مرصد الأزهر يكشف في تقرير تفصيلي مخاطر الإرهاب السيبراني وضرورة تعزيز الأمن الإلكتروني

24-12-2019 | 12:04

مرصد الأزهر

 

شيماء عبد الهادي

أصدر مركز الأزهر ل مكافحة التطرف ، تقريرًا تفصيليًا كشف خلاله مخاطر الإرهاب السيبراني، وضرورة تعزيز الأمن الإلكتروني.

تكمن خطورة استخدام الإعلام الإلكتروني كأداة لنشر الفكر المتطرف في اعتماده على الموارد المعلوماتية والوسائل الإلكترونية في آن واحد؛ للتأثير على عقول المتلقِّين، حيث تعد الأنظمة الإلكترونية و البنية التحتية المعلوماتية إحدى الوسائل المهمة للإرهابيين.

فعندما استولى تنظيم "داعش" على الموصل في شهر يونيو 2014، لم يكتف بإحراز التقدم على الأرض فقط، بل دشَّن حملة إعلامية على "تويتر" من خلال إطلاق هاشتاج #AllEyesonISIS   والذي يعني "كل العيون على داعش"، وخلال ساعات انتشرت الصور التي تنقل وحشية التنظيم في العالم كله لتبث الرعب في القلوب.

ونتيجة لذلك، تفككت قوات الجيش العراقي في الموصل التي كانت تفوق مقاتلي "داعش" بخمسة أضعاف وهربت، ومن ثمَّ سيطر ما لا يزيد على 2000 مقاتل داعشي على مدينة الموصل التي يقدر عدد سكانها بمليون ونصف المليون مواطن، ويعد ذلك وسيلة غير مباشرة في عملية استقطاب "داعش" للشباب وطريقة من طرق الترويج للفكر الكاذب المضلل ونشر الشائعات لكسب الأرض وجذب المزيد من الشباب.

ويختلف بل ويتميز -للأسف الشديد- "الإرهاب الإلكتروني" عن باقي صور الإرهاب الأخرى في سرعته وتخفيه وعبوره للدول والقارات، فلم يعُدْ من المعقول تنفيذ أيّ جماعة متطرفة أو إرهابية أعمالها الإجرامية دون استغلال لتلك الشبكة العنكبوتية، كما أنّ الهجمات السيبرانية (الإرهاب الإلكتروني) التي تتعرض لها العديد من المواقع الحكومية والخاصة، تدعو إلى تعزيز جهود الأمن الإلكتروني في كافة مجالات التكنولوجيا بالعالم أجمع، لا سيما بعد ظهور ونشاط الجماعات الإرهابية، وتهديدها بشن الهجمات السيبرانية.

وقد عانت وما زالت دول العالم من الاستخدام الممنهج للتنظيمات الإرهابية للشبكة العنكبوتية؛ حيث تمكن أصحاب الفكر المتطرف - من خلالها - من التأثير على مجموعات كبيرة من الشباب في جميع أنحاء العالم عبر وسائل مختلفة، كل على حسب سياقه الجغرافي والاجتماعي وباختلاف وتباين الحالة النفسية والفكرية للشريحة الأكبر من الشباب.

وتبين السطور التالية مدى تأثير الشبكة العنكبوتية على الشباب، وكيف تمكنت من استقطابهم وتجنيدهم في الدول من خلال نماذج لبعض السياقات، منها:

السياق الإسباني

رغم عدم تواجد منصات إعلامية ناطقة بالإسبانية تابعة للتنظيمات الإرهابية سوى تلك المنصات التي تُطلِق من حين لآخر مجموعة من الرسائل (المكتوبة أو المصورة) باللغة العربية أو الإنجليزية والمصحوبة بترجمة إلى اللغة الإسبانية، أو تهديدات صريحة باللغة الإسبانية على لسان أحد مقاتليها الإسبان، لكن تمكن تنظيم "داعش" من استقطاب العديد من الشباب في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، وما زالت عمليات التجنيد مستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من خلال حسابات شخصية، أو من خلال تطبيق الـ"واتس آب" وتطبيق "التيليجرام"، وكان يتم الاستقطاب أيضًا عبر مجموعة من الخلايا التي سُرعان ما كان يتم تفكيكها، والتي تمكنت بالفعل من تقديم الدعم المادي للتنظيمات الإرهابية عبر الحوالات المالية، وإرسال المقاتلين الجُدد إليهم في مناطق النزاع بسوريا والعراق.

ووفقًا لبعض التقارير المتخصصة في الشأن الإعلامي للجماعات الإرهابية فإن اللغة الإسبانية تحتل المرتبة الثالثة عشرة من بين اللغات التي يستخدمها التنظيم للترويج لأفكاره وإستراتيجياته.

السياق الإفريقي

لجأت الجماعات الإرهابية في إفريقيا، مثل حركة "الشباب" في الصومال، وجماعة "بوكو حرام" في نيجيريا، وجماعة ‏"‏نصرة الإسلام والمسلمين‏"‏ في مالي، وغيرها من الجماعات المتطرفة، إلى استخدام وسائل الإعلام في تسويق أغراضها وغاياتها وتوظيفها في تضليل الأجهزة الأمنية، ونشر ‏أخبار العمليات الإرهابية التي يقومون بتنفيذها، كما عمدت هذه الجماعات إلى تبني إستراتيجية "الخداع الإعلامي" والتي تقوم على تشويه المعلومة، وتقديمها للمتلقي بشكل مشوَّه، وقد يصل الأمر إلى الكذب على المـُتلقّي، بحيث يكوِّن رأيًا معينًا تجاه الواقع المقدَّم، يخدم مصالح هذه الجماعات ويحقق مآربها، هذا بالإضافة إلى الحرب النفسية التي تشنها هذه الجماعات للتأثير على الخصم، وهذا ما ظهر جليًّا في بعض الإصدارات التي تبثها عبر منصاتها الإعلامية والمواقع التابعة لها.

الجدير بالذكر أن هناك مواقع إلكترونية أخرى كثيرة تم إغلاقها بعدما كانت تبث تلك الأفكار المتطرفة، وفي المقابل أيضًا أطلقت تلك التنظيمات كتائبها على المواقع المناهضة لها فنجحت في إغلاق صفحة فيسبوك تابعة لوحدة اللغات الإفريقية باللغة السواحيلية بمرصد الأزهر حتى تسكت ذلك الصوت الذي كان يفضحهم ويكشف زيف ادعاءاتهم وفساد معتقدهم، إلا أن مرصد الأزهر استطاع استرجاع تلك الصفحة ومتابعة العمل عليها من جديد.

السياق الإنجليزي

منذ عام 2015 وبعد وقوع العديد من الحوادث الإرهابية على أيدي تنظيم داعش الإرهابي، قامت إدارة كل من: "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" بمحو أي محتوى له علاقة بذلك التنظيم الإرهابي وفرض المزيد من القيود على نشر المحتوى الخاص بمثل تلك الجماعات؛ لهذا لجأ التنظيم لاستخدام بعض مواقع التواصل الاجتماعي البديلة التي تمكنه من نشر محتواه دون أن تتمكن السلطات من تعقب ذلك، ومن بين تلك المواقع تطبيق "تليجرام Telegram، وجست بيست إت Justpaste.it، وشور سبوت Surespot، و"تيك توكTikTok "، كما لجأ التنظيم أيضًا لاستخدام طريقة الهاشتاجhashtag #"  والتي تتيح لعناصره والمتعاطفين معه متابعة آخر أخبار التنظيم أولاً بأول كل أسبوع باستخدامه لكلمات بحثية مثل #theFridayofSupportingISIS #CalamityWillBefalltheUS #KhilafaNews . كما لجأ التنظيم مؤخرًا لاستخدام ما يعرف بـ"الشبكة المظلمة" “Deep Web” والتي تعد إحدى الوسائل التكنولوجية غير قابلة التعقب لكل من الناشر والقارئ.

دور الحكومات في مكافحة الإرهاب الإلكتروني

لقد انتبهت العديد من حكومات العالم إلى خطورة "التطرّف والإرهاب الإلكتروني"؛ لهذا سعت وتسعى بدأب للتصدي لتلك الجماعات الدموية لنشر فكرها عبر المنصات الإلكترونية وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الأحداث الإرهابية الدامية التي شهدها العالم مؤخرًا، حيث سعت الحكومات والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات الرقمية إلى بحث سُبل التعاون الطويل المدى، وإمكانية سن وتبني حزمة من الإجراءات الجديدة التي تهدف إلى حماية حرية التعبير مع وضع حد لنشر المحتوى المتطرف على الشبكة العنكبوتية، لجعل الإنترنت أكثر أمانًا لتفادي مخاطر "التطرّف الإلكتروني"، والتصدي له.

فعلى سبيل المثال، بعد المجزرة التي شهدها مسجدان في مدينة "كرايست تشيرش" النيوزيلندية، في مارس 2019، أطلق الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، ورئيسة الوزراء النيوزيلندية "جاسيندا أرديرن"، من باريس، مع عدد من قادة العالم وأبرز مسؤولي شركات التكنولوجيا، مبادرة "نداء كرايست تشيرش"، لمكافحة ظاهرة التطرّف على الشبكة العنكبوتية.

كما أعدت النائبة الفرنسية "لاتيتيا أفيا" - عضو حزب الجمهورية إلى الأمام - إحصائية ضمن تقريرها بشأن مشروع القانون الذي تقدمت به إلى مجلس النواب الفرنسي، في 3 يوليو 2019، استكمالًا لترسانة القوانين الفرنسية التي تهدف إلى مكافحة "التطرف الإلكتروني"، ووضع المنصات الإلكترونية الكُبرى أمام مسئولياتها في توفير عقوبات أكثر صرامة وفعالية ضد مُروجي المحتوى المتطرف والإرهابي عبر الإنترنت.

وفي ألمانيا، تقوم وزارة الداخلية بإجراء إصلاحات تخص مكافحة التطرف على الإنترنت؛ حيث تم تعزيز مكتب مكافحة الجرائم بكوادر بشرية متخصصة في هذا الأمر والعمل على إعادة هيكلته، وسيتم تأسيس هيئة وطنية لمواجهة جرائم الكراهية عبر الإنترنت والتي تعمل على مراقبة الإنترنت بشكل مستمر وذلك بالتعاون مع مقدمي الخدمات ووسائل التواصل الاجتماعي بتسجيل عنوان "IP" الخاص بكل مستخدم في إطار برنامج الاحتفاظ بالمعلومات، وسيكون عبارة عن مكتب مركزي لمتابعة جرائم الإنترنت تابع لمكتب مكافحة الجرائم، وذلك بالتعاون مع الشرطة الاتحادية ومكتبي هيئة الأمن القومي.

كما تعمل الخطة في إطار الإصلاحات المخطط لها، بإلزام مشغلي الشبكات ومنصات التواصل الاجتماعي بإحالة أنشطة الكراهية والتحريض عبر الإنترنت إلى هيئة مكافحة الجرائم وذلك بدلًا من محوها، كما كان يحدث في السابق، وتأتي تلك الخطوة في الاتجاه الصحيح لتعزيز الشفافية والتعاون بين مقدمي الخدمات الشبكية والسلطات الأمنية.

وفي باكستان، وفي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بضرورة فرض رقابة، بل وحظر على ما يُنشر عبر هذه المنصات، تتعالى أصوات أخرى معارضة لهذا الأمر، ومعتبرة أن أي حظر سيدخل ضمن منصات قمع الرأي وحرية التعبير؛ حيث يرى أحد الصحفيين أنه من الجيد اتخاذ الإجراءات ضد كل من يتورط في خطابات الكراهية وللحد من انتشار التطرف الديني والإرهاب، لكن في نفس الوقت يجب عدم استخدام الأمر لقمع الانتقادات التي توجه للحكومة.

وحسب ما نشرته بعض الصحف، فقد أطلقت حكومة "عمران خان"، حملة ضد خطاب الكراهية، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ وذلك لمنع البعض من تأجيج التطرف الديني والإرهاب، حيث أعلنت الحكومة تشكيل مجموعة عمل من ممثلين عن وكالة التحقيقات الفيدرالية وغيرها من الأجهزة الأمنية لتنظيم منصات التواصل الاجتماعي، والعمل على تتبع تلك المنصات والتخلص من الحسابات المزيفة، ومقاضاة كل من ينتهك القوانين المنظمة للإنترنت في باكستان.

كما أبلغت لجنة الجمعية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (The National Assembly Standing Committee on Information Technology and Telecommunication) عن إمكانية حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل: تويتر وفيس بوك ويوتيوب في المكاتب الحكومية خلال ساعات العمل؛ للحد من تسريب المعلومات الرسمية.

أما الهند، فقد أعلنت حكومتها، في أكتوبر 2019، عبر الوثيقة القانونية التي قدمتها إلى المحكمة العليا في أنها تعتزم تطبيق قواعد لتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي؛ بسبب إمكانية إضرارها بالشأن العام الهندي، وأنها تحتاج لمدة 3 أشهر لوضع القواعد المنظمة لعمل تلك المنصات؛ للحد من تداول ونشر الأخبار المزيفة والإشاعات، والتهديدات المتصاعدة ضد الحقوق الفردية، ومن أجل سلامة الأمة والحفاظ على سيادتها وتماسكها.

إلى جانب ما سبق، فقد تم إبلاغ موقع "تويتر" عن وجود ما يقرب من (1,3) مليون تغريدة تحمل لغة الكراهية خلال الستة أشهر الأخيرة، كما قام موقع "فيسبوك" بحذف نحو (4) ملايين منشور في الربع الأول من عام 2019، مقابل (3,3) مليون خلال الربع الأخير من عام 2018، و (2,5) مليون في الربع الأول من عام 2018. وأيضًا قام موقع "يوتيوب" خلال الربع الأخير من عام 2018، بحذف ما يقرب من (16,600) قناة، و(49,600) مقطع فيديو به مشاهد عُنف، و(18,950) مقطع فيديو ذا محتوى مُسيء أو يحمل طابع الكراهية، وهي أرقام تدل على زيادة واضحة.

توصيات

لا شك أن التنظيمات الإرهابية تحاول أن تستفيد من كل الفرص المتاحة حتى تستقطب الأعضاء الجدد، ولمواجهة هذا الأمر لابد للمجتمع الدولي، حكومات ومنظمات مدنية وهيئات دينية وسياسية، تبني حزمة من الآليات تمكنه من تحصين الشباب والفتيات ضد الأفكار الضالة والشاذة التي يروجها هذا التنظيم الإرهابي، فعلى الصعيد الإعلامي والإلكتروني والميداني ينادي مرصد الأزهر بضرورة:

تفعيل قوانين مكافحة الجريمة الإلكترونية من أجل تجفيف منابع الفكر المتطرف.

تشكيل فريق كبير من المتخصصين يعملون باستمرار على رصد ومتابعة المواقع التي تبث أفكارًا تكفيرية ومتطرفة، ثم التواصل مع الجهات المسئولة لحجب هذه المواقع حماية لشبابنا من الوقوع في براثن التطرف.

التركيز على نشر رسائل مضادة على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي؛ لإظهار زيف وشذوذ الرسائل التي تروج لها هذه التنظيمات الإرهابية.

إطلاق حملات إلكترونية مشتركة بين المراكز التي تعنى بمكافحة الفكر المتطرف تحتوي على (صور، فيديوهات، هاشتاجات، استطلاعات، مناقشات حوارية) في الفضاء الرقمي والإلكتروني تتضمن رسائل تفند ضلال مناهج الجماعات المتطرفة وأكاذيبها.

العمل على إنتاج أفلام سينمائية تروج لأفكار ثقافية وأنماط سلوكية صحيحة وسطية تركز على مبادئ التعايش في سلام ومحبة الشعوب.

تشجيع المجتمع المدني على القيام بالأمر نفسه حتى نتمكن من ملء المساحة الإلكترونية والإعلامية التي تستخدمها تلك الجماعات الإرهابية.

تطوير نظام تعليمي يعمل على نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، ويسمح بتخريج شباب يمتلكون عقولا نقدية وثقافة واسعة تحصنهم ضد الأفكار المتطرفة.

تكثيف البرامج الإعلامية التي تعزز القيم الدينية الإيجابية، وتنشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، بالتعاون مع المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

عقد ندوات تثقيفية وتوعوية لشباب الجامعات؛ لتبين زيف الدعاية التي يعمل "داعش" على الترويج لها.

تبني الحكومات برامج إصلاح وتأهيل للمدانين بقضايا الإرهاب، والعمل على إصلاح البنى التأسيسية لمصادر المعرفة إصلاحًا جذريًّا

مادة إعلانية

[x]