زمن أولاد "صوفيا"!

1-1-2020 | 15:55

 

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

وإلا فقل لي بربك.. هل كنت تتخيل رد فعل أحد مواليد خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي لو قلت له قبل 50 عامًا، مثلًا، إن الهاتف سيكون محمولًا في يد الجميع، بالتأكيد كان سيرى ذلك ضربًا من الجنون!!

فهذه الأجيال التي تستعمل الهواتف الذكية اليوم، كما الشباب، هم الذين ظهر الإنترنت في زمانهم، ولم يعد وسيلة للتواصل بين البشر فقط؛ بل بين البشر والآلات، ورأوا بأم أعينهم كيف أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أفرزت أشكالًا ووظائف لا حصر لها للروبوتات، حتى وصلنا اليوم إلى الروبوتات "المؤنسنة"، من كثرة محاكاتها لأفعال البشر..

في مقال الأسبوع الماضي، ذكرت متعجبًا أن "صوفيا"، ترغب في أن يكون لديها طفلة!!، فهاتفني صديقي أشرف أمين - رئيس القسم العلمي بالأهرام - في حوار طويل، مؤكدًا أن حلم "صوفيا" سيتحقق خلال 2020؛ حيث سيتم طرح روبوت "الطفلة صوفيا"، لكي تسهم في تعلم الأطفال العلوم والهندسة والرياضيات وعلوم البرمجيات بصورة ترفيهية!

وصوفيا ليست الأولى ضمن سلسلة " الروبوتات المؤنسنة " Humanioed robots، ولن تكون الأخيرة، وهذه الروبوتات هي ببساطة في غالبيتها محاكاة لنماذج بشرية موجودة بالفعل، وتم تغذيتها بكل صفات ومواصفات وأفكار الشخصية التي تحاكيها، فـ"صوفيا" نموذج للممثلة أودري هيبورن أجمل ممثلة في تاريخ هوليوود، وهناك تصميم نماذج لشخصيات أخرى من الروبوت المؤنسن مثل "آينشتين" الذي يحاكي شخصية العالم الفيزيائي الشهير صاحب نظرية "النسبية"، وتم تصنيعه في صورة نموذجين لفئات عمرية مختلفة لإجراء حوارات متعمقة مع البشر عن علوم الكون والفيزياء، و"ابن سينا" أول روبوت يتحدث العربية مستوحى من شخصية ابن سينا..

وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي يعتمد عليها الروبوت، لم تفرز لنا فقط " الروبوتات المؤنسنة "؛ بل كانت وسيلة لتبرئة الشاعر الفرنسي الشهير موليير المتوفى سنة 1673 من تهمة أن شاعرًا مغمورًا هو من كان يكتب له أعماله، وذلك باستخدام تقنية تحليل النصوص، والتي يستخدمها المؤرخون حاليًا لتحديد مؤلفي نصوص العصور الوسطى، أو وكالات الاستخبارات لمعرفة من الذي كتب تهديدًا مجهولًا، وبنفس التقنية أجرت "الجارديان" البريطانية حوارًا مع مارك زوكربيرج مخترع الفيسبوك، بعدما تعذر الوصول إليه، وهو توجه جديد؛ لن نستغرب لجوء الصحافة إليه في حال تعثر إجراء حوار مع شخصية ما، أو ربما تطرأ على ذهن أحد الصحفيين فكرة إجراء حوار مع شخصية شهيرة راحلة في أي مجال، وبنفس الطريقة!!

وعودة إلى روبوت "الطفلة صوفيا"، من المؤكد أن أجيال المستقبل القريب سيكون مُعلموها، خاصة في العلوم والرياضيات من "عائلة صوفيا وأخواتها" وشباب اليوم عليهم أن يستعدوا لأن مدرسي أبنائهم في دور الحضانة وما بعدها سيكونون "آليين"، فالمنظومة التعليمية برمتها ستتغير تمامًا، وهو أمر واقع لا محالة، ومن يراه بعيدًا، فـ" أولاد صوفيا " لن يدعوا له فرصة للتراجع، الأمر ليس خيالًا علميًا، بل سيضحى حقيقة قريبًا جدًا!!

وهناك شخصيات أخرى من الروبوت المؤنسن تم ابتكارها لدعم فئات محددة من المجتمع مثل "زينو" الذي سيتواصل مع أطفال التوحد، و"أسيمو" أكثر الروبوتات تقدمًا على وجه الأرض، الذي يمكنه المشي وركل الكرة والرقص على إيقاع الموسيقى، لكن "بيبر" حكاية لوحده، فهو عاطفي جدًا، وصُمم خصيصًا ليكون رفيقًا للإنسان، ويعمل وفق تقنية متطورة قادرة على رصد وتفسير المشاعر الإنسانية وفقًا لنغمة الصوت، وتبقى أغرب مهمة أوكلت إليه القيام بدور الكهنة في جنائز اليابانيين!!

لكن يظل حاجز تعلم اللغة من أهم الصعاب التي يمكن أن تعيق غزو الروبوتات الذكية لحياتنا، ليس في ترجمة اللغة وتحليلها فقط؛ بل في فهم الموضوع، فلا تزال الروبوتات الحديثة بعيدة كل البعد عن الفهم الكامل للغة والتخاطب بها، فـ"أسيمو" أذكى وأشهر روبوت ياباني تم صنعه عام 2000 لم يتعلم لغة الإشارة إلا في عام 2011.

ومن أهم المشكلات التي تهدد البشر في مواجهة الروبوتات المؤنسنة ، تأخر الانتباه إلى المعايير الأخلاقية لتطورها، عكس ما حدث من علماء البيولوجيا الذين انتبهوا مبكرًا لأي محاذير أخلاقية قد تتعارض معها بحوث الجينوم "الطاقم الوراثي البشري" وتطبيقاتها على البشر، فإن المخاطر الأخلاقية لتقنيات الروبوتات لم ينتبه إليها العلماء إلا بعدما قطعوا شوطًا طويلًا في تطويرها؛ حتى بلغت مرحلة " الروبوتات المؤنسنة "، والأكثر خطورة منها تلك التي تم تسخيرها للأغراض الحربية؛ خاصة أن بعضها سيكون لديه القدرة بشكل مستقل على اختيار أهدافه والتعامل معها مباشرة، وهذا معناه إذا اتخذت الروبوتات قرارات مستقلة عن البشر، فهي التي تحدد من ستقتل!! ومتى ستقتل!!

ولمواجهة هذا الخطر المحتمل، اقترح أحد علماء الكمبيوتر في جامعة كاليفورنيا تحويل القيم الإنسانية إلى كود برمجي!.. ومن يدري، ربما يساعدنا مثل هذا التحدي على الارتقاء بمستوى أخلاقنا وقيمنا الإنسانية نحن!

مقالات اخري للكاتب

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

شرطي المستقبل؟!

في ليلة من ذات الليالي في العام 2060، يستيقظ رامي فزعًا على وقع أحداث جريمة مروعة في منزله، اختطف فيها أربعة جناة طفلته الوحيدة، ونهبوا كل ما لديه من وثائق وعملاته الرقمية من البتكوين، والأدهى من ذلك أنهم عطلوا قبل كل شيء منظومة البيت الذكي الذي يسكنه..

الوباء الغامض!

‏"أرجوكم خذوا ابنتي" صرخة أم عالقة مع ابنتها المصابة بالسرطان يرفضون خروجها لتلقي علاجها.. ولحظة مؤثرة لأب صيني من خلف الزجاج العازل يغالب دموعه أمام طفله

نهاية عصر الخصوصية!

نهاية عصر الخصوصية!

وصفة الموت!

وصفة الموت!

مادة إعلانية

[x]