هل نستخدم تقنية الـVAR في حياتنا

14-1-2020 | 18:03

 

ماذا لو كان بوسعنا استخدام تقنية الـVAR في حياتنا والتي أقرت رسميًا من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل عامين فقط..


هذه التقنية العبقرية التي تشعل الحماس في ملاعب كرة القدم, وتدخلنا في أجواء الرعب والترقب, قد تكون هي التقنية التي يمكن أن تساعدنا على عمل مراجعات تاريخية، وإعادة نظر في قراراتنا وممارستنا النقدية والفكرية والسياسية والعسكرية, وفي الحياة الشخصية..

عشرات الآلاف في الملعب ومليارات خارجه تلهث وراء نظرة الحكم الصارمة، وهو يدقق في الـVAR، وكأنه يقود طائرة العالم وسط الهتاف والأعاصير وأمواج الدعاء..

نحن نعيش قمة الإثارة عندما يتجه الحكم مسرعًا ليشاهد وحده, ويتخذ القرار بكل شجاعة, ونرى الجميع يمتثل له بقوة القانون.. قانون اللعبة..

وشاهدنا في الأيام القليلة الماضية دراما فوز أتليتكو مدريد في مدينة جدة السعودية, وذهابه إلى نهائي كأس السوبر الأسبانية على حساب فريق برشلونة.. وفي المباراة كان الـVAR (ومعناها: حكم الفيديو المساعد) بطلاً كآلهة اليونان القدامى، وتم إلغاء هدفين لبرشلونة, الأول لميسي أحسن لاعب في العالم لعام 2019.. والهدف الآخر سجله زميله بيكيه, واحتسبه الحكم, ثم إلغاه بداعي التسلل بعد أن استخدم تقنية الفيديو وسحرة الفيديو, وأظهرت الإعادات صحة قرار حكام التقنية العجيبة..

هذا إبداع حقيقي, لأنه يعني القدرة على مراجعة القرارات المصيرية والأخطاء وتعديلها نحو الصواب فورًا, كنوع من التدخل العاجل والجريء, من أجل العدالة أو أكبر قدر مستطاع منها, ودرءًا للظلم..

لو أن لدينا إمكانية الـVAR هل كان سيعيد البعض منا النظر في "الربيع العربي" الذي تحل ذكراه التاسعة هذه الأيام, والاستفادة من منجزه الثوري والفكري على نحو مختلف عما جرى؛ لنستخرج منه زهورًا وإبداعًا وتقدمًا بدلاً من كل هذه الأشواك والتبعية والتراجع؛ لنخرج أقوياء بدلاً من الضعف الذي أصابنا وتسبب في جرأة غير معهودة لقوى إقليمية, مثل أثيوبيا التي باشرت في بناء سد النهضة بعد أن تابعت من هضبة الحبشة دخان الفوضى وعدم اليقين والتربص والحرص على المكاسب السياسية الرخيصة في النخبة المصرية.

تلك النخبة التي قرر بعض المؤثرين في تياراتها الوطنية المختلفة الذهاب إلي فندق فيرمونت في 22 يوليو 2012, ليعصروا الليمون, ويقدمون مصر قربانًا للجماعة ومناصريها في تركيا وقطر وعند عمر البشير في السودان وراشد الغنوشي في تونس وقادة حماس..

ومن منصة الفندق باع الصحفي والإعلامي الكبير حمدي قنديل للشعب أقراصًا مخدرة من نوع "فريق رئاسي" و"حكومة إنقاذ وطني" إلي آخر ذلك الهراء؛ وهو القرار الذي أشك في أن من اتخذوه من القوى الوطنية مرتاحون له الآن, وأتصور أن بعضهم بالفعل قدم مراجعات متأخرة, لكنهم لم يتمكنوا أبدًا من استخدام أي وسيلة لاستعادة قرارهم الضائع..

ونفس الفندق كان شاهدًا للقاءات مريبة مثل اجتماع خبراء من إيران مع قادة من الإخوان لتشكيل حرس ثوري إخواني لقمع المتظاهرين, ولم يمنعهم أحد, ويظل ذلك التصرف من دون حساب حتى الآن.
ولو أن لدينا تقنية الـVAR لأستمع الرئيس الراحل أنور السادات إلى نصيحة الأمن وارتدى السترة الواقية في العرض العسكري الذي اخترقه الجهاد والجماعة الخارجتان من معطف الإخوان المسلمين وقتلوه؛ هي الأقدار والساعة التي حانت، لكن قرار السادات بعدم ارتداء السترة الواقية هو الفعل الذي كان يمكن تصحيحه..

ولو أن لدينا تقنية الـVAR لعاد العرب والفلسطينيون إلى قبول قرار التقسيم سنة 1947 بدلا من الرفض الخاطئ وإعلان حرب لم نكن مستعدين لها أدت إلي النكبة, والآن لا العرب ولا الفلسطينيون يملكون خيارات كثيرة, فقرار التقسيم رغم ظلمه في ذلك الوقت, إلا أنه أعطى الفلسطينيين ثلث مساحة فلسطين التاريخية، والآن ولا في الأحلام الحصول على نصف ما خصص لهم القرار.

أعرف أنها أخطاء تاريخية ومقادير مكتوبة, ولكن إعادة التركيز فيما جرى يضعنا بالضبط أمام مسئولية أو محاولة تفادي مسئولية "المجني عليه" في كثير من الحوادث.. خطأ ما في قرار لا يمكن استعادته تصل بنا إلى ما يعتصره المثل الشعبي من خبرة السنين: "الفاس وقع في الراس"..

إذن ما فائدة تقنية الـVAR البشرية إن وضعنا نصب أعيننا, وأظن أنها تكون ذات أثر فعال في المراجعة اليومية, في الرجوع عن قرار خاطئ, في احترام الآخرين, والاعتذار فورًا عن أي سلوك بشري ضار بأحد على الطريق أو من الجيران أو الأقارب.

وفي الحكومة: تحمل المسئولية عند الاختيار, والتغيير عند الضرورة, والاعتماد على الأكفاء والاعتراف بسوء التقدير في النقد والسياسة والإسراع بتحقيق العدالة.. وأيضًا هي الثقة بالتكنولوجيا وأهمية الارتكان إليها والثقة فيها لأنها الحاضر والمصير.. والثقة في الحكام المساعدين, لأن هذه التقنية تم اعتمادها لمحاصرة خطأ الحكم الواحد, لأنه كان ولا يزال بشريًا, وتفوته أشياء في أرجاء ملعب كرة القدم الواسع, لا يدركها كلها.. هي انقاذ لسمعة وأسلوب "فريق العمل", لأنه وراء التكنولوجيا حكام مساعدون كثر.

وقد يحسب البعض أن عمل تقنية الـVAR هو نفسه عمل "لو" في التاريخ.. لو حدث كذا لكان الأمر كذا... مثلا.. لكن المسألة مختلفة تمامًا..

مقالات اخري للكاتب

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

أيام مع نجيب محفوظ (21)

حصل الأستاذ نجيب محفوظ على جوائز محلية، سرعان ما تبخرت في الصرف على طلبات عائلية، أو في عملية نصب، مثل إعلان عن مشروع سكن فيلات في المعادي على النيل، ودفع لها ألفي جنيه كانت كل قيمة جائزة الدولة التقديرية سنة 1958.

أيام مع نجيب محفوظ (20)

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية "ملكة النور".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).

أيام مع نجيب محفوظ (19)

عشية عودتنا إلى القاهرة أعدت الجمعية المصرية باستوكهولم برنامجًا حافلاً مساء يوم الإثنين 12 ديسمبر تحت اسم "الأمسية الثقافية بمناسبة حصول الأديب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب لعام 1988"، وذلك في قاعة الحفلات الموسيقية في ستوكهولم.

أيام مع نجيب محفوظ (18)

سألني الأستاذ نجيب محفوظ بعد عودتي من استكهولم عن رأيي فيما جرى، وعما كتبت في مجلة "المصور" كتغطية للرحلة، وقلت له إن قراره بعدم السفر جعله "الحاضر الغائب"، وأن الاهتمام به من الصحف والإعلام كان هائلاً، وسألني عن الكلمة وتأثيرها وأداء الأستاذ محمد سلماوي فقلت له: إن الكلمة كانت شديدة التأثير..

أيام مع نجيب محفوظ (17)

أخرج الملك كارل جوستاف السادس عشر أم كلثوم وفاطمة نجيب محفوظ من حالة الرهبة في قاعة الكونسيرت في أستكهولم، بمداعبتهما عند تسليمهما وثائق جائزة نوبل في الأدب لعام 1988.

أيام مع نجيب محفوظ (16)

بخلاف بيان الأكاديمية السويدية في 13 أكتوبر 1988، والذي أعلن قرار فوز الأستاذ نجيب محفوظ بالجائزة وحيثياته، فإن مؤسسة نوبل أصدرت عشية تسليم الجائزة، ونحن هناك، بيانات أخرى عن كل الفائزين، زملاء محفوظ تلك السنة..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]