كيف واجه الصعيد تقلبات الطقس عبر التاريخ.. وسر أول غابة صناعية قبل 80 عاما| صور

5-1-2020 | 18:34

اشجار الغابة

 

قنا- محمود الدسوقي

في عام 1940 تم الانتهاء من إنشاء أول غابة صناعية في قنا بصعيد مصر، لمواجهة تقلبات الطقس، ومن الرمال وارتفاع درجات الحرارة صيفاً، والسيول التي كانت تكتسح قنا في فصو الخريف والربيع، فتجبر الأهالي علي الاحتماء بمعبد دندرة المعروف بمعبد الآلهة حتحور.


قبل هذا التاريخ وقبل شيوع التواصل الاجتماعي وتنبوءات الطقس ونشراتها اليومية، كانت الرمال تضرب قنا دون مصدات، حيث الصحاري الشاسعة التي تحوطها وتقذف بمئات الأطنان من الرمال للمدينة، وتحول مساكنها وسماءها إلى اللون الأصفر، فيتضرر البشر والزروع، فيما كان الأهالي مجبرين من الاحتماء بمعبد دندرة إذا تساقطت الأمطار أو تحولت لسيول كاسحة، لذا كان التفكير في صنع هذه الغابة التي نجحت بسبب الطبيعة في قنا ، وفشلت في القاهرة لأسباب جغرافية وطبيعية كما يؤكد المؤرخين.

" بوابة الأهرام " تنشر صفحات من تاريخ غابة قنا ، وجدول الأحصائيات للسنوات الأكثر برودة، والتي أوضحها كتاب الإنتاجية الزراعية في مصر في ربع القرن الـ19 الأخير، للباحثين ياسين عبدالفتاح الكايد وعامر أحمد بدوي، اعتماداً علي إحصائيات وزارة الزراعة المصرية، في خمسينيات القرن الماضي.

شتاء عام 1898م ضرب الطقس السيئ بلاد الشام، حيث تساقطت ثلوج كثيفة منعت سير المركبات، وأوقعت ضحايا في لبنان، كما اشتد البرد في مصر بشكل لم تشهده مسبقًا، كما أن أعوام 1880م و1882م شهدت مصر مناخاً سيئاً في الشتاء أدى لتساقط منازل في القاهرة. أما في ثلاثينيات القرن الماضي فقد ضربت الثلوج مصر وغطى الجليد أبوالهول.

ويؤكد الكتاب أنه من عام 1932 إلي سنة 1934م، حدثت تقلبات جوية في المحاصيل الشتوية، لم تكن ملائمة لنموها ففي القمح والفول، مثلا كان لبرودة الجو أثرا في اصفرار الأوراق وتيبسها، مما أعاق نمو النباتات، عدا الآفات التي ضربت المحاصيل، وخاصة القمح المصاب بالصدأ، والخميرة قضت علي المحصول بأكمله في بعض الجهات، أما الفول فقد أصيب بالهالوك.

المؤرخ والباحث ضياء العنقاوي قال في تصريحات لــ" بوابة الأهرام ": تم التفكير في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، بعد الأحوال الجوية السيئة التي شهدتها محافظات الصعيد، على المضي قدما في إنشاء الغابة، للحماية من تقلبات الطقس عند أطراف الناحية الشمالية الشرقية القريبة من الصحاري آنذاك، وهي حاليا تعرف بالغابة الشجرية بمنطقة المعنا، خاصة بعد أن ضربت عواصف ورياح محافظات الصعيد، وبعدها ضربت الملاريا محافظتي أسوان و قنا ، وأدت لموت آلاف المواطنين.

في الفترة بين عامي 1934م و1939م كان متوسط الفدان يميل إلي الارتفاع وذلك لملائمة الأحوال الجوية ، مع توفر مياه الري والأسمدة الكافية وقلة إصابة النباتات بالآفات والأمراض، عدا محصول العدس الذي أصيب عام 1938م بالدودة الخضراء، في مساحة تعادل 3 آلاف فدان في مديرية قنا ،حيث تواكبت الإصابة مع تقلبات جوية في المحافظة، كان لها الأثر في إعاقة نمو النباتات، لذا كان متوسط الفدان من محصول العدس عام 1938م يقل عنه في السنة السابقة بنسبة 12 في المائة.

يقول العنقاوي إن مصلحة الأملاك آنذاك أعطت لمحافظة قنا مقدار ألف فدان، بينما تبرعت وزارعة الزراعة بـ60 ألف شجرة كمصدات للرمال، كما أن مساجين قنا قاموا باستصلاح الغابة نظير أجر رمزي، وقت تولي أحمد بك حنفي منصب مدير قنا في أربعينيات القرن الماضي، ليشرف علي الانتهاء من الغابة في أسرع وقت .

أوضح ضياء العنقاوي أن الأشجار التي تمت زراعتها في الغابة كانت أشجار: الماهوجني والقزورين والسرسوع والسنط والأتل، وهي الأشجار التي كانت تستخدم في صناعة الأثاث، وقد خفضت هذه الأشجار من عملية الاستيراد، بالإضافة للنخيل وزراعات البقول والخضروات التي تشتهر بها محافظة قنا .

جلبت الغابة في البداية الكثير من الحيوانات البرية مثل الغزلان وغيرها ،فيما كان ري أراضي الغابة يعتمد علي ترعة الشنهورية التي تم حفرها في الصعيد عام 1908م، بالإضافة إلي ترعة السيل التي حفرتها ثورة 1952م بعد اكتساح السيول لمحافظة قنا وتدميرها في خمسينيات القرن الماضي، وأوضح العنقاوي أن في السيول الكاسحة التي ضربت قنا في فصل الخريف تم تدميرها وسكن الأهالي في معبد دندرة للحماية ،مما جعل الثورة تؤسس مدينة قنا الحالية وتحولت الغابة ت رويدا لمزار لطلاب المدارس ومتنزه لأهالي قنا ، حيث تضم المنازل الكثير من الصور بالأبيض والأسود مناظر الغابة ومنشآتها.

بعد إنشاء الغابة بمدة 4 سنوات تأثر محصول القطن بالدودة القارضة ومرض الصدأ والتفحم كما أن هناك مساحات لم تزرع في أسوان بسبب قلة الأيدي العاملة، بسبب وباء الملاريا الذي أصاب المديرية ،وكان لهبوب عاصفة رملية في شهر مارس علي كافة محافظات مصر أثره الكبير في رقود بعض الزراعات، وضمور الحبوب في الزراعات المتأخرة بسبب التقلبات الجوية، أما العدس فقد بدأ زراعته متأخرة بسبب التقلبات الجوية، بالإضافة لإصابته بالدودة الخضراء في مديرية قنا التي كانت مشهورة به.

وفي عام 1950م حدث انخفاض لمحصول الفول نتيجة سوء الأحوال الجوية وهطول الأمطار الغزيرة في فترات متفرقة من الموسم، مما كان له أكبر الأثر في حالة النباتات فسقطت الأزهار واصفرت الأوراق، وتيبست القرون المتكونة حديثا كما أصيبت النبات بآفة الهالوك.

ويوضح العنقاوي أنه في العصر الحالي ومنذ ثمانينات القرن الماضي صارت الغابة منتجة، حيث تم فتح منافذ جديدة من مشاريع غابة قنا الزراعية والتي تضم عدداً من المشاريع الاقتصادية، منها النخيل البارحي والمجدول علي مساحة 50 فدانًا، ومصنع أعلاف للمزرعة السمكية، بالإضافة للمنتجات الغذائية من ألبان وأبقار وبيض، وهي المشاريع التي مازلت تخدم أهالي قنا حتي الآن بسبب شهرة منتجاتها الزراعية.


معبد دندرة زمان


منازل مصرية قديمة وسط الامطار


احصائيات السنوات الاكثر برودة


الحفناوي بك مؤسس الغابة

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]