رييوا.. 2050

12-1-2020 | 16:58

 

اليوم، أختتم سلسلة من مقالات ، بدأتها في نوفمبر الماضي، بـ إطلالة على عصر الـ"رييوا"، الجديد، في اليابان، عقب عودة من زيارة لطوكيو، تزامنت مع أجواء ومراسم احتفالية عامة أقيمت هناك لتتويج الإمبراطور ناروهيتو، وقرينته الإمبراطورة ماسكو، واس

تعراض موكبهما، في ضواحي العاصمة.

بداية، أقر بأنني - بدون أي ترتيب مسبق، كنت محظوظًا للغاية بزيارة اليابان في فصل الخريف؛ مما أتاح فرصة ذهبية للاستمتاع بالطقس الخريفي المنعش، وبقضاء أمتع الأوقات في الميادين والحدائق العامة والمزارات ورؤية معالم اليابان  في أبهى صورة لها، مزينة بأوراق الأشجار باللونين الأحمر والأصفر.

مكان الإقامة في منطقة "روبونجى وأزابو جوبان"، في وسط العاصمة، طوكيو، سمح لي تنفس هواء عصر الـ"رييوا"، في أشهره الأولى، والالتحام بمعارف وأصدقاء يابانيين، وأجانب، والاقتراب من توقعاتهم لحقبة جديدة بحلوها ومرها.

طوكيو، التي تفوز-عادة- بوصفها المدينة الأكثر نظافة وأمنا في العالم، سمح لي مكان إقامتي بالسير- على الأقدام غربًا - إلى تقاطع حي "شيبويا"، وهو أحد المعالم الشهيرة باليابان، وبالقرب منه يقع تمثال "الكلب الوفي - هتشيكو"، والتوجه - شمالا- إلى حي "هاراجوكو" وبجواره حديقة ومعبد الـ"ميجى"، الأكبر والأهم - على الإطلاق - في اليابان، وصولا لمنطقة "أوموتيساندو" الراقية.

أيضا، من مكان الإقامة، سرت – جنوبًا - على الأقدام طوال يوم آخر، لمسافة تقترب من 10 كيلو مترات، حيث برج طوكيو ، وحديقة " شيبا"، وأحد المعابد بجوارهما، ثم التوجه شرقا لحديقة " هيبيا"، الأكثر شهرة، فمناطق التسوق المجاورة لها والراقية في "جينزا ونيهونباشي ومارونوأوتشى"، وصولا إلى حدود القصر الإمبراطوري، المحاط ببحيرة مائية مقدسة، وبحديقة هائلة، متاح دخولها أمام عامة الناس، للاستمتاع بالطبيعة الخلابة، وبالتقاط الصور التذكارية.

هذه المشاهد المبهجة والممتعة لزائر اليابان، تعكس – بكل تأكيد - مفهوم التناغم الجميل، للتفسير اللغوي والحرفي الظاهر لـلـ"رييوا"، الذي بدأ تطبيقه رسميًا في أول شهر مايو 2019، ويتوقع المراقبون أن يمتد لـ 30 عامًا، أي لعام 2050.

غير أن واقع الحال لعصر الـ"رييوا" في اليابان، بحسب توقعات بعض المراقبين، وكما لمسته على الطبيعة خلال زيارتي، يبدو مقبضًا ومحبطًا للأسباب الآتية:

• أولا: تراجع إحصائيات عدد سكان اليابان بدءا من عام 2007، وتوقع المزيد من الانخفاض بـ 20 مليون نسمة، مع حلول عام 2045، ليصبح العدد 106.4 مليون نسمة، مقارنة بـ 127 مليونًا - حاليًا- وإلى أقل من 100 مليون نسمة، بحلول عام 2050، منهم 38% هي نسبة متوقعة لليابانيين، الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر.

التراجع في عدد المواليد، تسبب - مثلا - في إغلاق نحو 200 مدرسة، في جميع أنحاء اليابان، لعدم وجود تلاميذ، 154 مدرسة منها ابتدائية، و46 إعدادية.

أيضا، تسبب تراجع عدد المواليد في إرباك توازن نظام المعاشات التقاعدية بين المستفيدين والداعمين، ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءًا، مستقبلا، طالما اتسعت فجوة الأقساط وازدياد أعداد كبار السن والشيخوخة في المجتمع الياباني.

من الطبيعي أن يتسبب انخفاض عدد السكان في نقص القوى العاملة، وظهور العديد من حالات الإفلاس، في قطاعي المال والأعمال باليابان.

هناك أسباب متعددة لانخفاض معدلات الزواج والمواليد في اليابان، من أهمها: انعدام الأمن المادي، والعمل غير المنتظم، وفقد الوظيفة، والعمل بأجر نصف اليوم.

• ثانيًا: مخاوف من مواجهة السيناريو الاقتصادي الياباني الأسوأ، في عصر الـ"رييوا"، وانتقال عبء شيخوخة المجتمع، الحالي إلى الأجيال المقبلة، باستمرار العجز في الميزانية العامة، وتفاقم الديون الحكومية، التي تتجاوز ضعف الناتج المحلي الإجمالي، وتقلص الأسواق، وزيادة نسبة عدد الأسر الفقيرة، بجانب التي تعان - أصلا- من الفقر، منذ أواخر عقد التسعينيات.

تقدر ميزانية اليابان للعام المالي 2020- 2021 بنحو 938 مليار دولار، ووصلت نفقات الضمان الاجتماعي (صحة ومعاشات وكبار السن) إلى 328 مليار دولار، ويتوقع خفض المعاشات التقاعدية بنسبة 20% في السنوات المقبلة.

يتضمن السيناريو الأسوأ، كذلك، استمرار العجز في الميزان التجاري الياباني، نتيجة لتراجع الصادرات، التي يعتمد عليها- أساسا- الاقتصاد، وقد بلغ التراجع، نحو 1.59 تريليون ين، في عام 2018، بسبب التباطؤ في الاقتصاد العالمي.

في تصنيف التنافسية لعام 2019، تراجع ترتيب اليابان إلى المركز السادس، بسبب بطء الأداء في بيئات التعليم والعمل، فيما احتلت سنغافورة الترتيب الأول، تلتها أمريكا، فهونج كونج، واحتلت كوريا الجنوبية الترتيب 13 والصين 28.

المشكلة الاقتصادية الأكثر مرارة، التي تواجه اليابان في عصر الـ"رييوا"، تكمن في زيادة المخصصات الدفاعية، التي ارتفعت للعام الثامن على التوالي، لتبلغ رقمًا قياسيًا وهو 5.3 تريليون ين، أي نحو 48.6 مليار دولار في عام 2020، ومن المتوقع أن تتضاعف تلبية لطلب الرئيس ترامب، بزيادة مدفوعات اليابان للقوات الأمريكية، بأكثر من 4.5 أضعاف المستوى الحالي، في السنة المالية 2021.

حالة عدم اليقين، والتوقعات الاقتصادية غير المطمئنة والمقلقة، التي تتسم بها بدايات عصر الـ رييوا، تختلف عن مظاهر الازدهار والانتعاش الاقتصادي، التي تحققت على أرض الوقع بعد التعافي من أثار الحرب العالمية الثانية، مما دفع اليابانيين - وقتها - للشعور بالأمان النسبي، وهم يودعون عصر " شوا"، ويدخلون عصر "هيسي" في عام 1989.

في رأيي، قد تحدث المعجزة، ويتمكن اليابانيون من التغلب على المشكلات، الوجودية، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تواجههم في عصر الـ"رييوا"، إذا نجحت الحكومة في تنفيذ حزمة إجراءات من الآن وحتى 2050، منها:

على الصعيدين السكاني والاقتصادي: رفع معدلات الخصوبة لدى المرأة، وتوفير البيئة المناسبة لتمكين الأجيال الشابة من الزواج والإنجاب، وتقديم الدعم الاقتصادي للأسر التي لديها أطفال، وتشجيع الرجال على أخذ إجازات لرعاية الأطفال، وأداء الأعمال المنزلية، والمشاركة في تربية الأطفال.

أيضًا، مطلوب التخفيف من رسوم التعليم الباهظة في مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي، التي تصل إلى حوالي مليون دولار للطالب، والاستعانة بتشغيل العمال الأجانب من ذوي المهارات، وتسريع وتيرة معدل النمو الذي لم يتجاوز الـ 2.5% في آخر 20 عاما، وتعزيز مشاركة النساء وكبار السن في القوى العاملة باليابان.

ختاما، أقول - بكل إخلاص وشفافية - للأصدقاء اليابانيين: لعل توقعات بعض المراقبين، السابقة، تكون مبالغًا فيها، أو تشاؤمية أكثر من اللازم، ولعله يحدث العكس، "مين عارف"، وتحدث المعجزة، باستضافة طوكيو لدورة الألعاب الأولمبية والبارلمبية، في 2020، ليبدأ عصر الـ"رييوا" بنهضة شاملة، مماثلة لما حققته أولمبياد طوكيو، في عام 1964، التي كانت بداية نهضة عصرية عظيمة، أعادت تشكيل اليابان، وتقديمها للمجتمع الدولي، طوال العقود الستة الماضية.

Kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

تشجعي يا صين.. اصمدي يا ووهان

.. والصين تكافح بكل قوة وشراسة فيروس "كوفيد – 19"، المعروف باسم كرونا اللعين، تلقيت اتصالات هاتفية من منظمات وجمعيات أهلية مصرية، ورسائل إلكترونية من أفراد عاديين، معبرة عن التضامن مع الصين، استجابة لما دعوت إليه، منذ أسبوعين، بوجوب تقديم مبادرات تضامنية شعبية تجاه الصين.

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

"هو تشي منه" و"خوسيه مارتي"

كلاهما أحب مصر.. فبادلهما شعبنا حبًا بحب، وبمرور الأيام، وانجلاء الحقائق، أصبح حضورهما ملء السمع والبصر، مشفوعًا بالتوقير، في قاهرة المعز.

سنة قمرية سعيدة لأصدقائنا الآسيويين

من بين بطاقات كثيرة، لبيت دعوة السفير الفيتنامي بالقاهرة، تران ثانه كونج، للاحتفال معه بحلول رأس السنة القمرية، الذي أقيم في منزله بالزمالك، مساء يوم الجمعة الماضي، وسط ما يمكن وصفه بـحشد من أسرة الجالية الفيتنامية بمصر.

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

[x]