هيكل .. ومدرسة العطاء بلا حدود

23-12-2019 | 20:19

 

نعم أنا لم أعمل مع الأستاذ هيكل ، ولم أتعامل معه مباشرةً، ولم أحظ بشرف التعرف عليه بشكل مباشر، ولم أسع إلى ذلك، وإنما كنت أشم ريح هيكل، وأراه كل يوم في الأهرام، حتى برغم عدم وجوده، فقد كان هيكل متجذرًا في كل ركن من أركان هذه المؤسسة الصحفية العريقة، كنت أراه في صالة التحرير، متمثلًا في ذلك الاحترام والهدوء، والسكون الذي كان يلف المكان، لم يكن يدخل صالة التحرير، التي كانت لنا، ولكل من تشرب الأسلوب الهيكلي، بمثابة المسجد، لقد كانت لها قدسية خاصة، فأنت إذا ما دلفت إليها، لا بد من أن تدخل متمهلًا صامتًا، إذا ما تحدثت مع أي زميل، يكون الحديث كأنه همس، لم نكن نسمع صوتًا عاليًا أو مرتفعًا؛ لأن كل ما كان داخل هذا المحراب الصحفي كان يعمل، خلية نحل، من يكتب، ومن يرسم ماكيتات، ومن يجلب خبرًا أو من يصحح أو يراجع، الكل يدور في فلك الكلمة، يريدها أن تصل إلى القارئ في سهولة ويسر بأجمل شكل وفي أفضل معنى.

كنت أرى هيكل في دخول (ماهر الدهبي) من باب صالة التحرير المقابل للكافتيريا، كان بمجرد دخوله، يعم الصمت، حتى ولو كان الحديث همسًا، كان ذلك يحدث في الثانية عشرة ظهرًا كل يوم، وهي ساعة الاجتماع اليومي لمجلس التحرير، كنا من ليس له عمل في هذا التوقيت، ينسحب كما تنسحب موجات البحر في موجات المد والجزر خارجًا؛ لأنه لم يكن مسموحًا الجلوس، وقت هذا الاجتماع إلا لمن كان يلزم وجوده، وإلا فلا مكان له.

كان هيكل حاضرًا في شخص الأستاذ ( صلاح هلال ) الذي أحضره الأستاذ معه من صحيفة الأخبار؛ ليتولى رئاسة قسم التحقيقات، والذي صنع نجومًا صحفية لامعة، حملت مستقبل الأهرام وإصداراته المختلفة بعد ذلك على عاتقها، منهم: الأستاذ عزت السعدني، صاحب تحقيق السبت الشهير، وأول رئيس تحرير لمجلة "علاء الدين"، وبهيرة مختار، ومحمد زايد صاحب صفحة ( اهتمامات الناس ) ومكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة الهلال ورئيس تحرير المصور الأسبق، ومحمود مهدي وغيرهم.

كنت أجلس مع صلاح هلال أتعلم منه، منه دخلت إلى قلب مدرسة هيكل، كان صلاح هلال ، ليس مجرد صحفي، أو رئيس لقسم التحقيقات، وإنما كان يرسم صفحاته بنفسه، كان يقرأ التحقيق، ثم يترك الورق الذي كتبه المحرر، ثم يعيد صياغة التحقيق من الألف إلى الياء يصبغه بصبغة الأهرام الهيكلية، يضع له العناوين، ويختار الصور التي كان يشترط أن تكون جديدة، حتى ولو كانت صورة شخصية، فلم يكن يرضى بالصور الأرشيفية.

 كان صلاح هلال يضع في جيب قميصه مجموعة من أقلام الفلوماستر الملونة، يرسم بها فكرة ماكيت الصفحة، وكنت أجلس بجواره، وبعد أن يضع الفكرة يطلب مني، أن أرسمها على الماكيت، ثم نرسل الصفحة إلى التوضيب للتنفيذ، وكان يشرف هو أيضًا على التنفيذ، ويراجع الصفحة كلمة كلمة، ولا يتركها حتى ينتهي العمل بها، وهذه هي مدرسة هيكل، وهي إتقان العمل ومتابعة كل مراحله، نعم هناك من ينفذ ويتابع، ولكن لا بد أن يكون رئيس القسم متابعًا هو الآخر؛ لأنه المسئول عن العمل أمام رئيس التحرير، وأمام القارئ.

عرفت هيكل ورأيته في طريقة عمل الأستاذ (صلاح جلال) المحرر العلمي الأول، والأشهر في مصر والعالم العربي كله، ورئيس تحرير مجلة الشباب، ونقيب الصحفيين، كان هذا الرجل كتلة نشاط، حركة دائبة، كان طائرًا معظم الوقت، تراه اليوم في القاهرة وغدًا في واشنطن، أو كندا، أو الصومال، وفي كل رحلة كان يعود بزاد علمي جديد، هكذا تعلم هو من هيكل، وتعلمنا نحن منه العطاء بلا حدود، هذا الرجل - كما يقولون- مات واقفًا، مات بعد عودته من الأهرام ذات يوم، ما إن صعد بيته ليجلس ويستريح حتى فاضت روحه.

رأيت هيكل في إخلاص (صلاح الدين حافظ) لمهنة الصحافة، وحرصه على الناحية المهنية فيها، وعمله الدائب من أجل تطوير الأداء الصحفي لجنود صاحبة الجلالة، من خلال مشواره النقابي، أو من خلال عمله أمينًا لاتحاد الصحفيين العرب، هذا الرجل كان مثالًا للأخلاق، والتجرد والعمل لصالح الصحافة والصحفيين، عندما هجمت جيوش الظلام على الصحافة، كتب مؤلفه الرائع (أحزان حرية الصحافة)، وكان له دور كبير في مد الريادة الصحفية المصرية إلى الخارج من خلال الإشراف على الطبعة الدولية للأهرام.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

كلنا في خندق واحد

"كورونا" أزمة أفراد قبل أن تكون أزمة جماعات ودول، ومن هنا حتى نتجاوزها لابد أن ننشغل بها كلنا، هي أزمة الإنسان مع الحياة من حوله، مع ذاته ومع القوى المحيطة

تصالحوا وتصارحوا مع أنفسكم ومع الله

أزمة "كورونا" التى نمر بها حاليًا، وبعيدًا عن استعدادات الحكومات، وجهود المكافحة والحماية والرعاية، يجب ألا تمر هكذا دون أن نُحاسب أنفسنا جميعًا؛ لأننا

"كورونا" .. وبعض التساؤلات المنطقية

بالطبع نثمن كافة الإجراءات التي اتخذتها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي حتى الآن؛ للوقاية من فيروس "كورونا" ومواجهة هذه الأزمة التي لم تصبنا وحدنا، وإنما تضرب

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

أنا.. و"المسائي" .. وتجربة صحفية فريدة!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الكبير .. من يجعل من التلميذ أستاذا!!

الفضيلة في رواية

الفضيلة في رواية

مادة إعلانية

[x]