ما بعد الحداثة والمرور في العالم وفي قاهرة المعز (6)

11-1-2020 | 16:56

 

ما بعد الحداثة مجتمع يتميز ب المدن الخضراء الخالية من التلوث أو المحدودة التلوث ، حيث تعتمد هذه المدن على استخدامات الطاقة المتجددة بوجه عام في المساكن والعمل والطرق وانتشار الخضرة والأشجار وانعدام أو ندرة الضوضاء، والمرور يعتمد على التكنولوجيا الرقمية في الإشارات الأوتوماتيكية في كافة الشوارع والانضباط التام لكافة السيارات.

ويتوقع انتشار السيارات ذاتية القيادة بدون سائق؛ حيث أثبتت التجارب قلة أخطاء وحوادث السائق الروبوت مقارنة بالإنسان، وتسديد الغرامات وتجديد الرخص من خلال التكنولوجيا الرقمية.

هذا العالم بدأت ملامحه في كثير من الدول وخاصة في مجال المرور، هذا ما يحدث في العالم حولنا، وللأسف إذا رجعنا لمصر في مجال المرور خاصة، نجد قاهرة المعز مازالت بعض ملامحها في مجال المرور منتشرة؛ حيث نشاهد إلى الآن العربات الكارو تسير في الشوارع، وما ينتج عنها من مخلفات الحيوان وتعطل الطرق، وبجانبها سيارات عتيقة يتجاوز عمرها خمسين عامًا وأكثر، وفوق كل هذا ينتشر التوكتوك في كافة الطرق حتى السريعة مثل صلاح سالم، بالإضافة إلى الموتوسكيلات، كل هذا يسير بعشوائية وعدم التزام تام بقواعد المرور؛ ما أدى لحالة فوضى ليس لها مثيل في الماضي أو الحاضر، كل هذا أدى إلى أن تصبح مصر في مقدمة دول العالم في حوادث الطرق والوفيات الناتجة عنها، فوفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية 2019، كانت القاهرة من أكبر مدن العالم في الحوادث وتعدى عدد الضحايا 25 ألفًا ما بين قتيل ومصاب ونحو 30 مليار جنيه خسائر مادية، بالإضافة للخسائر الصحية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن الوفيات والإصابات، ووفقًا لتقارير عالمية أخرى أصبحت القاهرة تحديدًا من أكبر مدن العالم تلوثًا للهواء والضوضاء، وتمتد الخسائر بالطبع لقطاع السياحة، فهل نتوقع "سياحة" لبلد أصبحت من أكثر مدن العالم في الحوادث و التلوث ، ولقد تصاعدت حوادث الطرق بشكل لم يعد مقبولا استمراره.

ففي الأسبوع الماضي، سيارة نقل تسير عكس الاتجاه وبسرعة كبيرة في شارع جامعة القاهرة لتصطدم بميكروباص؛ ما أدى لوفاة عدة أشخاص، والمشكلة هنا في قمة الاستهتار بالقانون؛ لأن هذه الجريمة حدثت في ميدان من أكبر ميادين القاهرة ، وبالقرب من مديريات الأمن والمرور، وقبله حادث في شارع طلعت حرب في سيارة سريعة تصدم أبرياء على الرصيف لتجاوزها السرعات القانونية، هاتان الحادثتان في قلب القاهرة !! فماذا يحدث في الأطراف أو المدن البعيدة؟!

والمشكلة هنا في عدم المبالاة من السائقين وأصبحت ظاهرة يلمسها الجميع فهل سوف يستمر هذا العبث وإلى متى؟! وهل نتوقع بعد ذلك مزيدًا من السياح أو حتى الاستثمارات في ظل هذه التجاوزات الواضحة أمام الجميع؟!

لابد من تحرك سريع للمواجهة بقانون حاسم رادع يطبق سريعًا لوقف كل هذه التجاوزات؛ لأن المشكلة في أن اعتياد القبح يؤدي للتعايش معه والتبلد وعدم الإحساس بأهمية التغيير، وأخشى أن يكون البعض قد اعتاد ذلك؛ وخاصة مع المجهودات الكبيرة للدولة في إنشاء وتمهيد الطرق، ونحن على أعتاب شهور قليلة من الانتقال للعاصمة الإدارية!! وهل سوف يصل إليها فوضى التوكتوك والكارو، وكيف سوف نمنعها مع سائقين اعتادوا الفوضى والعبث بالأرواح، وهنا المشكلة كيف نعدل سلوك فئة كبيرة من المواطنين في قيادة السيارات، فهذا السلوك صعب تعديله إن لم يكن هناك ردع حاسم وسريع؛ لأن الزمن ليس في صالحنا، ويعني مزيدًا من الاستنزاف في الأرواح والأموال وسمعة السياحة وسمعة مصر بوجه عام.

ولمواجهة ذلك هناك عدة اقتراحات؛ منها على مجلس النواب سرعة إصدار قانون المرور على أن يتضمن تشديد العقوبات؛ مثلما يحدث في العالم، فمثلا بالنسبة للسير عكس الاتجاه العقوبة السجن الفوري ولفترات طويلة؛ لأنه ببساطة قد يؤدي لوفاة الأبرياء، وكذلك القيادة تحت تأثير مخدر، ثم إن سرعة السيارات تختلف باختلاف الطريق؛ حيث تنخفض كلما كان الطريق يزدحم بالمارة، فمثلا أي طريق به مدرسة أو مستشفى لا تتجاوز السرعة 20 ك، وما حدث أمام جامعة القاهرة يشير إلى تجاوز كبير جدًا للسيارة النقل، والتي من المفروض أن يقتصر سيرها ليلًا على مناطق محددة، كما يجب إلغاء المادة 80 من القانون الحالي، الذي يسمح بالتصالح في حوادث الطرق لمن يملك المال، كما يجب أن يكون هناك عمر زمني لسير السيارات؛ فمثلا يعطي فرصة سنة أو سنتين بعدها يمنع سير أي سيارة تجاوزت 50 سنة، وبعد خمس سنوات تنخفض المدة إلى 40 سنة، ثم 30 سنة، ثم نظام النقاط لسحب الرخصة بعد تجاوز نقاط معينة من المخالفات، بجانب المخالفات المالية الضخمة، وضرورة سرعة تقنين التوتوك وقصره على مناطق معينة، وسحب عربات الكارو واستبدالها بتروسيكل مقسط، والتعامل بحسم مع تجاوز الموتسكيلات لكافة القواعد.

ويجب أن تكون هناك إشارات إلكترونية وكاميرات بكافة شوارع المدن؛ لتسجيل كافة المخالفات، ويمكن إسناد ذلك لشركة خاصة حتى لا يكون هناك مجال للمجاملات، مع دقة أكبر في منح رخص القيادة، ومن خلال مدارس معتمدة، وسحب الرخصة نهائيًا عند تكرار المخالفات الكبيرة؛ مثل السير عكس الاتجاه أو القيادة تحت تأثير مخدر أو تجاوز نقاط المخالفات حدًا معينًا.

 وكل ما سبق بديهيات تجاوزتها معظم الدول المحيطة، ولا يصح للقاهرة المحروسة أن تستمر في هذه الفوضى؛ التي حتما سوف تنتقل تلقائيًا للعاصمة الجديدة، إن لم نسرع في المواجهة الحاسمة.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]