رشدي أباظة وعمر الشريف .. وعقدة النقص

7-1-2020 | 17:57

 

لماذا اخترت رشدي أباظة و عمر الشريف ؟

أولًا لأن الفنانين هم الأكثر والأسرع وصولًا إلى الناس، ثانيًا لعلمي بقدر الاثنين في قلوب المشاهدين، وقبل هذا وذاك لأنهما - برغم إجادتهم التامة لعدة لغات - لم نر أيًا منهما يومًا في أي برنامج – لا هما ولا واحد من جيلهما - يقوم "بحشر" أي مصطلح إنجليزي أو فرنسي أو إيطالي أويوناني....إلخ في حديثه ب اللغة العربية .

الأكثر من ذلك والرائع واللافت للنظر أن رشدي أباظة كان ينطق كلمة تليفون كما ينطقها أهل الريف "تلفون"، وكل من شاهد أفلامه قد لاحظ ذلك.

وأكيد أن هناك من حدثه بتلك الملاحظة، ويقينًا كان يمكنه أن يضبطها وينطقها "تليفون" بمنتهى السهولة؛ لكن ما الداعي لذلك، هل نقص شيئًا عندما قال "تلفون"؟ بالعكس ها هو الزمان يمر، ونذكر له تمسكه بلغته ولهجته الشرقاوية الأصيلة، وأنه لم يكن "مُحدِث نعمة" أو مصابًا بعقدة "النقص"، ويريد أن يتباهى أمام الناس بلغاته الأجنبية المتعددة التي يتقنها، فما بالنا بمن لا يعلم عن تلك اللغات إلا "هاي هاو آر يو...ثانك يو...أوكااااي"!

رأيت عمر الشريف - في العديد من اللقاءات - يتحدث العربية بتلقائية وعفوية المواطن البسيط؛ لدرجة أن من لا يعرفه قد يشك في أنه يتحدث العديد من اللغات، ورأيته في لقاءات أخرى يتحدث الإنجليزية والفرنسية والإيطالية بطلاقة شديدة.

لكن اللمسة التي تشعرك بقدر هذا الإنسان ورقي أخلاقه وتواضعه، عندما سمعته يقول لإحدى المذيعات - في أحد اللقاءات - إن من عاداته ألا يقبل أن يعزمه أصدقاؤه على الغداء؛ حتى لا يكلفهم شيئًا؛ لأنه قد يحب أن يأكل "حتة لحمة" أو "حتة سمك"، هكذا قالها، وهو قادر على أن يذكر قوائم أسماء الطعام بلغات أجنبية متعددة.

إذن القول الفصل والمفيد في هذا الأمر أن لكل مقام مقالًا، إذا كان الحديث ب اللغة العربية احرص على أن تتحدثها بشكل جيد، وكذلك إذا تحدثت الإنجليزية أو غيرها، وإذا لم تكن تجيد لغات أجنبية فلن يفيدك أو يعلي من شأنك أن تطلق بعض الكلمات الأجنبية أثناء حديثك ب اللغة العربية للتدليل على ثقافتك الواسعة، وعلمك بتلك اللغات؛ لأنك ببساطة "هتتكشف" إن عاجلًا أم أجلًا.

وأتذكر إحدى الفنانات العربيات في أحد اللقاءات التليفزيونية، عندما أخبروها أن مواطنة عربية تعيش في فرنسا سوف تقوم بعمل مداخلة تليفونية، فبدأت المداخلة على الفور قائلة "بونسوار...سا فا"، وللحقيقة النطق كان "هايل"، وبالتالي أطلقت المواطنة على الجانب الآخر سؤالها كالسهم "بالفرنسية أيضًا"، وما إن انتهت حتى رأيت تلك الفنانة يتلعثم لسانها وتعض على شفتيها وتتحرك عيناها في كل اتجاه تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها، ولسان حالها يقول "أنا اللي جبت ده كله لنفسي"، لولا المذيعة أنقذتها وحولت الحديث إلى العربية بلباقة ومهارة.

لغتنا جميلة، طباعنا جميلة، تقاليدنا جميلة، وسوف يحترمنا العالم على قدر احترامنا لها.. الاطلاع على ثقافة الآخر والاستفادة منها ضرورة لا ينكرها إلا عقل متحجر؛ لكن التمسح بقشور تلك الثقافة، وتبني أسوأ ما فيها هو أمر يجب أن نقاومه بكل قوة، حتى لا نفقد طبيعتنا وخصوصيتنا، ويتحول كل منا إلى "مسخ" مطموس المعالم، قبيح مشوه، ليس له شكل ولا معنى، عديم الهوية.

مقالات اخري للكاتب

كورونا.. بين السما والأرض

بين الحرص والخوف والاعتزال والتأمل والانتظار وغيرها من الأحاسيس التى انفردت بنا، وأخذت تتقلبنا بين يديها منذ بدأت تلك الأزمة، وجدتني أتذكر فيلم "بين السما

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

ياريت اللى جرى ما كان

من الأمور التي شغلتني كثيرًا في مرحلة الشباب، وعند الإقبال على الزواج، ثم لاحقًا عندما أصبحت زوجًا وأبًا، مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، والأسلوب الذي

"كـيـمـيا" المتحدث الرسمي

أصبح مصطلح "كيميا" شائعًا في حياتنا، يستخدمه البعض أحيانًا للإشارة إلى سهولة الأمر وبساطته، فيقولون "مش كيميا يعني".

أقسام اللغات في جامعاتنا .. إعجاب وعتاب

من أجمل الأفكار المستحدثة في جامعاتنا المصرية إنشاء أقسام لتدريس التخصص – سواء القانون أو التجارة أو الاقتصاد أو السياسة...إلخ - بلغات أجنبية كالفرنسية والإنجليزية.

[x]