في الذكرى 187 لمعركة قونية.. أبناء الفلاحين يهزمون 64 ألف جندي عثماني| صور

21-12-2019 | 16:50

معركة قونية

 

محمود الدسوقي

يصف المؤرخون معركة " قونية " بمعركة قادش الثانية، وهي المعركة التي انتصر فيها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ، ابن محمد علي باشا - والي مصر الكبير، على  الدولة العثمانية ، في مثل هذا اليوم 21 ديسمبر، من عام 1832م.


تحدث المؤرخون بإسهاب كبير عن هذه المعركة التي استمرت لمدة 8 ساعات، وعن بطولات الجيش المصري من الجنود الفلاحين الذين استطاعوا أن يتغلبوا على الجيش العثماني الأكثر عددًا منهم، ويتم أسر قائده محمد رشيد باشا، الصدر الأعظم آنذاك، حيث يؤكد المؤرخ جليبرت سينويه في كتابه الفرعون الأخير، أن جيش العثمانيين كان يضم 14 لواء مشاة، و28 سرية، من الخيالة ويتواجد معه 100 مدفع، أي مكون من 64 ألف جندي.

بعد انتصار إبراهيم باشا ، الذي رفع لواء القومية العربية في حروبه ضد الدولة العثمانية في بلاد الشام، تقدم نحو قونية وسط تحذيرات من والده الذي كان يخشى من القوى العظمي الفاعلة آنذاك، ثم حثه على التقدم أخيرا وسط إلحاح من نجله إبراهيم، وكان تنظيم الجيش المصري مكون من 25 ألف جندي، وقد سعى إبراهيم لدراسة قونية فوجد أن " قونية " ترتفع على سهل يرتفع بحوالي 1000 متر عن سطح البحر.

قالت الأساطير عن قونية ، إنها أول مدينة ظهرت بعد الطوفان، وفي القرن الثالث عشر، قام الشاعر الصوفي المنحدر من بلخ " جلال الدين الرومي " بتأسيس الطريقة المولوية فيها، والتي عرف أصحابها باسم الدراويش الدوارين، وكانت التحصينات بالمدينة غير ذات قيمة، وتقتصر على سور دعمت بأبراج صغيرة، وقد نصبت مدافع مصرية في بداية الحرب في الميمنة والقلب، ومدفعان من الاحتياطي، ومدفع الاحتياطي مع الحرس تم وضعهم في هيئة مربعين لحماية الجناحين، وكان يقود جنود الحرس سليم بك الحجازي.

كان على رأس قوات العثمانيين محمد رشيد باشا، الذي كان له سمعة حربية طيبة؛ بسبب معاركه مع الروس، وقد كان عبدا عندما كان طفلا، وهو يحب وضع اللباس الألباني، أي المعطف الضيق والسراويل الفضفاضة والعمامة المعقودة حول رأسه، وكان معه جيش يتفوق في العدد على  الجيش المصري ، وتم أسره بعد ساعتين فقط من بدء المعركة.

كانت قونية جغرافيا خلف المصريين، وعلى جانبهم الأيمن، وإلى الأمام المستنقعات التي تحاذي المدينة وعلى جانبهم الأيسر، وفي الخلف سيل من المرتفعات بمسافة ميل، وأمامهم الجبال مباشرة التي تحد شمال السهل، وكان الضباب الكثيف يغطي السهل ويجبر الجيشين على اتخاذ تدابيرهما، حتى من دون أن يرى أحدهما الآخر، وكانت هذه الظروف المناخية قد منحت دعما للقوات المصرية، حيث أضحت الأرض مألوفة لهم بسبب الانتظار، وانطلقت المواجهة في هذا المناخ القاسي، وتم أسر رشيد باشا بعد ساعتين من القتال، ويؤتي به إلى  إبراهيم باشا ، حيث يستقبله بشرف الجندية، وبعد مرور 8 ساعات من القتال أصبح النصر إلى جانب إبراهيم باشا .

كانت قوات سليمان باشا الفرنساوي "سيف" على بعد 300 خطوة، وقد اقتربت من الجيش بسبب الضباب الكثيف، وقد هبطت درجة البرد يوم الواقعة إلى 11 فوق الصفر، واصطف الجيشان في مواقعهما، يفصل بينهما نحو ثلاثة كيلومترات، ومرت لحظة خفت فيها وطأة الضباب قليلاً، فأمكن ل إبراهيم باشا أن يلمح موقع الجيش العثماني، وقد رتب خطة الهجوم ترتيبا محكما.

يؤكد جيلبرت سينويه، أن أعداء إبراهيم باشا اعترفوا أنها كانت المرة الأولى التي خاض فيها إبراهيم حربا دفاعية، وقد أداراها بشكل رائع، ولو أنه بقي جامدا تحت أسوار قونية ، فمن المؤكد أنه كان سيخسر المعركة، فقد استمد الابن من نابليون بونابرت المثل الأعلى لوالده، جزءا من عبقريته، ومن الآن فصاعدا لا شيء يوقف إبراهيم حتى البوسفور، التي تبعد 400 كيلو متر، وقد أراد التوجه نحو إسطنبول ولكن والده في القاهرة رفض.

بعد موقعة قونية ، استطاع إبراهيم باشا دخول مدينة كوتاهية، وصار على مسافة 290 كم من مدينة الأستانة، ثم أرسل كتيبة من الجنود احتلت ماغنيسيا بالقرب من مدينة أزمير التركية، وبعث رسولاً إلى أزمير ليقيم الحكم المصري بها، وقد رحبت المدينة بالحكم المصري، ولكن الأميرال روسان سفير فرنسا في الأستانة تدخل في الأمر، حتى لا يستفحل النزاع وتتخذ روسيا احتلال أزمير ذريعة لحماية العرش العثماني، فأرسل إلى إبراهيم باشا يعترض على ما فعله رسوله في أزمير، وينذره بقطع العلاقات، فلم يسع إبراهيم باشا إلا الإجابة بأنه لا يقصد احتلال أزمير، وبذلك انتهى الخلاف وعاد الحاكم القديم إلى منصبه في مارس 1833م.

في العصر الحديث، جمع أسد رستم أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت، خلال ثلاثينيات القرن الماضي، الكثير من الوثائق غير المنشورة من البيوت والمحاكم الشرعية وأحفاد أمراء الشام والقناصل، ونشرها في مجلد الأصول العربية لحكم محمد علي باشا في بلاد الشام، وهي الوثائق التي أظهرت الكثير من الحقائق والوقائع الغير متداولة في الأوراق الرسمية، وقد اعترف رستم أن الحكومة التركية أعدمت الكثير من الأوراق، وقامت بإتلافها عمدا بعد إعادة سيطرتها علي بلاد الشام، ورحيل الحكم المصري، وذلك بغية تدمير التاريخ.

وقد قام المؤرخ الكبير شفيق غربال بتشجيع المؤرخ أسد رستم علي ترقيم الوثائق وفهرستها، وبمنحة من الجمعية التاريخية المصرية، أوكل رستم لتلميذه صبحي أبوشقرا في عام 1950م، عملية ترقيم الوثائق مع ذكر أرقام الوثائق التي تتعلق بالحكم المصري في بلاد الشام تحديدا، وحروب إبراهيم باشا مع الدولة العثمانية .


معركة قونية


معركة قونية


معركة قونية

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]