سوريا بين طموحات القيصر وأحلام العثمانلي.. الانسحاب الأمريكي يمنح روسيا فرصة تحريك الأحداث بالمنطقة (3-3)

27-12-2019 | 17:49

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما

 

محمد أمين المصري

علي خلفية قرار موسكو بضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014، أدلى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بتصريحات مثيرة للجدل سخر فيها من روسيا التي وصفها وقتها بأنها بلد قادر فقط على إثارة المشكلات في الجوار، ولكنها وإن كانت قوة إقليمية في منطقتها إلا أنها ليست قادرة على كسب أي نفوذ على مستوى العالم.


المؤكد أن روسيا، خلافا لتصريحات أوباما، قد تمكنت من بسط نفوذها في منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، ويكفي ما قامت به من نشر قواتها محل القوات الأمريكية التي سحبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شمال سوريا ، الأمر الذي منح تركيا الفرصة لتدشين عملية "نبع السلام" التي استغلتها روسيا، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبح اللاعب الأبرز في سوريا ، بعد أن وضع قدمه على منطقة الحدود التي خرجت منها القوات الأمريكية التي تكلفت نحو 70 مليار دولار حسب تصريحات ترامب، وفقا لاتفاق "سوتشي" مع نظيره التركي رجب أردوغان عقب عملية "نبع السلام" التركية في شمال شرقي الفرات.. أما اتفاق الهدنة بين أردوغان نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس الذي أعقب العملية التركية فلم يصمد طويلا رغم أن دونالد هلل له كثيرا واعتبره نصرا دبلوماسيا له يعيد له التوازن الذي فقد من جراء قراره بالانسحاب والإضرار بحلفائه الأكراد الذين خاضوا حربا شرسة ضد "داعش" تمكنوا من هزيمة التنظيم ووقف مذابحه والقضاء عليه، وبدل أن يمنحهم ترامب هدية هزيمتهم التنظيم الإرهابي كانت صفعته لهم بالتخلي عنه وإعطاء تركيا الضوء الأخضر لاحتلال مناطقهم وطردهم منها.. وهو ما يؤكد انهيار مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، مقابل صعود روسيا كلاعب رئيسي كوسيط وصاحب نفوذ وتأثير كبيرين في الأزمة السورية والمنطقة، وربما يفوق الدور الروسي في المنطقة حاليا ما قام به الاتحاد السوفيتي السابق، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الدور السوفيتي كان لاحقا لنظيره الأمريكي بالمنطقة خلال مرحلة الحرب الباردة.

لقد مثلت عملية "نبع السلام" التركية وما سبقها من قرار مفاجئ للرئيس الأمريكي بسحب قواته (1200 جندي ) من منطقة شمال شرق سوريا ، كارثة ل أمريكا التي خسرت فرصة إعادة قواتها لمواقعها القديمة.. وكان من أهم خسائر الإدارة الأمريكية التي انسحبت قواتها بصورة مرتبكة من سوريا في أوائل أكتوبر الماضي، هو خيانة قوات الحماية الكردية حليف واشنطن القوي والمحارب الرئيس لتنظيم "داعش" في سوريا ، وزعزعة ثقة القوات السورية الديمقراطية الواجهة العسكرية للأكراد (قسد) في الولايات المتحدة، فالقوات الكردية وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الجيش التركي، حتى عندما أرسل ترامب نائبه مايك بينس إلى الرئيس التركي لم يصل سوى لمجرد اتفاق هدنة مؤقتة لم يعد الثقة إلى الأكراد، بل استفاد الأتراك من اتفاق ( أردوغان – بنيس) كفرصة لمواصلة عملية "نبع السلام" وإن كانت ببطء.

وكان لخيانة ترامب لحلفائه الأتراك صدى صعب حتى في الداخل الأمريكي وتحديدا الكونجرس الذي وجه للرئيس الأمريكي اتهامات بالتفريط في الأمن القومي الأمريكي والإضرار بسمعة أمريكا وإضعاف ثقة الحلفاء في أمريكا التي تتخلى عن شركائها بسهولة وفقا لما تقتضيه مصالحها.

في حين منح الانسحاب الأمريكي من شمال شرق سوريا ، اللاعب الروسي أوراقا مؤثرة في سوريا والمنطقة ككل، ليتعزز الوجود الروسي وتحالفات موسكو علي حساب الولايات المتحدة، إذ تزامن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته من الشمال السوري مع جولة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السعودية والإمارات، ليتمكن ساكن الكرملين من عقد الصفقات وفتح الملفات الصعبة ومنها أمن منطقة الخليج والمخاطر الإيرانية، إذ تنوي روسيا مزاحمة الدور الأمريكي الذي يملك اليد الطولي حاليا في إدارة هذا الملف، فقد تعهد بوتين للرياض وأبو ظبي ضمان أن يحقق أي اتفاق نووي مع إيران أمن الخليج وتهدئة مخاوف المنطقة وهو ما عجزت عنه الإدارة الأمريكية، مما يدفع إلى تعزيز النفوذ والتأثير الروسيين في الشرق الأوسط عموما والخليج بصفة خاصة، وكذلك تكون روسيا قد حازت ثقة قادة الخليج في مواجهة المخاطر الإقليمية لتزاحم الدور الأمريكي الذي يملك اليد الطولي حاليا في إدارة ملف الأزمات الخليجية.

والواقع أن التجاذبات الروسية في سوريا ، تسمح لموسكو لتحقيق إستراتيجيتها الرامية إلى العودة للشرق الأوسط من أوسع أبوابه والذي يمثل أهمية بالغة للروس.. فقد تمكنت موسكو منذ انتشارها العسكري في سوريا عام 2015 من تفعيل دورها وعلاقاتها مع اللاعبين الإقليميين وغيرهم، كما تجاوزت محنة قرارها بضم شبه جزيرة القرم عام 2014 وما لحق من أزمات في العلاقة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، لتعود روسيا قوية إلى الشرق الأوسط مستندة إلى وجودها العسكري في سوريا ، والتوازن الذي أحدثته في علاقاتها بكل دول المنطقة، لتحتل مكانة متميزة من النفوذ والتأثير في عقد الصفقات السياسية والعسكرية، والأهم من ذلك استحواذها على قدر كبير من النفوذ والهيمنة الأمريكية في منطقة الصراع بالشام، لتكون موسكو القوة التالية مباشرة لواشنطن وإن لم تكن قوة موازية لها.

وقد تحققت الإنجازات الروسية خلال فترة وجيزة، إذ تمكنت موسكو من عقد مفاوضات مع الأكراد وعرضت عليهم سيناريوهات المصالحة مع النظام السوري، الأمر الذي أعاد الأكراد مرة أخرى لحضن دمشق رغم بعض التلاسنات بين الطرفين (النظام السوري وقادة الأكراد) على خلفية اتهام الرئيس السوري لهم بالعمالة للأمريكيين.

ووفقا لمصادر روسية، فإن روسيا تعتزم إقامة قاعدة عسكرية جوية جديدة ب سوريا ، وتحديدا في محيط مطار القامشلي الذي تنوي استئجاره لمدة 49 عاما مثل قاعدة حميميم البحرية، لهدف نشر قواعد وأنظمة رادار صواريخ "إس 400" قادرة على رصد الأنشطة الجوية الأمريكية في العراق وسهولة تعقبها، وهو ما من شأنه تعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط ككل.

ويأتي هذا المكتسب الروسي بعد مكتسب "اتفاق سوتشي" بين بوتين و أردوغان ، لبحث تداعيات عملية "نبع السلام" التركية، وما أسفرت عنه القمة على تسيير دوريات روسية – تركية مشتركة في "المنطقة الآمنة" المقترحة، وبالتالي دخول القوات الروسية محل الأمريكية في منطقة الحدود، وهو ما يعني الاستحواذ الروسي على الدور الأمريكي، والانتصار الساحق علي الغريم التقليدي.

ولم تقف حدود الحرب الروسية – الأمريكية في سوريا عند حد تعزيز النفوذ والتأثير السياسي والعسكري سواء تقاسم أو الاستحواذ على هذا النفوذ، فقد امتد الصراع بين موسكو وواشنطن إلى المناطق الغنية بالبترول، وحسب بيانات متزامنة لوزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين (26 اكتوبر 2019) فقد اتهمتا واشنطن بسرقة البترول السوري على طريقة "قطاع الطرق" بما قيمته 30 مليون دولار شهريا ومنح بعض الوكالات والأجهزة الأمنية الأمريكية هذا المبالغ، وأن الإضرار بالاقتصاد السوري والاستيلاء علي الموارد وراء قرار الولايات المتحدة نشر قوات في منطقة شرق الفرات وتحديدا في دير الزور.

وانتقد الجنرال إيجور كوناشينكوف المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية في بيان له ما تقوم به واشنطن من بسط سيطرتها على حقول البترول في دير الزور، واصفا هذا التصرف بـ"عمل قطاع طرق ولكنه يجري على مستوى دولي"، وقال إن الموارد والثروات الموجودة في الأراضي السورية لا تعود ملكيتها إلى تنظيم "داعش" ولا للقوات الأمريكية، وإنما ملكية خاصة للدولة السورية فقط، وقد أشار المسئول العسكري الروسي لـ"داعش" هنا لأن أمريكا سبق وأعلنت أن إرسال قوات إضافية إلى دير الزور يستهدف حماية آبار البترول من سرقة "داعش" لها.

وبعد نحو أسبوعين من الاتهام الروسي ل أمريكا بسرقة البترول السوري، دخل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بقوة على خط الأزمة ليزيد من مساحة الاتهامات الموجهة لواشنطن وسعيها لفصل مناطق في شرق الفرات عن الدولة السورية وإقامة شبه دولة عليها.

وأعاد لافروف التذكير بتصريحات سابقة له بأن واشنطن، طالما حثت شركاءها الخليجيين بتوظيف استثمارات كبيرة في منطقة شرق الفرات، لأن واشنطن تنوي السيطرة على حقول البترول بها، وتضاعفت اتهامات لافروف ل أمريكا بأنها تمنع الشركاء والحلفاء في الوقت ذاته من الاستثمار في مشروعات إعادة الإعمار في سوريا ، وأنها تتعمد عرقلة جهود إعادة الاستقرار فيها.

وما يؤكد الظنون الروسية حول نشر قوات أمريكية في شرق الفرات، أن العالم فوجئ بقرار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنشر بعض القوات في شرق الفرات (600 جندي)، وذلك بعد فترة وجيزة من قراره بسحب قواته من سوريا وإطلاق يد تركيا في شمالها وإقامة المنطقة الأمنية هناك، والتضحية بحلفائه الأكراد.

وقال ترامب: "لن ننسحب كاملا من شمال شرق سوريا ".. ويتناقض هذا التصريح مع تصريح آخر للرئيس الأمريكي: "لا نريد البقاء بين سوريا و تركيا إلى الأبد ولكننا نريد تأمين البترول ومن المحتمل أن نقاتل في حال اقترب أحد وحاول أخذ البترول.. يوجد في سوريا كميات هائلة من البترول وعلينا أن نؤمنها بقوة".

فهل توقف ترامب عند مجرد تأمين البترول السوري بالقوة؟.. بالطبع لا، فقد أكد نيته باستغلاله مستقبلا لمصلحة الأمريكيين: "ربما تتولى شركات بترول أمريكية عملية التنقيب في حقول البترول السورية".. وهذا يؤكد قول لافروف إن الأمريكيين يريدون إقامة شبه دولة في شمال سوريا والسعي لفصل مناطق شرق الفرات عن سوريا ، وقد دلت تصريحات ترامب سابقة الذكر على أن الانتشار العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا لم يكن بسبب محاربة "داعش" وإنما للسيطرة على آبار البترول السورية واستغلالها لاحقا.

والتساؤل الذي يطرح نفسه في ضوء الاتهامات الروسية السابقة ل أمريكا بسرقة البترول السوري وعدم تمويل مشروعات إعادة الإعمار في سوريا وحث الشركاء الخليحيين علي الاستثمار في مشروعات بترولية هناك:" ما موقف روسيا من هذه التصرفات الأمريكية؟.. وهل ستتدخل لمنع هذه الخديعة الدولية؟"..أم ستواصل عملية تقاسم المصالح الإقليمية والدولية مع بقية اللاعبين البارزين في الأزمة السورية، وهم تركيا التي بدأت بالفعل في إقامة المنطقة الأمنية في ظل غياب الوجود السوري عن منطقة الحدود ناهيك عن احتلالها منطقة عفرين ومدن أخرى.. وإيران التي تبسط نفوذها هي الأخرى في سوريا وتمارس سيطرتها علي بعض قرارات دمشق، والأمريكيون بحصولهم على البترول السوري، هذا بالإضافة إلى لاعب بارز آخر هو إسرائيل التي تسمح لها روسيا بالتدخل عسكريا في الفضاء السوري بدون رد عسكري يوقف هجماتها ويلجم عملياتها المتكررة هناك.

لعل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يعود إلى تصريحات أخرى له عام 2015 توقع فيها سرعة خروج روسيا من المستنقع السوري عندما تدخلت موسكو وبقوة عسكريا وقتها لدعم الرئيس السوري بشار الأسد والقوات النظامية التي ترنحت كثيرا بفعل الهزائم المتكررة على أيدي الجماعات العسكرية المعارضة والتنظيمات الإسلامية المتشددة.. وقتها لم يكن لروسيا حليف بالمنطقة سوى  سوريا وبدا أن الرئيس السوري سيواجه متاعب جمة في "الوحل السوري" على غرار ما تعرضت له القوات السوفيتية إبان احتلالها أفغانستان، ولكن نتائج التدخل الروسي في سوريا خالفت توقعات أوباما وجاءت عكسها تماما، ليصبح بوتين وكما ذكرنا أبرز لاعب بالمنطقة وأكثرهم تأثيرا ونفوذا من خلال البوابة السورية.

وإذا كان باراك أوباما قد سخر من التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 لمساندة بشار الأسد وإعادة تأهيل جيشه لتحقيق الانتصارات العسكرية بعد جملة من الخسائر على أيدي المعارضة، وتوقع سرعة انسحاب بوتين من الوحل السوري، فها هو الرئيس الروسي في الوقت الراهن وقد أصبح المحرك الرئيس للأحداث في سوريا والشرق الأوسط، ويكفي بوتين الفخر بما حققه عندما راهن على بقاء النظام السوري مقابل فشل الرهان الأمريكي سواء في عهد أوباما أو ترامب على تغيير الرئيس السوري، الأمر الذي تسبب في حرج واشنطن بسبب خسارة رهانها برغم ما تكبدته من أعباء مالية ضخمة لتغيير النظام السوري، هذا مقابل ما حققه بوتين من تغيير دفة الحرب واستعادة الجيش السوري لمواقع كثيرة كان قد خسرها في بداية الحرب الأهلية، لتكون موسكو محورا رئيسيا لبحث تداعيات الصراعات الإقليمية، ويكتب للرئيس الروسي الفضل في تحقيق هذه الصحوة لبلاده، فعقد الصفقات والتحالفات مع إيران و تركيا وإسرائيل وفتح قنوات اتصال مع جميع الأطراف الفاعلة بالمنطقة ولم يترك فرصة إلا واستغلها لتحقيق أهدافه مستفيدا بكافة الأخطاء الأمريكية، لتستعيد موسكو بعض خسائرها في الحرب الباردة التي كانت نصرا ساحقا للولايات المتحدة.

إجمالا، يدرك الجميع أنه بوضع روسيا قدميها في سوريا ، فهي تحقق حلما ضائعا لدولتي القياصرة القديمة والسوفييت، فالأولى انتهت على يد البلاشفة دون أن تري لها مكانا في الشرق الأوسط، في حين حققت الثانية (الاتحاد السوفيتي) نذرا قليلا من الحلم عبر صفقات السلاح التي بدأت ب سوريا في أربعينيات القرن الماضي، ثم تلاها صفقة الأسلحة التشيكية لمصر تحت الإشراف السوفيتي.

والمثير للدهشة، أن الولايات المتحدة هي التي منحت السوفييت سابقا والروس حاليا، موضع قدم في الشرق الأوسط، ففي خمسينيات القرن الماضي رفضت تلبية المطالب العسكرية لمصر التي لجأت إلى الاتحاد السوفيتي الذي كان يقود الكتلة الشرقية، وفي الوقت الحاضر تهاون الأمريكيون في حل الأزمة السورية سواء في عهدي الرئيسين الديمقراطي السابق باراك أوباما والجمهوري الحالي دونالد ترامب، فانخرط فيها الروس، لتكون سوريا بؤرة الوجود الروسي بالمنطقة والعنوان الأبرز له، إذ استغل فلاديمير بوتين الفرصة المتاحة بعد أن توفرت له الإرادة السياسية لتتبوأ بلاده مكانة بارزة في الشرق الأوسط في وقت انسحبت فيه القوات الأمريكية من شمال سوريا ، ولم تكن سوريا الموقع الوحيد الذي يعمل فيه الروس باقتدار، فحلفاء أمريكا بالمنطقة اتجهوا أيضا صوب قبلة الكرملين لعقد صفقات اقتصادية وعسكرية مع موسكو، التي تعد حاليا المعادل الدولي لواشنطن وإن لم تكن بمثل قوة الولايات المتحدة المعهودة.

ولكن يحسب للروس أنهم وضعوا المنطقة نصب أعينهم، واستطاعوا اختراقها، في البداية ليكونوا منافسين لل أمريكا ن، على أن يستغلوا كل الفرص المتاحة لينفردوا بقرارها ولو بعد حين.. فروسيا لم تعد غائبة عن المنطقة، بل باتت لاعبا رئيسيا في النظام الإقليمي الشرق أوسطي.

تخلت روسيا عن مبدأ تقليدي لها بعدم في فترة ما بعد الحرب الباردة، بعدم التورط المباشر في الأزمات الإقليمية والدولية، إذ اقتحمت الصراع السوري سياسيا وعسكريا، بعد أن وفرت الدعم الجوي المباشر للعمليات العسكرية السورية منذ سبتمبر 2015، مما ساعد بشار الأسد في الحفاظ على حكمه واستعادة السيطرة على مدينة حلب الإستراتيجية، الأمر الذي أسهم في تعديل مسار الحرب هناك.

يؤكد التدخل الروسي نيات موسكو في الدفاع عن قواعدها البحرية والجوية في اللاذقية وطرطوس وتوسعتها، فحماية هذه القواعد أمر مهم جدا للروس إذ تكرس مدي قوتهم وحضورهم في شرق المتوسط والشرق الأوسط.. بجانب ميزة سياسية أخرى تتمثل في تحدي الوجود الأمريكي في المنطقة.

استطاعت روسيا في استمالة قادة دول المنطقة لدعم العلاقات السياسية وعقد الصفقات الاقتصادية والعسكرية، حتى وإن كان هؤلاء القادة يستخدمون روسيا لإرسال إشارات إلى  أمريكا بامتلاكهم خيارات أخرى غير الاعتماد على حليفهم التاريخي واشنطن، والمؤكد أن مثل هذا التحول يدفع روسيا الي تقويض سلطة ونفوذ الأمريكيين في المنطقة، فروسيا نجحت هنا في استغلالالاستياء الإقليمي من الولايات المتحدة لدعم نفوذها ولتحجم الدور الأمريكي.

وبغض النظر عما أصبح عليه الروس وال أمريكا ن، سيظل الصراع السوري مفتوحا على مصراعيه ما لم تتفق الأطياف والجماعات السورية كافة لتضع حدا لهذا الصراع الدموي، فكل هؤلاء كانوا وقودا لهذه الحرب الأهلية التي أكلت الأخضر و اليابس، وبأيديهم أيضا وضع الحلول الناجزة لحل الأزمة وإيجاد مخرج لها بعيدا عن تدخلات القوى الإقليمية والدولية.

[x]