استعادة ليبيا

31-12-2019 | 17:59

 

هل يستطيع العرب استعادة ملف ليبيا مرة أخرى، بعد أن أضاعوه طواعيةً وبقرار من جامعة الدول العربية عام 2011، وأرسلوه إلى مجلس الأمن .. ثم أصدر مجلس الأمن بدوره قرارًا رقم 1970 في مارس 2011، بحظر إرسال السلاح إلى ليبيا، ثم أيام وصدر القرار رقم 1973 بفرض حظر جوي وتنظيم ضربات ضد ليبيا 1973..


القاهرة تحاول إنقاذ ليبيا واستعادتها من الفوضى، وعواصم أخرى تؤيد المسعى المصري، ودعت وزارة الخارجية المصرية إلى عقد دورة غير عادية لمجلس الجامعة، لبحث التطورات الحالية في ليبيا.

والاجتماع في توقيته مهم، وعلى مستوى الحدث، وإن وجب الصعود بمستواه إلى وزراء الخارجية؛ حيث المسألة - كما قالت القاهرة في خطاب الدعوة إلى الاجتماع - "إن التطورات الجارية واحتمالات التصعيد تنذر بتهديد استقرار ليبيا والمنطقة"، وهذا وصف دقيق لما يجري؛ لأننا فعلاً نسمع طبول الحرب.

وتمكنت القاهرة - في الاجتماع - من الحصول على رفض مجلس الجامعة التدخلات العسكرية الخارجية التي تسهم في تسهيل انتقال المقاتلين المتطرفين الأجانب إلى ليبيا، والتزام الجميع بوحدة وسيادة ليبيا وسلامة أراضيها ورفض التدخل الخارجي أيا كان نوعه، مع أهمية إشراك دول الجوار في الجهود الدولية الهادفة إلى مساعدة الليبيين على تسوية أزمتهم.

وللتذكير فإن جامعة الدول العربية وسط حالة السيولة والإهمال التي صاحبت الربيع العربي، ارتضت إزاحة "المهمة" الليبية إلى مجلس الأمن التي أحالها إلى حلف الناتو، وكان أن ضربت الفوضي ليبيا حتى استطاع الجيش الوطني الليبي لملمة نفسه ووحداته، ويكتفي من الشر بأقل قدر ممكن، ويسارع إلى هدف وحدة التراب الليبي.

ودور تركيا لم يبدأ ومن غير المتوقع أن ينتهي بإتفاقيتي التعاون المفتعلتين وغير الشرعيتين مع حكومة السراج، لكنه بدأ قبل ذلك بكثير..

فقد ضغطت أنقرة قبل سنوات، واستخدمت عواصم عربية امتدت إلى مفاصلها السياسية وإلى مؤسسات الحكم فيها أصابع الإخوان، في غفلة من الزمن، وتعاونت أنقرة مع وزير خارجية دولة قطر الخطير حمد بن جاسم بن جبر آل ثان، في نسج مؤامرة كبرى في دهاليز مبنى جامعة الدول العربية، وصولاً إلى قرار استخدام القوة في ليبيا، واستخدام القوة كان يحتاج إلى ترخيص، وبالتالي كان لابد من قرار عربي وقد حصلوا عليه.

وكانت تركيا "سعيدة جدًا" في تلك الأيام من الربيع الذي سطا عليه الإخوان، والذي أحيا أفكار الخلافة، تلك التي كانت بالمصادفة أو بالتآمر تعبث في مخيلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

فقد بنى أردوغان قصرًا تكلف بناؤه نحو 650 مليون دولار ويحتوي على 1150 غرفة، وارتدى عماله وموظفوه وخدمه ملابس عثمانية بالكامل، على نحو ما رأيناه في الصور يوم افتتاح القصر..

ونعرف أن جماعة الإخوان المسلمين تأسست في مصر بعد انحلال الخلافة العثمانية ، وكان هدف الجماعة الأسمى وما يزال إعادة الخلافة، وبعدها تحل الجماعة نفسها فورًا، ولم يسأل إخواني نفسه، ويقولون إن من بينهم الأطباء والمهندسون والمثقفون، ماذا جلبت لنا الخلافة العثمانية غير النكبات، وأفقرتنا وأضعفتنا وحرمتنا من العلوم وجرفت المهن، وعندما وصلتنا "الهدية" العثمانية ردتنا - والشرق كله - إلى الانحطاط والجهالة بعد الرقي والحضارة، هذا قديم وهكذا شاءت الأقدار.

ونعود إلى المسألة الليبية، كنت هناك قبل الأحداث بعام واحد في قمة سرت في ربيع عام 2010، لأرى الانسجام والتعاون بين الصديقين القائد معمر القذافي والرئيس أردوغان، وقد استثمرت تركيا لوجستيًا في القمة، ونزل زملاء لنا في مركب سياحي تركي أمام سرت.

ويبدو أن أردوغان نموذج رديء في بيع أصدقائه، فلم يكن ينادي الرئيس بشار الأسد إلا مسبوقًا بـ"صديقي بشار"، كما قرأت مرة عند الصحفي اللبناني الكبير جهاد الخازن، ولكنني شاهدت وهو موجود علي "يوتيوب" أردوغان يتسلم جائزة "القذافي لحقوق الإنسان" في أكتوبر 2010، ثم وهو يشكر "أخي العزيز" القذافي.

وجب على العرب إذًا اتخاذ موقف من اتفاقية أردوغان ـ السراج التي تتدثر بعباءة "اتفاقية تعاون" أمني، بهدف وصول الجنود الأتراك إلى شمال أفريقيا.. لقد أرسل أردوغان جنوده لقمع الأكراد، في العراق وسوريا وفي بلده.. وننتظر يوم الخميس حيث يجتمع البرلمان التركي ليمنح موافقته على إرسال عسكريين أتراك إلى طرابلس ليبيا.

وحيث يتجه أردوغان يحل الخراب، فقد دمر الشمال السوري، وتعاون مع داعش وهدد وما يزال أوروبا بإعصار من المهاجرين، وإذا ما وصلت قواته إلى ليبيا فسوف تبدأ الحرب الأهلية الحقيقية هناك، ولم يكن تصريح وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو عن هدف إرسال القوات بأنه محاولة لمنع سقوط ليبيا في الفوضى ومنع جهات خارجية تريد تحويل ليبيا إلى سوريا، سوى نكتة سخيفة؛ لأن السبب الرئيسي في دمار سوريا هو التدخل التركي ودعمها للميليشيات المسلحة من كل نوع واتجاه وتسهيل وصول الإرهابيين من كل مكان في العالم إلى الداخل السوري واحتضان المعارضة السورية التي تتمتع بكل الامتيازات الفندقية في اسطنبول وسائر المدن التركية.

ولا أظن أن قرار الجامعة سيردع أردوغان؛ لأن المهم هو التحرك ما بعد القرار، الحوار بين دول جوار ليبيا في هذه الآونة غاية في الأهمية، ومع دول الاتحاد الأفريقي التي تنتمي ليبيا إليها ولن تكون مرتاحة، هذه الدول، عندما ترى قوات عسكرية تركية في الشمال الأفريقي، والتواصل مع دول شمال البحر المتوسط، اليونان وإيطاليا وفرنسا لضبط الضغط من أجل تعطيل خطة إرسال قوات تركية إلى طرابلس، وهي مخالفة فاضحة لقرارات مجلس الأمن ، ولأن الحرب إذا ما بدأت ستطال الجميع.

مقالات اخري للكاتب

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

أيام مع نجيب محفوظ (21)

حصل الأستاذ نجيب محفوظ على جوائز محلية، سرعان ما تبخرت في الصرف على طلبات عائلية، أو في عملية نصب، مثل إعلان عن مشروع سكن فيلات في المعادي على النيل، ودفع لها ألفي جنيه كانت كل قيمة جائزة الدولة التقديرية سنة 1958.

أيام مع نجيب محفوظ (20)

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية "ملكة النور".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).

أيام مع نجيب محفوظ (19)

عشية عودتنا إلى القاهرة أعدت الجمعية المصرية باستوكهولم برنامجًا حافلاً مساء يوم الإثنين 12 ديسمبر تحت اسم "الأمسية الثقافية بمناسبة حصول الأديب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب لعام 1988"، وذلك في قاعة الحفلات الموسيقية في ستوكهولم.

أيام مع نجيب محفوظ (18)

سألني الأستاذ نجيب محفوظ بعد عودتي من استكهولم عن رأيي فيما جرى، وعما كتبت في مجلة "المصور" كتغطية للرحلة، وقلت له إن قراره بعدم السفر جعله "الحاضر الغائب"، وأن الاهتمام به من الصحف والإعلام كان هائلاً، وسألني عن الكلمة وتأثيرها وأداء الأستاذ محمد سلماوي فقلت له: إن الكلمة كانت شديدة التأثير..

أيام مع نجيب محفوظ (17)

أخرج الملك كارل جوستاف السادس عشر أم كلثوم وفاطمة نجيب محفوظ من حالة الرهبة في قاعة الكونسيرت في أستكهولم، بمداعبتهما عند تسليمهما وثائق جائزة نوبل في الأدب لعام 1988.

أيام مع نجيب محفوظ (16)

بخلاف بيان الأكاديمية السويدية في 13 أكتوبر 1988، والذي أعلن قرار فوز الأستاذ نجيب محفوظ بالجائزة وحيثياته، فإن مؤسسة نوبل أصدرت عشية تسليم الجائزة، ونحن هناك، بيانات أخرى عن كل الفائزين، زملاء محفوظ تلك السنة..

أيام مع نجيب محفوظ (14)

بعد أن أبدى الأستاذ نجيب محفوظ في كلمته إلى الأكاديمية السويدية التزامه بالتفاؤل حتى النهاية، رغم أنات البشر، أومأ إلى ضرورة التماس العذر للإنسان، الذي غالبًا ما يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره..

الأكثر قراءة

[x]