رييوا - "فوجينوميا": المحبة لا تسقط أبدا

29-12-2019 | 17:57

 

اليوم، أستكمل ما كتبته في مقالي السابق، بخصوص توقعات المراقبين بأن تشهد العلاقات الثنائية المصرية - اليابانية قمة التناغم والانسجام، في عصر الـ "رييوا" الذي بدأ رسميا في أول مايو عام 2019، وأروي وقائع محددة رأيتها – بنفسي - في مدينة "فوجينوميا"، خلال زيارتي لليابان، في أوائل شهر نوفمبر الماضي.

في هذه المدينة، التي تقع عند سفح جبل "فوجي"، أشهر معالم اليابان، وتبعد عن طوكيو بمسافة 100 كيلو متر، جنوبًا، بدأت مصر تعرف طريقها الصحيح، ببناء علاقة ناضجة، أساسها الندية والاحترافية مع اليابان، ترتكز على فهم عميق لمعنى تعظيم الاحتياجات المتبادلة للطرفين، والسير قدمًا، وبخطوات واثقة نحو المستقبل لتلبية هذه الاحتياجات.

مصر تمتلك الكثير والكثير م ما تحتاجه اليابان ، وبالذات، في مجال الإنتاج الزراعي، والتصنيع، مما يعد ركيزة أساسية لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية اليابانية اليومية، بشرط توفيرها نصف مصنعة، وبجودة وتقنية عالية.

اليابان تمتلك – أيضًا - الكثير والكثير مما تحتاجه مصر، ليس - فقط - في مجال نقل المعرفة والاستفادة من تقدمها العلمي وما بلغته من تكنولوجيا حديثة، وحققته من فوائض مالية متاحة للاستثمار الخارجي المباشر، بل - أيضًا - في مجال التعليم والتدريب، فضلا عن المساعدة في إرساء ثقافة إنتاجية مصرية عصرية، ترتكز على أن تكون الزراعة من أجل التصنيع، مثلا، لتحقيق قيمة مضافة، بدلا من الثقافة الزراعية المصرية المعتادة، القائمة على بيع المنتجات الخام والطازجة، وما يتبقى يخصص للتصدير.

هنا يحق السؤال: ما هي علاقة هذه المقدمة بما شاهدته على الطبيعة في مدينة "فوجينوميا"؟ وما صلته بتوقعات التناغم والانسجام بين مصر واليابان في عصر الـ رييوا، الذي ينتظر أن يمتد إلى نحو 30 عامًا؟

على الفور، أجيب: بأنني شاهدت- بعيني، في هذه المدينة، التابعة لمحافظة شيزؤوكا اليابانية - ما يشبه المعجزة؛ حيث علم مصر، يرفرف ـ خفاقًا - فوق مصنع ياباني، يحمل اسم الدلتا، ومملوكًا لشركة يابانية، تسمى النيل، يعمل فيهما نحو 60 موظفًا وعاملا يابانيًا، ويملكهما ويديرهما مواطن مصري، اسمه عماد شاكر سعيد، خريج الهندسة المعمارية بجامعة عين شمس، في عام 1986، ويعيش هذا الرجل في بلاد الشمس المشرقة، منذ نحو 30 عامًا، ولم يتنازل عن جنسيته المصرية حتى اليوم.

هذه الشركة وهذا المصنع، اليابانيان، تتركز مهمتهما- الأساسية- في استيراد وتصنيع 100% من أرقى وأنقى وأأمن مواد خام مصرية للسوق اليابانية، تضم خضراوات وفاكهة، نصف مصنعة، بقيمة 20 مليون دولار سنويًا.

يقوم مصنع الدلتا باليابان بتحويل الأصناف الزراعية المصرية، فائقة الجودة والفريدة مثل: البصل والثوم والبطاطس والمانجو والخوخ والعنب والفراولة، إلى مدخلات صناعية متطورة، وإلى منتجات غذائية سابقة التجهيز، تصبح متطابقة – تمامًا - مع المواصفات الغذائية اليابانية القياسية، والمعقدة، وتصل حاليًا إلى أن هناك 6 من كل 10 يابانيين يتناولون بعضًا من هذه المنتجات في غذائهم اليومي.

يحسب لمصنع الدلتا الياباني السبق والريادة في اختراق منتجات زراعية مصرية للسوق اليابانية، القائمة – أساسًا - على استيراد منتجات غذائية، لازمة لتلبية احتياجات السكان، الذين يبلغ تعدادهم نحو 127 مليون نسمة، وهى سوق في غاية التعقيد، تتنافس على دخولها – بشدة - كل دول العالم، وفي مقدمتها، مصر.

أيضًا، فإن دخول مواد زراعية مصنعة، بالذات، لليابان يعامل، رسميًا، بمنتهى الجدية والصرامة، حرصًا على السلامة الصحية لليابانيين، ويتطلب توافر جودة فائقة من حيث سلامة "الميكربيولجيا" والمواصفات القياسية، اليابانية الخاصة، وشكل المنتج النهائي، وطباعة الغلاف الخارجي الذي يحتويها، "فمن لا يستطيع صنع "كرتونة" جميلة للمستهلك الياباني غير مؤهل – بكل تأكيد - لصناعة منتج عالي الجودة ومقبول بداخلها".

في الوقت نفسه، قليلون من المتنافسين الخارجين على السوق اليابانية، هم الذين يعلمون أن اليابان تعتبر من أفضل وأكثر دول العالم التي تستورد منتجات غذائية نصف مصنعة، وسابقة التجهيز، وبحلول تصنيعية في غاية البساطة والإبهار، وقابلة للتناول من جانب المستهلك النهائي بمجهود يعتمد - فقط - على التسخين.

معجزة اختراق المنتجات الغذائية المصرية للسوق اليابانية، انطلاقا من مصنع الدلتا، الياباني، في "فوجينوميا"، وقد استغرقت 26 عامًا من الدراسة والدقة والصبر، جرى نقلها - حرفيا ولأول مرة - بتأسيس شركة اليابان لحلول الغذاء، بمدينة 6 أكتوبر، وباستثمارات يابانية – مباشرة - تبلغ حوالي 22 مليون يورو.

يعمل في هذا المصنع حوالي 200 موظف وعامل مصري، وعدد من الخبراء اليابانيين لضمان الجودة، ويتم تصدير إنتاجه من الخضراوات والفاكهة المصرية، نصف المصنعة، بالكامل، لليابان، إضافة إلى فيتنام والصين وإسبانيا وألمانيا ونيوزيلاندا وإيطاليا، ولا يعتمد المصنع على أي خامات مستوردة من الخارج، وتتوافر فيه أحدث التكنولوجيات، ومخطط أن يصل إنتاجه إلى 15 طن-ساعة في عام 2020، وفتح أسواق أخرى أمامه لجنوب إفريقيا وفرنسا وأمريكا وكندا.

والآن، تخوض شركة النيل اليابانية تجربة الزراعة بنفسها باستئجار أراض زراعية تبلغ مساحتها حوالي 600 فدان بمديرية التحرير في محافظة البحيرة، وزراعتها بمحصول الفراولة، توفر فرص عمل لأكثر من ألف عامل مصري، وتسعى لكي يصبح مصنعها - في مدينة السادس من أكتوبر - نموذجًا ونواة لجذب المزيد من الاستثمارات اليابانية إلى مصر.

المفاجأة الأعظم، التي كانت في انتظاري بـ مصنع الدلتا الياباني في فوجينوميا، أن هذا المكان الفريد حظي بمباركة قداسة البابا تواضروس الثاني، في أثناء زيارة، غير مسبوقة، قام بها رأس الكنيسة القبطية المصرية لليابان، في عام 2017، وكتب قداسته، بخط يده، في دفتر تشريفات المصنع "المحبة لا تسقط أبدًا.. سعدت بزيارتكم، ورفع اسم مصر عاليًا، في هذه البلاد المشرقة، اليابان، من خلال عملكم ومصانعكم..

شكرًا لمحبتكم.. ولكل العاملين معكم.. راجيًا لكم النجاح والتوفيق.. تواضروس".

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

تشجعي يا صين.. اصمدي يا ووهان

.. والصين تكافح بكل قوة وشراسة فيروس "كوفيد – 19"، المعروف باسم كرونا اللعين، تلقيت اتصالات هاتفية من منظمات وجمعيات أهلية مصرية، ورسائل إلكترونية من أفراد عاديين، معبرة عن التضامن مع الصين، استجابة لما دعوت إليه، منذ أسبوعين، بوجوب تقديم مبادرات تضامنية شعبية تجاه الصين.

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

"هو تشي منه" و"خوسيه مارتي"

كلاهما أحب مصر.. فبادلهما شعبنا حبًا بحب، وبمرور الأيام، وانجلاء الحقائق، أصبح حضورهما ملء السمع والبصر، مشفوعًا بالتوقير، في قاهرة المعز.

سنة قمرية سعيدة لأصدقائنا الآسيويين

من بين بطاقات كثيرة، لبيت دعوة السفير الفيتنامي بالقاهرة، تران ثانه كونج، للاحتفال معه بحلول رأس السنة القمرية، الذي أقيم في منزله بالزمالك، مساء يوم الجمعة الماضي، وسط ما يمكن وصفه بـحشد من أسرة الجالية الفيتنامية بمصر.

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

مادة إعلانية

[x]