35 من عمره؛ بعد جرعة من المكملات الغذائية سببت له أزمةً قلبيةً، إذ كان قبلها قد خضع لتمرين قاس في الجيم، والفنان الشاب عمرو سمير 33 عامًا، الذي توفي قبل عامين أيضًا بعد تعرضه إلى هبوط حاد بالدورة الدموية في أثناء نومه، وكان يفرط في تناول عقاقير تكبير العضلات .

إنها رسالة تحذير وجرس إنذار لكل شاب يحلم بعضلات مفتولة وقوام رياضي طبيعي، إياك أن تتناول هذه المكملات بنصيحة من مدرب، وإن دعتك الضرورة لذلك، فتحت إشراف طبي كامل..

ولست بحاجة لتذكيرك بمصير أي لاعب يشارك في أي بطولة دولية، ويتم اكتشاف تناوله مثل هذه المكملات.

مقالات اخري للكاتب

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

عندما يصمت الربيع!

ترى كيف يكون الربيع صامتا؟.. وإذا كتبت الأقدار الصمت على الربيع، فأين تذهب شقشقة العصافير.. وهديل الحمام وسجع اليمام.. وانتفاضة الشجر بالأزهار والبراعم

لا تقتلوا الخفافيش

على خلفية تحميلها مسئولية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"؛ تتعالى الأصوات في الصين حاليًا لقتل الخفافيش، والتقطت البيرو طرف الخيط، وبدأت بالفعل حملة منظمة لقتلها، ويبدو أن العدوى قد وصلت إلى أمريكا أيضًا.

توابع كورونا النفسية!

بعدما صارت حميمية اللقاءات بين الناس في الشوارع وطقوسها من سلام وعناق شيئا من الماضي، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم بسبب الحصار الذي فرضه عليهم فيروس كورونا..

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

تكنولوجيا زمن الكورونا

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

مادة إعلانية

[x]