ما بعد الحداثة وانتشار الروبوت (4)

21-12-2019 | 16:30

 

من أهم سمات العصر سرعة انتشار الروبوت في معظم مجالات الحياة؛ بل تقريبًا كل المجالات بعضها إيجابي ومفيد، وبعضها خطير يهدد حياة الإنسان حيث تتوقع بعض الدراسات أنه بحلول عام 2030 سيشكل الروبوت نحو 30% من قوة العمل الإجمالية، وسوف تختفي نهائيًا كثير من الوظائف والمهن الحالية، والبعض الآخر سيقلل الاعتماد على العنصر البشري بشكل كبير، ف

ي مقابل اتساع تدخل الروبوت في هذه المهن.

وتقدر استثمارات هذا العام في مجال الروبوت بنحو36 مليار دولار وتأتي الصين ذات المليار وربع من السكان في مقدمة دول العالم بنحو 25% من جملة الاستثمارات برغم توافر الأيدي العاملة بكثافة لديها؛ لأنها تعلم ضرورته ومقتضيات عصر ما بعد الحداثة؛ حيث بدأ دخول الروبوت في بعض المجالات، ويتوقع خلال العقد القادم أن يحل محل الإنسان في أعمال النظافة والطهي وقيادة السيارات ومتابعة المرور وتحصيل الغرامات وبدأت فعلا من فترة الطائرات التي تعمل دون طيار وأساليب حديثة إلكترونية؛ سواء في مجال التجسس أو الحرب بوجه عام؛ حيث يجري العمل على صنع روبوت مقاتل أو جندي يقتل ويحصد الأرواح ويصعب تدميره؛ للحفاظ على العنصر البشري.

وتبقى خطورة أن ينقلب هذا الروبوت على صانعيه ويقتل من حوله؛ بمعنى أننا قد نصنع وحشًا يصعب السيطرة عليه فيما بعد؛ ولذلك يخشى البعض أن تتفوق هذه الربوتات، وتصبح أذكى من صانعيها، ويعمل الآن الروبوت في مجال الاستقبال في عدة شركات للرد على استفسارات المواطنين، وهناك ماكينات لصناعة القهوة والشاي.. وغيره من المشروبات والمأكولات؛ حيث تعتمد شركة نستله للغذاء على أكثر من ألف روبوت داخلها، وطبيعي توسعه في المجال الهندسي وأعمال الكمبيوتر والتكنولوجيا الرقمية ونظم المعلومات والصناعات المختلفة والمواقع الإلكترونية.

وبالطبع صيانة أجهزة الروبوت وأعمال الفضاء وقضايا البيئة والغلاف الجوي وتحلية المياه، ولكن توسعات الروبوت تمتد إلى مهنة الطب والصيدلة، وحتى المهن التي يتعاظم فيها دور العنصر البشري مثل المحاماة؛ حيث تم تطوير برنامج واطسون للاستشارات القانونية بكفاءة ودقة تصل الآن إلى نحو90% من وجهة نظر الخبراء القانونيين، وهذا يعني تفوقه على معظم العاملين في المحاماة الآن، والمتوقع ارتفاع هذه النسبة في كفاءة عمل الروبوت؛ مما يعني لن يبقى من العاملين في المحاماة سوى العباقرة، والآن هم 10% فقط، والسباق مستمر.

والمتوقع ارتفاع نسبة جودة المحامي الروبوت؛ خاصة أن تكلفته محدودة جدًا مقارنة بأتعاب المحامين، ونفس المشكلة تمتد لمجال الطب والصيدلة؛ حيث أنتجت نفس الشركة "واطسون" روبوت للتشخيص الطبي للأمراض تفوق على تشخيص الأطباء، ويقدم العلاج المناسب فورًا، وبدقة تفوق الطبيب البشري.
وبالنسبة للتحاليل الطبية كانت النتائج مبهرة، وتعدت صحة التشخيص للحالة الحالية للإنسان إلى التوقع بالأمراض المحتمل الإصابة بها ووضع روشتة للوقاية ونظام غذائي مناسب لكل إنسان على حدة، وأيضًا علاج مناسب لكل إنسان، وكل هذا سيكون متاحًا مجانًا أو بتكلفة محدودة جدًا.

ودخل الروبوت أيضًا في مجال العمليات الجراحية، ومتوقع مزيد من النجاح في هذا المجال، ومع تطور الطباعة ثلاثية الأبعاد سيكون من السهل تصنيع كافة الاحتياجات البشرية؛ مثل السيارات والطائرات.. وغيرها.

ثم ننتقل للبعد الاجتماعي؛ وهو الأخطر من عدة وجوه؛ أولها على المستوى العالمي سوف تزداد الفجوة بين الدول المتقدمة والتي تملك هذه التكنولوجيا، والدول المتخلفة التي سوف تعاني من تكاليف الاستيراد والبطالة، وسوف تمتد المشكلة لداخل الدول النامية، فمن يملك هذه الأجهزة سيحتكر ويتحكم في الآخرين.

وبالطبع سيكون هناك مزايا اجتماعية للروبوت في مجالات مثل مؤانسة كبار السن وخدمتهم ورعايتهم، وفي مجال التعليم خاصة للأطفال ومرضى التوحد وغيرهم، ولكن هناك مشكلات أخرى خطيرة أهمها أن الروبوت المؤنسن أو مقلد الإنسان تم تطويره في الصين واليابان - وبلاد أخرى - على شكل امرأة تحاكي تكوين المرأة فعلًا، وتسمى في الصين " الحسناء الصينية "، وفي اليابان "ريبلي كيو"، وتصنع من نوعية معينة من الجلد يشابه البشر، وبها أجهزة استشعار، وتبدو كأنها تتنفس وتتكلم وترقص، وتحاكي المرأة فعلا، وهناك أيضًا " هنري "؛ وهو روبوت آلي يحاكي جسم الرجل، ويتوقع انتشارهما في العالم خلال سنوات قليلة، والسعر الآن لا يتجاوز ألف جنيه إسترليني.

ويتوقع عالم اجتماع إنجليزي أنه بعد نحو عشرين عامًا - أو أكثر قليلًا - سيكتفي نحو 50% من سكان إنجلترا بالزواج بالروبوتات هربًا من مسئوليات الزواج وتكاليفه ومشكلاته، وما يرتبط به من التزامات وحقوق؛ وهذا يعني بالتأكيد تراجع معدلات الإنجاب؛ مما يهدد الجنس البشري والبشرية بوجه عام، هذا فضلا عن المشكلات الأخلاقية والعنوسة وغيرها من مشكلات يصعب مواجهتها؛ مما يستلزم الدراسات المبكرة لكل هذه القضايا، والسبل السليمة للتعامل المبكر معها، وضرورة المواجهة على المستوى الدولي والعالمي في ضوء القيم الإنسانية العليا، قبل أن تصبح هذه المشكلات خارج نطاق السيطرة والتحكم، ونجد أنفسنا تحت سيطرة هذه التكنولوجيا وليس العكس.

ومن هنا أهمية الاهتمام بالعلم والعلماء والبحث العلمي، ودراسة مشكلاتهم واحتياجاتهم من خلال مؤتمر قومي لتبادل الرأي والمشورة بين المسئولين والعلماء؛ لأن الوضع الراهن يحتاج لمزيد من العمل والجهد؛ ليكون العلم والعلماء في مقدمة الصفوف لقيادة عملية التنمية الشاملة، ولمواجهة تحديات عصر ما بعد الحداثة؛ بل إن القضية يجب تناولها على نطاق العالم العربي والتخطيط المشترك؛ خاصة أن العدو الإستراتيجي يسعى جاهدًا في هذا المجال، ويكفي الإشارة إلى أن إنتاجه العلمي من الاختراعات والبحوث أكبر بكثير من إنتاج جميع الدول العربية مجتمعة، ويكفي مقارنة الإنفاق على البحث العلمي في هذه المجالات.

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد..

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة والدعم النقدي (9)

تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول الدعم لمستحقيه يجب دراستها بدقة لضمان نجاح مواجهتها.

ما بعد الحداثة والتعليم والبحث العلمي (8)

نظرية ما بعد الحداثة ترى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وأن الحقيقة نسبية " وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، وبالتالي ليس هناك من يملك الحقيقة

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

ما بعد الحداثة والمرور في العالم وفي قاهرة المعز (6)

ما بعد الحداثة مجتمع يتميز بالمدن الخضراء الخالية من التلوث أو المحدودة التلوث، حيث تعتمد هذه المدن على استخدامات الطاقة المتجددة بوجه عام في المساكن والعمل

ما بعد الحداثة والمتغيرات السياسية (5)

أحدثت ثورة الاتصالات تغييرات جوهرية، امتدت للمجال السياسي، بالإضافة إلى فشل النظم السياسية المختلفة بوجه عام في تحقيق طموحات شعوبها؛ مما أكد مضمون نظرية ما بعد الحداثة التي ترفض تعميم أي نظريات سابقة؛ لأن هذه النظريات شكلت نظمًا سياسية واقتصادية أدت إلى تدهور الأوضاع البيئية والاجتماعية لمعظم البشر

[x]