غزو البطون وتأميم العقول!

8-1-2020 | 17:26

 

ثقافة الطعام فى أى مجتمع تعد جزءًا أساسيًا من هوية أفراده، ومرآة تعكس تاريخه الممتد عبر الزمن، لذا اعتبر العلماء أن "الذكاء البشرى" الذى ميز الإنسان عبر القرون وسمح بتطوره، هو فى قدرته على التحكم فى النار وطهى طعامه.


وبنظرة تاريخية بعيدة إلى الوراء نجد كيف أثر الطعام على الحضارات، فمن يتتبع مثلا مسار تجارة التوابل، يجد أن الهدف الأساسى من محاولات استكشاف الهند والشرق عبر البحر هو الوصول إليها وجلبها إلى أوروبا بصفتها رمزًا حضاريًا قويًا.

فرحلة كريستوفر كولمبس التى اكتشف فيها الأمريكتين، كان هدفها استكشاف الهند بحثًا عن التوابل، فاتجه غربًا ونزل على شواطئ أمريكا وأمضى وقتًا طويلاً فى البحث عن التوابل هناك، رغم عدم امتلاكه أية فكرة عن شكلها قبل صنعها، ورغم الحكم على رحلته أنها مُنيت بالفشل آنذاك، لكنها أعادت رسم خريطة العالم أجمع.

وعلى عكس كل الثقافات فى العالم، وضعت ثقافة "الغزو الأمريكية" الغذاء كقوة ناعمة لاحتواء أى دولة للدوران فى فلكها، بعدما تبدلت وتغيرت أساليب الاستعمار، لذا تعد وسائل إعلامها أن افتتاح فروع للمطاعم الأمريكية الشهيرة فى هذه الدولة أو تلك حدثًا عظيمًا.

فرق كبير بين أن تتداول الدول فيما بينها أشهر أكلاتها الشعبية، لكن "الهجمة الغذائية الأمريكية" هدفها- لاشك- سياسي فى المقام الأول، استنادًا إلى مبدأ أن "من يأكل طعامنا لابد يومًا ما سيفكر مثلنا"، أو كما يقول كاتب فرنسى شهير "قل لى ماذا تأكل؛ أقل لك من أنت"، وبهذا يصير "الوافد" الغذائى جزءًا من الهوية، وبذلك تنهار هويات الشعوب الغذائية.

قلنا إن ثقافة الطعام فى أى مجتمع هى نتاج قرون وربما آلاف السنين، تعتاد عليها الشعوب وتكتسب معها مناعة من كثير من الأمراض، مما يعنى أن أى نمط غذائى جديد ينتقل إلى شعب ما من دولة أخرى، لابد أن يدفع هذا الشعب الثمن غاليًا من صحته وتتحول معه أمراض كانت نادرة فيما مضى إلى شائعة، وهو ما حدث بالفعل مع غزو سلاسل المطاعم الأمريكية لأفواه وبطون ملايين البشر حول العالم.

على عكس ذلك، نجد شعوبًا اعتبرت أى تعديل فى إحدى وجباتها الشهيرة "إهانة"، مثلما حدث حين استضاف بابا الفاتيكان فقراء روما فى مائدة، وقدم لهم خلالها وجبة المكرونة الشهيرة "اللازانيا" خالية من لحم الخنزير، بصفة أن بعض ضيوف المائدة مسلمون، فاعتبرها اليمين الإيطالى المتطرف "إهانة مزدوجة"؛ إذ لم يكتفِ البابا بإظهار تعاطفه مع المهاجرين فحسب؛ بل تسبب فى سبيل ذلك بتخريب وصفة من المطبخ الإيطالى التقليدي، يتطلب صنعها مزيجًا من لحم البقر ولحم الخنزير!، مما يعنى أن المطبخ التقليدى مصدر للفخر القومى ورمز للهوية الوطنية لديهم، فى حين قد نعتبر نحن بعض أكلاتنا مثيرة للسخرية!.

اليوم لايوجد ما هو أسهل من طلب طعام من الخارج، وغالبًا ما يكون غربى النكهة، فهذه بيتزا إيطالية متعددة الأشكال والألوان، وتلك دواجن من مطاعم أمريكية أو ساندويشات برجر محشوة بالجبن، مما يعد بعيدًا تمامًا عن هويتنا الغذائية، وساعد على ذلك انتشار المطاعم بنكهات غربية فى كل شوارعنا، وحتى وجباتنا التى ورثناها منذ آلاف السنين، غالبًا ماتكون مطاعمها غير نظيفة أو يتم تسوية أهم طبق شعبى وهو الفول بإضافة مادة كيماوية لتسريع تسويته، يسمونها "كربوناتو" وهى مادة "إديتا القاتلة" التى توقف نشاط إنزيمات الكبد وترفع نسبة الكرياتين واليوريا في الدم، مما يسبب الفشل الكلوى!.
دراسات حديثة عديدة انتهت إلى نتائج صادمة بسبب تناول الوجبات السريعة ، أو كما يصفونها فى الغرب بـ"نفايات الطعام" "Junk Food" ، فدراسة فى جامعة ماك ماستر الكندية حملت الوجبات الجاهزة والسريعة مسئولية 35 % من النوبات القلبية فى العالم، ودراسة بالمعهد الوطنى الأمريكى للسرطان قالت إن النساء اللواتى يستهلكن نظامًا عاليًا فى الدهون، كما فى الوجبات السريعة ، يرتفع لديهن خطر الإصابة بسرطان الثدى، وكشفت دراسة بريطانية أن الناجتس يحوى 40 مكونًا ضارًا.

دراسة أمريكية تتبعت النساء من أصول إفريقية، واكتشفت ارتفاع إصابتهن بالسكر بنسبة 40 إلى 70% بسبب الوجبات السريعة ، وقال تقرير موقع رعاية الصحة الأمريكية إن مكونات سندوتشات البرجر تسهم فى تدمير الصحة، وحذرت دراسة من أن تناول الوجبات السريعة ، خاصة بين المراهقين، يزيد من خطر الاضطرابات النفسية، بما فى ذلك الاضطراب ثنائى القطب والاكتئاب.

وهناك فيلم أمريكى شهير Super size Me، صوره شاب ليبين أثر الوجبات السريعة على الصحة، وتحديدًا من أشهر مطاعم الوجبات الأمريكية، وقال إنه خلال 30 يومًا سيأكل وجباته الثلاثة من هذه المطاعم، ويراقب ماذا يحصل له مع مرور الوقت.

لكن الشاب لم يُكمل مدة الـ30 يومًا، واضطر بأمر الأطباء إلى وقف التجربة، بعدما اكتشفوا تغيرًا فى وظائف كبده من كثرة الدهون والترسبات الملحية، ووجدوا مادة تسبب الذبحة الصدرية مترسبة بشكل لايحدث إلا عند كبار السن وأن مستوى السكر بالدم مرتفع..!.

الفيلم أثار ضجة فى أمريكا، فاضطرت المطاعم الأمريكية إلى تكثيف الدعاية، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط حتى تغطى خسائرها بالغرب، لكنه لم يجد أى صدى لدينا، حيث نرى الطعام مجرد حشو بطن وأداة لتقصير الحياة، لكنهم فى الغرب يرونه بالنسبة لهم وسيلة لاستمرار الحياة، ولنا وسيلة لتأميم عقولنا وأفكارنا وقراراتنا.

مقالات اخري للكاتب

قصص مؤلمة وعبر من كورونا!

إن لم نقف جميعًا يدًا واحدة في الالتزام بتنفيذ الإجراءات المشددة لمنع انتشار كورونا، خاصة مع بدء تنفيذ حظر التجول الذي تمنيناه جميعًا، فقد نتأخر ـ لا قدر الله ـ في بلوغ بر الأمان الذي ننشده جميعًا..

كورونا يحكم العالم!

لاصوت يعلو على صوت الكورونا، ربما لعدة أسابيع قادمة، حتى تضع الحرب الإعلامية أوزارها، بعدما تكون قد أتت أكلها، ويكون اللقاح ـ الذى تحاول أمريكا جاهدة لاحتكاره

رعب لا مبرر له!

رعب لا مبرر له!

تكنولوجيا مخاطبة "الموتى"..؟!

لم يترك الروبوت مجالا إلا اقتحمه، ولم يتوقف الأمر اليوم عند هذا الحد، بل بلغ مرحلة الإبداع.. نعم الإبداع..

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

مادة إعلانية

[x]