«المايسترو».. رواية جديدة لـ"سعد القرش"

29-12-2019 | 16:15

"المايسترو" رواية جديدة لـ"سعد القرش

 

عن دار العين للنشر في القاهرة صدرت رواية «المايسترو» للروائي المصري سعد القرش ، وفيها يبتعد كثيرا، هناك في الخليج، على قارب فقير صنعه شاب هندي بمهارة فطرية، خلال بضع ساعات من غروب الشمس إلى منتصف الليل.

 أربعة رجال من العرب والأجانب توحدهم الأشواق والهموم والشجون، فوق هذا القارب الذي يجرفه التيار ببطء نحو يخت كبير في مياه الخليج، ليس بين شركاء السهرة ما يدعو إلى الخوف، ويعلمون أنهم سيتفرقون في منتصف الليل، ولن يلتقوا مرة أخرى، فيفتحون قلوبهم ويتسامرون فيما يشبه الاعترافات، عن الخطايا والخوف والسفر والحب والحنين والطموح إلى العدل، ويتحاورون حول الأديان والعقائد والثقافات والتقاليد، وهم في حالة من السماحة والإيمان بسعة العالم للأمم كافة.

هؤلاء هم: العامل الهندي الشاب «أنيل»، والعامل التّبتي «تسو» الحالم بالعودة إلى بلاد يتزامن احتلالها مع سنة ميلاده، و«نوّاف» ابن البلد الذي ينتظر الإنصاف، والمحامي المصري «مصطفى» البوهيمي الشبيه في ملامحه النفسية من بطل «النبي» لجبران خليل جبران، وقد أتى لأداء مهمة محددة، يعود بعدها إلى زوجته لورا في الولايات المتحدة.

  تنفتح الرواية على آفاق إنسانية يمثلها أبطالها الأربعة الذين يجمعهم العشاء في القارب، قبل وداع مصطفى، عشاء أخير يضم الطعام والشراب وحكايات تمتد إلى الماضي، عن تجارب مبهجة ومريرة، يسردونها في دعة وغضب، إذ لا يتفقون إلا على عدم احتمال قبح العالم، ذلك القبح الذي يتجلى بالقرب منهم، وتكاد امرأة تدفع ثمنه حين يتم إلقاؤها في المياه، ولكنهم يتمكنون من إنقاذها. وقبل المغادرة تبدو بشائر زلزال كبير، بانتظار من يعلن نفيرًا يخرجهم إلى النهار.

  سعد القرش : روائي مصري له خمس روايات: «حديث الجنود» 1996، «باب السفينة» 2002، و«ثلاثية أوزير» التي تضم: «أول النهار» 2005، «ليل أوزير» 2008، «وشم وحيد» 2001. ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، وفازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد كتاب مصر عام 2009، وله أيضا كتب/ شهادات منها: «الثورة الآن.. يوميات من ميدان التحرير» 2012، «في مديح الأفلام» 2006، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة (2008 ـ 2009)، «قبل تشييع الجنازة.. في وداع مهنة الصحافة» 2020 وهو صادر حديثًا عن دار ابن رشد في القاهرة.
  ومن أجواء الرواية:

  تعجب مصطفى أن تتعلم «لورا» الخبيز سريعًا، في بضعة أيام، وإن لم تُحكم صنعه، وضحكت وهي تبلغه بأنها أتقنت أكله، وأحبته ساخنًا فور خروجه من الفرن، وألهب كفيْها، ولكن أمه أمسكت الرغيف بهدوء وثقة، ولم تؤذها سخونته، وقطعت لقمة ومضغتها، وقلدتها لورا، وكان الرغيف فقد بعضًا من حرارته، وأكلت الخبز الحاف للمرة الأولى، ووجدته لذيذًا، ولم يغب عنها ألا تسمع كلمة «الخبز» من أمّ مصطفى ونسوة يساعدنها، هن يقلن: «نخبز» و«خبيز»، ويضربن المثل «اعطِ العيش لخبازه»، وبعد مرحلة الخبيز يكون اسمه «العيش»، وقالت لمصطفى:

  ـ أنتم الشعب الوحيد الذي يسمي الخبز باسمه الحقيقي «العيش»، وتقبّلونه بما يشبه الاعتذار، لو رأيتم كسرة منه ملقاة في الطريق، وتحلفون به كما تحلفون بالله وبالنبي محمد.

  يسأله «تسو» التبتي:

  ـ أسمع ماذا يا سيد مصطفى؟

  فيقول إن لورا بعد مشاركتها في الخبيز قادت حملة، في مواقع اجتماعية افتراضية وواقعية أيضًا في محيطها الجامعي بالولايات المتحدة، للتوعية بخطر الوجبات السريعة، واكتشفت فيلمًا تسجيليًا جميلًا عنوانه «كيف تطبخ حياتك» بطله راهب بوذي أمريكي نقل الطبخ، من موقع الضجر إلى مرتبة الفن، فلا تملّ وأنت تنتظر نضج الطعام، وستعرف معنى أن تتنشق تفاصيل حياتك، ويأمل الرجل أن يطهو الناس حياتهم، ويفكروا في روح الطعام، ويدعوهم إلى تحضير الخبز، وأن يصنعوه في بيوتهم، ويبتكروا له أشكالا:

  ـ أول ما اشتريناه معًا فرن صغير في بيتنا في ميشيجان! صاحبك الراهب البوذي ملهم.

  ـ ملامسة روح الأشياء بالمعايشة هي تجربة أكثر عمقًا من الصور والأفلام. ولهذا تكون أمك أكثر إلهامًا يا سيدي.

  ـ الملامسة! يا الله. لعل صاحبك البوذي خجل من تفسير سريان السحر الغامض حين تقبض اليد قطعة عجين، وتحنو عليها، وتبتهج بها وتكورها، وتصنع صدرًا يشتهيه صاحب اليد.

  لم يفطن مصطفى إلى دلالة قطعة العجين في الكف، إلا من قول لورا إنها فرحت باللعبة، وصنعت من العجين عرائس وطيورًا وثلاثة أهرام ملتصقة أضحكت النساء، ولم تجرؤ على أن تقول لأمه كلمة تنال من هيبة تاسوع «المحشي»، بأرديته متفاوتة البذاخة والصلابة والنعومة: من ورق العنب والخسّ واللّفْت والسّلْق والكرنب والكَبَر، ومن الباذنجان والكوسة والفلفل، ثم أتقنت لورا تقوير الباذنجان والكوسة بعد محاولات جرحت حساسية القرع، وكادت تقول لأمه إن هذا المحشي الحرّيف، الذي تجهد نفسها في إعداد خلطته، يهان في الفنادق والمطاعم الكبرى بتقديمه مع المقبلات، وضحكت قالت لمصطفى إن لتقوير الخضراوات المصمتة فلسفة خاصة بتفريغها من محتواها المائع، وحشوها بما نشاء، بما كنا نودّ أن تكونه.

  أعجبه انسجام لورا مع الأسرة، ولم يعرف سببًا مقنعًا لاعتراض أمه على الزواج، إذا كانت قد أحبت لورا.

  هو أيضًا يحب لورا، ولا يطمئن إلى نجاح التجربة، وليس لعقله دور في تدبر مستقبلهما معًا، ولم يناقشها إلا في أمر محدد:

  ـ لكل منا تجربة، للأسف فاشلة، أنت فزت من تجربتك بابن، وأنا خرجت بدرس ألا أكرر التجربة.

  احتوته بنظرات صامتة متفائلة:

  ـ ثُم؟

  ـ أعرف من دراستي القديمة للرياضيات، وتعرفين من عامك الوحيد في كلية العلوم حاصل جمع صفرين، وحاصل ضربهما كذلك.

  ـ ثم ماذا؟

  ـ أخاف تكرار الفشل، وانكسار القلب مرة ثانية.

  ـ ثم ماذا يا عزيزي؟

  ـ خلاص، أنهيت كلامي.

  ـ تخاف فشل زواجك؟ موافقة علي أن أنصرف الآن، من حياتك ومن البيت إلى المطار، لا تنتظر أن أتسوّلك.

  تحجرت دموع في عينيها المنكسرة المتحدية في كبرياء. وأيقن أنها جادة، لا تهدد ولا تتوسل، وإذا كسر قلبها فلن يفلح في ترميمه، وسألته:

  ـ حسنا، ترفض الزواج؟

  ـ لم أذكر كلمة «الرفض».

  ـ تتردد، فماذا أكون الآن، وقبل الآن؟ أشعر بك وأعاملك زوجًا، فكيف تراني؟ قلها، انطق أي صفة وأنا أستحقها، ربما افتكرت أنني بلا ثمن؛ لأني أجنبية.

  ـ أناقش ولا أتهم.

  ـ باختصار، ما دمت تستطيع الحياة من دوني فاعلم أنني عبء عليك، وأعفيك من أي شيء، وأستطيع جمع أغراضي في دقائق وأذهب، لن أكلفك حتى أن تودعني، أعرف طريق المطار.

  ـ أعرف أنك تعرفين الطريق.

[x]