"زيارة أخيرة لأم كلثوم".. بوابة الأهرام تنشر فصلا من الرواية الجديدة لـ"علي عطا"

6-1-2020 | 23:37

الشاعر علي عطا

 

فصل من رواية " زيارة أخيرة لأم كلثوم " للروائي والشاعر على عطا ، تصدر قريبا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2020.


الخواجة توريل

تلح عليك يا حسين ذكريات عزبة عقل وخصوصا عامَك الذي بدأتَ تغادر فيه طفولتَك.

عام 1981 الذي احتفلتَ في منتصفه للمرة الأولى بعيد ميلادك.

احتفلتَ بصخبٍ يليق بطفل اعتقد أنه أفلح أخيرا في الامساك ببذرةِ أملٍ في حياة أفضل في ظل تشجيع صادق من أمك وأبيك ومعهما الخالة أم كلثوم.

هل كان باهر- بعدما أصبح يساويك تقريبا في طول القامة بشهادة مِن حملة 100 مليون صحة- يحتفل ببلوغه الـ18 مع أصدقائه في 31 يناير 2018 على أنغام زاعقة لأغاني المهرجانات، وفي باله بذرة الأمل نفسها؟.

هل تصدق أنت الآن، أنك بلغتَ هدفَك القديم؟

يزفر عقل ضجرا، بينما كنتُ مستغرقا في محاولة غير جادة لإيجاد إجابة شافية لهذا السؤال.

أنا أيضا في حيرة يا طاهر إزاء تحول دعاء.

دعاء؛ من مواليد برج الأسد. هل لهذا دلالة ما؟ ولدت في 20 أغسطس في العام نفسه الذي ولدتُ أنا فيه، ولكن لا أدري لماذا رسخ في ذهني أنها تصغرني بعام واحد.

هي لا زالت تقول ذلك لأولادنا؛ حنان وحنين وباهر: "أبوكم أكبر مني بِسَنة".

أنا فعلا سبقتُها إلى الوجود بأقل من شهرين. تعثَرَت في اتمام تعليمها. لم تتجاوز المرحلة الابتدائية. لا أراها في الحلم إلا على صورتها التي سبقت زواجنا. شابان يعوق أمرٌ ما اتمام زواجهما. وأحيانا أرانا وقد تخطى كل منا الخمسين عاما من عمره، ولا نزال نسعى للاقتران، ولكن تحول دون ذلك عقبات شتى.

أنا نفسي الآن أختلف عما كنتُه. كلانا تغيّر، ولا أقول تبدّل. أنا ودعاء نتبادل القسوة، ولا يبدو أن ذلك يمكن أن ينتهي. نتبادلها حتى في الأحلام، أحلامي، فأنا لا أعرف بماذا تحلم هي، بما أن كلامنا النادر لا يتطرق إلى هذا الأمر.

بدأ 2018 وانتهى، وكلانا ينام وحده.

حدث ذلك بعد 28 عاما على زواجنا.

ثلاثة عقود لم ينم كل منا لحاله في سرير؛ إلا اضطرارا.

فهل كان على أبي الذي كان متحمسا لارتباطي بابنة شقيقته؛ أن يترك لي يا صديقي شيئا مكتوبا. إجابات على أسئلة لم يتسن لي طرحها عليه وهو حي. لكن كيف كان يمكن أن يحدث ذلك، حتى ولو كان يعرف الكتابة؟

لا أذكر أنه خصّني بكلام. ربما فعل ذلك في مرات قليلة قبل أن يموت وهو في الثالثة والسبعين من عمره، فيما كنتُ أنا في الثانية والثلاثين.

كيف كان يتحمل تنمُرَ بعض شباب ضائع كانوا هم غالبية زبائنه في السنوات الأخيرة من حياته عندما استسهل التجارة الصغيرة في "أبو صليبة" و"سبراكس" و"الألماني"، مع مقويات من نوعية "غذاء الملكة"؟.

أنا نفسي عملت لفترة وأنا في المرحلة الإعدادية في بيع حبوب الهلوسة في كشك الخواجة ميشيل، الذي يتصدر ناصية شارع جانبي يطل على شارع السكة الجديدة المشهور بمحاله التجارية الممتدة من ميدان محطة المنصورة إلى ميدان العباسي.

هذا الصنف من الحبوب كانوا يسمونه "الأبيض". اديني اتنين أبيض. اديني تلاتة أبيض.

شارع السكة الجديدة، اسمه الرسمي شارع الثورة، وفي منتصفه تقريبا تقع مطرانية المنصورة، وبجوارها يقع محل النظارات الذي عملت فيه صبي مشاوير وأنا بين السادسة والسابعة من عمري.

كنت وقت الغداء، وأنا أعمل مع الخواجة ميشيل؛ أذهب إلى ميت حدر. طبق عدس بالشعرية مع لوازمه، نظير شلِن "خمسة قروش". الشلن الآن بات يقال على الخمسة آلاف جنيه.

الأسطى إبراهيم السمكري قال لي، يا طاهر، عندما ذهبت إليه بالسيارة مدمَّرة من الخلف قبل انتهاء 2018 بشهرين: "الحكاية دي هتكلفك مش أقل من ريال". كان يقصد أنها ستكلفني ليس أقل من 20 ألف جنيه، تشمل شُغلَه هو شخصيا وشُغل السروجي والعفشجي والدوكو، وشراء نصف خلفي استيراد، من هنجر محمد سعد في منطقة المعصرة القربية من حلوان.

ذلك الدمار نجم عن حادثة وقعت عندما كان باهر يقود السيارة قرب زهراء المعادي. كان يستعيرها بين وقت وآخر ليذهب بها إلى مراكز الدروس الخصوصية التي اعتمد عليها تماما بعدما بات الذهاب إلى المدرسة غير محبذ، من الطلبة والمدرسين والإدارة على حد سواء. في أواخر 1981 التحقتُ بالصف الثالث الثانوي بمدرسة الملك الكامل في حي توريل في غرب المنصورة.

"توريل" هذا يا طاهر هو الخواجة الذي تبرع في الثلاثينيات بأكثر من 12 ألف متر مربع في المنطقة ذاتها التي تحمل اسمه إلى اليوم، لتقام عليها حديقة للحيوان، مشترطا ألا يُنتفع بتلك الأرض إلا لهذا الغرض.

كنتُ أمُرُ بها في طريقي إلى المدرسة، وفي طريقي من المدرسة إلى البيت.

"لو اضطريت أبيع هدومي عشان تكمل تعليمك هعمل كده".

هذا أهم ما تبقى في ذاكرتي من كلام أبي لي، بعدما خاب أمله الصامت في أخي الأكبر.

هذا ما كان يشعر به بالتأكيد تجاه باقي إخوتي.

ربما قال لماهر ولأمل الكلام نفسه، بما أنهما كانا يسيران في الدراسة على نحو مطمئنن، قبل أن يتعثرا في طريق كان يمكن أن يفضي بهما إلى الجامعة. أما زينب، فتعثرها جاء مبكرا، في مرحلة مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية بالحسينية، والتي التحقنا بها واحدا تلو الآخر، باستثناء حسان الذي مكث في مدرسة النصر الابتدائية قرب السكة القديمة لأربع سنوات فقط.

حاجة ساقعة، بيبس، سباتس.

كان يحمل جردلا، كالذي كانت تحمله "هنومة" في فيلم "باب الحديد"، لتبيع لركاب القطارات ما يروي العطش. لم أعاصر تلك المرحلة في حياة أبي، لكن أمي حكت عنها. كان يقفز من القطار بعد أمتار من مغادرته محطة المنصورة، متجها إلى دمياط شمالا أو إلى طنطا وبنها والقاهرة جنوبا. وأحيانا كان يتعثر بعد أن يقفز وهو يحمل الجردل الذي يحوي زجاجات فارغة وأخرى مملوءة، وسط ماء بارد، كان قبل قليل مكعبات من الثلج.

وبحسب حكايات أمي، عمل أبي أيضا قهوجيا. وكان في مرحلة ما يرش بيوت الريفيين بمبيد حشري، حاملا على ظهره قارورة معدنية يتدلى من أعلاها خرطوم. وحكت أمي كذلك أنه عمل لفترة - قبل أن يتزوجا- في مصانع المحلة الكبرى للنسيج، وعمل في صباه المبكر في ورش صناعة علب الكرتون في باب الشعرية بالقاهرة حيث وُلِد. أما خانة المهنة في بطاقته العائلية، فكُتب فيها: بائع متجول. كنت أجيب كلما سئلت في المدرسة عن عمل أبي: بائع متجول. أمي كانت تقول إن عمل أبي هو "سريح"، أو "أرزُقي".

لم يحدث أبدا أن رأيت أبي غير صائم في رمضان، مع أنه كان صاحب كيف، أو مكيفات كما كان ينطقها. كان يثور لأتفه الأسباب. لم يكن ذلك يحدث في رمضان. كان يستيقظ من النوم قرب العصر، ويتولى بنفسه كنس السطح ورشه وإعداد الخُشاف. كان يعد الكنافة بنفسه أيضا. نشتريها مصنوعة يدويا برش العجين السائل على صاج مستدير يعلو فرنا بلديا يقام خصيصا للمناسبة في شارع المحطة الفرنساوي، ثم يزال في نهاية الشهر.

كان أبي يترك الكنافة تتهوى بمجرد جلبها، ثم يخلطها بالسكر الخشن والفول السوداني المقشر، وجوز الهند المبشور والزبيب، ويضعها في الصينية. الصينية توضع على وابور الجاز، ويتابعها أبي إلى أن يتوقع نضج الكنافة من أسفل ليقلبها حتى يحمر الوجه الأعلى. وهناك في الأخير السكر المعقود. السكر يذاب في قدر معين من الماء ثم يوضع على النار حتى الغليان، ويترك ليبرد نسبيا ثم يرش على الكنافة.

كان يقول لي: روح لعمك شعبان وخد منه المجلات والجرايد اللي تعوزها وأنا هحاسبه.

يقصد بائعَ الصحف في ميدان المحطة الذي أصبح يسمى ميدان أم كلثوم بعد أن توسطه تمثال لكوكب الشرق باعتبارها من أعلام الدقهلية.


*من رواية " زيارة أخيرة لأم كلثوم ".. تصدر قريبا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.


الرواية

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]