في ذكرى ميلاده الـ89.. "صلاح جاهين" حارس الهوية المصرية وقنطرة الثقافة الرفيعة إلى عقول البسطاء| صور

25-12-2019 | 09:20

صلاح جاهين

 

مصطفى طاهر

دخل الشتا وقفل البيبان ع البـــيوت

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت
وحاجات كتير بتموت في ليل الشــتا
لكن حاجات أكتر بترفض تمــــــوت
عجبي..!

حكاية خالدة في تاريخ الثقافة المصرية، فتحت أول صفحاتها، قبل 89 عاما، في يوم 25 ديسمبر 1930م، وأثرت الحياة الفنية في مصر بعشرات الأعمال الإبداعية في الشعر والكاريكاتير والفنون التشكيلية والتلفزيون والسينما وكافة فروع الفن، ملحمة " صلاح جاهين " المشروع الكبير الذي تحول لقنطرة نقلت الثقافة الرفيعة لملايين الناس من البسطاء، بخفة وبساطة عبرت عن عبقرية الفنان الكبير، الذي تحتفل "بوابة الأهرام" بذكرى ميلاده اليوم.

ولد جاهين، في شارع جميل باشا بمنطقة شبرا في وسط القاهرة، ونشأ الفتى الموهوب في ظل عائلة أرستقراطية، كان والده المستشار بهجت حلمي يعمل في السلك القضائي، بدأ حياته العملية كوكيل للنائب العام، حتى وصل به المطاف في القضاء رئيسا لمحكمة استئناف المنصورة.

أحد أعمال صلاح جاهين

  

55 عاما فقط، هي التي عاشها في دنيانا "محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي"، الذي عرفناه جميعا باسم صلاح جاهين ، ومنذ الميلاد في 25 ديسمبر 1930م، وحتى ساعة الرحيل في 21 أبريل 1986م، نسج ابن شبرا ملحمة نادرة الوجود في تاريخ الثقافة المصرية والعربية، كالموج الهادر اتسعت رقعة إبداعات صلاح جاهين ، في جميع المجالات، نتوقف عند أهم المحطات في سيرة صاحب الرباعيات الذي رحل جسده ولا تغيب سطوره وكلماته ولمسته على قلوب القارئ المصري والعربي.

قدم جاهين طوال مشواره الحافل مع الشعر ما يزيد على 160 قصيدة، من أشهرها "على اسم مصر"، و"تراب دخان" التي ألفها في يونيو 1967م، كما قدم أوبريت الليلة الكبيرة، الذي يعتبر أشهر أوبريت للعرائس في مصر والوطن العربي.

صلاح جاهين وسعاد حسنى

 

بدأ صاحب الرباعيات مشواره مع الدراسة في كلية الفنون الجميلة، ولكنه لم يواصل مشواره الأكاديمي بها، بعد أن طلب منه والده الانتقال إلى كلية الحقوق لمواصلة مسيرة الأب.

كتب جاهين أول قصائدة في رثاء الشهداء خلال مظاهرات الطلبة في المنصورة، كما تأثر بعمل والده كقاض يجوب المحافظات المختلفة، فنجح أن يستنبط منه نمط الحياة واللهجات المختلفة بطول بر مصر.

تجربة " صلاح جاهين " مع الكاريكاتير بالغة التفرد، فكانت رحلة جاهين في العمل رساما للكاريكاتير بجريدة الأهرام، بابا ملكيا لهذا الفن لأن يصبح فنا شعبيا ينتظره القارئ العام على المقهى، بعد أن غلفه صاحب الرباعيات بخفة الدم المصرية والقدرة على النقد البناء، الذي يدفع بالمجتمع إلى المزيد من التطور.
 

يحكي الفنان التشكيلي صلاح بيصار لـ"بوابة الأهرام" عن بدايات جاهين في بلاط صاحبة الجلالة، ويقول: فى عام 1955 فتحت مجلة روزاليوسف أبوابها أمام الرسامين الشبان فى محاولة لملء الفراغ الذى تركه عملاق الكاريكاتير السياسى عبد السميع الذى انتقل الى اخبار اليوم، وفى الحقيقة دخل صلاح الصحافة ليعمل سكرتيرا للتحرير فى مجلة روزاليوسف، وكتم شلال الرسم المتدفق فى داخله، وكان فى أوقات الفراغ أو التعب يجلس إلى مكتبه ويمارس هواية الرسم المحببة إلى قلبه، وذات يوم دخل الأستاذ أحمد بهاء الدين إلى مكتب جاهين بالصدفة ولم يكن موجودا، وعلى المكتب لاحظ رسوما مختلفة فى نبضها ولغتها، فكانت فرحته فرحتين، اكتشاف موهبة صلاح جاهين التى كانت كامنة، وفى نفس الوقت الفوز برسام له خصوصية شديدة، فقام بإفساح صفحة كاملة إسبوعيا لرسوم صلاح جاهين ، وهنا بدأ هدير الإبداع يتدفق ويعلن عن نفسه.

يضيف بيصار: بعد سنة من القصائد والرسوم المتفرقة التى أبدعها جاهين فى مجلة روزاليوسف، فوجئ القراء منذ العدد الاول لمجلة صباح الخير الذى صدر فى 13 يناير 1956 بكاريكاتير مختلف صارم مدهش ومبهج، وكما قال الراحل الكبير محيي اللباد، تعرف القراء في رسوم جاهين على أنفسهم وأقربائهم وزملائهم وجيرانهم ومعارفهم وشاهدوا لأول مرة الأماكن التى يألفونها: البيوت القاهرية البسيطة والريفية الصغيرة بتفاصيلها الحميمة، ومكاتب موظفى مجمع التحرير والمقاهى والأسواق والدكاكين وعيادات الأطباء ومكاتب المحامين مع إعلانات التلفزيون، وصور الأمومة والتعليم وعيد الطفولة وطفل الحضانة الباكى، ليس هذا فقط بل محو الأمية وتعليم الكبار والعمل فى الحقل.

أحد أعمال صلاح جاهين

 

اشتهرت شخصيات جاهين الكاريكاتورية مثل قيس وليلى، قهوة النشاط، الفهامة، درش وغيرها من الشخصيات، جنبا إلى جنب مع دواوينه التي حققت أرقام مبيعات قياسية مثل (موال عشان القنال) 1957، (الرباعيات) 1963، (قصاقيص ورق) 1965م، بالإضافة إلى أعمال مسرحية خالدة: أوبريت العرائس (الليلة الكبيرة)، وأوبريت (القاهرة في ألف عام).

يعتبر كتاب "الرباعيات" هو أشهر مؤلفات صلاح جاهين ، وهو الكتاب الذي لم يستطع كتاب للشعر أن يقترب من معدلات مبيعاته القياسية طوال القرن العشرين، يتحدث الأديب الكبير "يحيى حقي" عن "رباعيات جاهين" قائلا: الرباعيات هي أحب قوالب الشعر عندي، لأنها تعين على نفى الفضول، وعلى التحرر من أسر القافية، فتجئ كل رباعية بمثابة الومضة المتألقة، أو بمثابة الحجر الكريم، قيمته في اختصاره إلى قلبه وصقله، لا في كبر حجمه، ونجح الكتاب في أن يقدم للشعر خدمة جليلة، بفلسفته الراقية ولغته القريبة من القلب، فمن خلال هذا الكتاب أصبح هناك قنطرة حقيقة تجذب القارئ العام، للتعرف على مستويات أخرى من الثقافة والمعرفة والفكر وبمنتهى الخفة، لذلك لم يكن غريبا أن تتجاوز مبيعات إحدى طبعات الهيئة المصرية العامة للكتاب من الرباعيات أكثر من 125 ألف نسخة خلال بضعة أيام، وهو رقم لم تعرفه مبيعات الكتب في مصر، كما أن الرباعيات نجحت في شكلها الغنائي بعد أن لحنها الفنان الكبير الراحل "سيد مكاوي" رفيق جاهين، كما كان لإجادة الفنان علي الحجار في أداء الرباعيات عامل السحر في سرعة تداولها على ألسنة البسطاء.

أحد أعمال صلاح جاهين

 

يصف "يحيى حقي" جاهين، بأنه هو "الرباعيات" والرباعيات هي جاهين، فعندما تبحر في رباعيات جاهين، لا تدرى هل هو يضحك أم يبكي، هل هو مطمئن أم خايف، هل هو مستسلم للحياة، أو راض لها، هل هو يؤمن بالبشر أم يكفر بهم، هل يعطف على ضعف الإنسان أم يضيق به، وقد لا نعرف إجابة هذه الأسئلة، ولكننا سنعرف بكل تأكيد شيئا واحدا لا يمكن إنكاره، وهو أنك لقيت عنده السعادة التي كنت تتمناها ولا تجدها، أن تقابل فنانا أصيلا لا حد لإنسانيته ورقته وصدق نظرته وعمقها.

لم تقتصر إبداعات صلاح جاهين على الرسم والكتابة والعمل الصحفي، بل قدم إبداعات حققت نجاحات كبيرة على شاشة السينما، فأنتج العديد من الأفلام الخالدة في تاريخ السينما المصرية، مثل "أميرة حبي أنا"، و"عودة الابن الضال"، كما كتب سيناريو فيلم "خلي بالك من زوزو" والذي يعتبر أحد أكثر الأفلام رواجاً في السبعينيات، بعد أن تجاوزت مدة عرضه حاجز الـ 54 اسبوعا، وهي مدة عرض غير مسبوقة خلال تلك الحقبة، كما كتب أفلام "أميرة حبي أنا"، "شفيقة ومتولي"، و"المتوحشةط، بالإضافة لظهوره ممثلا أمام الكاميرا في أفلام "شهيد الحب الإلهي" عام 1962م، و "لا وقت للحب" عام 1963م، و"المماليك" 1965م، و"اللص والكلاب" 1962م.

رباعيات صلاح جاهين

 

تزوج صلاح جاهين مرتين، المرة الأولى كانت من السيدة "سوسن محمد زكي" الرسامة بمؤسسة دار الهلال، وكان ذلك عام 1955م، وهو يبلغ من العمر 25 عاما، وأنجب منها ابنته الكبرى "أمينة جاهين"، وابنه الشاعر الكبير "بهاء جاهين"، وكانت الزيجة الثانية من الفنانة "منى جان قطان" عام 1967م، وأنجب منها ابنته "سامية جاهين" عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.

ويدافع يحيى حقي، عن الانتقادات التي وجهت ل صلاح جاهين بخصوص رباعياته، ويقول: قد يتوهم المتعجل أن أضعف بيت في الرباعية هو بيتها الثالث غير المقفى، ولكنه في نظري عمادها، ففي البيتين الأول والثاني عرض لأوليات الموقف وفي البيت الثالث ارتفاع مفاجئ إلى قمة، قد تبدوا للنظرة الأولى أنها جانبية ليتبعه فورا من شاهق كأنه طعنة خنجر يختتم بها البيت الرابع فصول المأساة، البيت الرابع هو دقة المطرقة على السندان بعد أن كانت مرتفعة في الهواء، لذلك أكره للبيت الرابع أن يجئ على صيغة الاستفهام لأن حبله ممدود.

أحد أعمال صلاح جاهين

 

وتبنى صلاح جاهين على المستوى الفني الكثير من المواهب، مثل الفنان الكبير أحمد زكي، والمطرب علي الحجار، والنجم شريف منير، كما كانت علاقته التاريخية بالسندريلا سعاد حسني، حالة فنية خاصة كانت قمة توهجها في مسلسل "هو وهي".

الإبحار المتجدد مع العم صلاح جاهين ، قادر دائما على تغيير المفاهيم، "جاهين" الذي أصبح قطعة عزيزة من روح الوطن، والقنطرة التي حفظت الهوية المصرية ونقلتها لقطاعات عريضة من بسطاء الناس، فحفظنا رباعياته ورددنا أغانيه عبر السنوات، في زيارتنا للرجل الذي عاملنا بصدق فحصد محبة صافية من القلوب الوفية تزامنا مع ذكرى ميلاده، نتأمل فنونه المتعددة التي أثرت حياة المصريين، تارة بالشعر، وأحيانًا بالرسوم الجميلة أو بالغنوة الحلوة، عاش جاهين مواطنا من ملح الأرض يشعر بالناس فحمله المصريون في قلوبهم و خلدوا ذكراه وكأن صاحبها لا يغيب ابدأ.


أحد أعمال صلاح جاهين

 

أحد أعمال صلاح جاهين


صلاح جاهين مع أسرته


 

أحد أعمال صلاح جاهين


أحد أعمال صلاح جاهين

                                             

مادة إعلانية

[x]