«المشبوه» بول دي مان في أمريكا.. أول سيرة عربية لعمدة ما بعد الحداثة

18-12-2019 | 19:04

بول دي مان

 

مدحت صفوت - نقلًا عن الأهرام العربي

في الجزء الأول من «السيرة غير النقدية» للمفكر الشهير بول دي مان ، التي نشرتها «الأهرام العربي» في عددها السابق، كشفنا لأول مرة عربيًا أسرار حياة الناقد الأشهر بأمريكا وكيف تعامل مع الاحتلال النازي وعمل لصالحه في حياته الأولى في بلجيكا، وفي ظل حماية عمه رئيس وزراء بلجيكا هنري دي مان، كذلك عرجنا على المحطات السياسية في حياة «بول»، وتآمره على الكيان السياسي الذي انتمى إليه.

كذلك تناول الجزء الأول من التحقيق الذي نفتحه في ذكرى مئوية ميلاد مؤلف «الأيديولوجية الجمالية» ولد في 6 ديسمبر 1919، كيف جمع بين زوجتين، بعد أن ترك أبناءه يواجهون مآسي الحياة وحدهم، وأفلس والده ونصب على كُتاب بلجيكيين حتى قضي عليه بالسجن غيابيًا 5 سنوات، ليهرب إلى أمريكا التي جرى ترحيله منها إلى فرنسا قبل أن يعود إليها على نحو غير شرعي.

وفي الجزء الثاني نستكمل رحلة البحث في الوثائق والمستندات الخاصة بـ«دي مان» وقت الحرب العالمية الثانية، بما وصلنا من مستندات نقلبها ونعيد قراءتها، كما أننا نعيد كتابة الرواية من جديد ومن منظور حيادي، إذ انطلقت أغلب الكتابات الغربية من زاوية واحدة؛ إما من منطلق الدفاع عن واحد من أشهر مفكري أمريكا والتماس الأعذار له، وإما تدينه على نحو مطلق، لنقدم أول سيرة عربية تتلمس الرؤى كافة وتضع في اعتبارها السياقات السياسية والثقافية التي عاش فيها «دي مان».

وثيقة من الأربعينيات تنشر لأول مرة

المُدان بـ«النصب»

العودة ليست كالزيارة الأولى، فالرجل أصبحت لديه علاقات أكاديمية وثقافية واجتماعية، وترتيب الأوراق باتت مسالكه واضحة في نظر «دي مان»، فإن كانت عملية الدخول غير قانونية، فمن الواجب أن تجري شرعنة الإقامة وعلى وجه السرعة والدّقة، لأن العودة إلى بلجيكا غير واردة في الحسبان.

فبعد أن تحررت بلجيكا من الاستعمار النازي، نُصبت المحاكمات العسكرية في البلاد، فهرب العمّ هنري دي مان، رئيس وزراء بلجيكا، إلى فرنسا ومنها إلى جبال الألب بسويسرا، وقضت المحكمة العسكرية البلجيكية بسجنه 20 عامًا، ليعيش العمّ بقية حياته هاربًا حتى مصرعه في حادث قطار 1953. بينما جرى استدعاء «بول» للتحقيق في النيابة العسكرية، ووجهت له تهم التعاون مع النازية ومعاداة السامية، ودافع الشاب عن نفسه مثبتًا أنه لم ينتم لأي تيار سياسي أو حزبي طوال فترة الاحتلال.

صورة من كتاب دريدا ١٩٨٧

المحاكمات التي طالت الجميع تقريبًا حتى وصلت إلى الملك ليوبولد الثالث الذي أجبر على التنحي نجا منها «بول» الذي أفادته شهادات بعض اليهود الذين عمل على إخفائهم وقت عمليات الترانسفير النازي ليهود بلجيكا، في أواخر 1942 وبدايات 1943، بتشكيك عقيدة المحققين حيال ثبوت الاتهام، ومنها ما قصته «إستر سلزني» زوجة عازف بيانو يهودي، الذي سبق أن كتب دي مان عن حفلاته، ووقت أن وجدت نفسها وزوجها مطاردين في شوارع بروكسيل، ولا مأوى مع اقتراب ساعات حظر التجوال، طرقا أبواب دي مان فآواهما، وهي الشهادة ذاتها التي روتها للأستاذ بجامعة جونز هوبكنز، نيل هيرتز، الذي عمل على توثيق حياة دي مان، قائلة «يمكنني أن أؤكد لكم أنه لم يكن معاديًا للسامية».

بعد التحقيق، أطلق سراح دي مان، فقط بقرار إخلاء سبيل دون تبرئة واضحة ودون اتهام بين في الوقت نفسه، وبعد أن افتتح مشروع دار النشر، في أقل من عامين، اختفى رأس المال البالغ 1.45 مليون فرانك بلجيكي، وأنفق جزءًا كبيرًا منه على نفقاته الشخصية وعلى زوجته «بارغيان» وأولادهما، وعمل الأب روبرت الشريك برأس المال على الحصول على تأشيرة لابنه للولايات المتحدة وترضية الدائنين، بخاصة وأن محاكمته كانت حتمية.

غيفري هارتمان

بالفعل، جرت محاكمة «دي مان» غيابيًا بعد سفره أو بالأحرى هروبه إلى أمريكا بلائحة اتهام شملت 16 تهمة تتعلق بالاحتيال وتزوير السجلات المالية لشركته؛ ليُقضى بسجنه 5 سنوات وتغريمه بمبالغ مالية باهظة، وإصدار قرار باعتقاله ووضع اسمه على قوائم الترقب، وبعد أن عجز الأب عن دفع الديون وأفلس بدوره، رفض «بول» التواصل مع والده، ليموت روبرت وهو في قطيعة مع ابنه الهارب.

لا سبيل إلا البقاء في أمريكا، فقدم إقرارًا مزيفًا بحصوله على درجة البكالوريوس أو ما يعادلها من بلجيكا، وبخطابي توصية من الأستاذ بجامعة هارفارد هاري ليفين الشاعر الأمريكي ثيودور وايس، الذي كان يعمل في كلية بارد في تلك الأيام، قُبلت أوراق بول كباحث في مرحلة الدكتوراه بالنقد الأدبي والأدب المقارن، لكنّه وكعادته يفشل في الاختبار العام للقسم في أكتوبر 1957، قبل أن يعيد الاختبار في 1959، وينجح في اجتيازه، ثم قدّم أطروحته في مايو 1960، في ظل شكوى متكررة من مشرفيه بانتماء الأطروحة إلى المجال الفلسفي أكثر من انتمائها إلى حقل النقد الأدبي، وهو اتهام يطال التفكيكيين كافة، بخاصة وأن التفكيك مقاربة فلسفية للنصوص، لكنّ دي مان أخيرًا يحصل على درجة الدكتوراه بعدما تخطى الأربعين.

موقف المشرفين من أطروحته، دفع الجامعة لأن تعرض على «بول» العمل بصورة مؤقتة وليست دائمة، وحددت الفترة بعامين، الأمر الذي رأى فيه أنصاره أن السبب هو «غيرة معلميه» التي دفعت به نحو سوء الحظ. لكن الأخير ابتسم لـ«دي مان»، ومنحه عرضًا للعمل كأستاذ مشارك للأدب المقارن في جامعة كورنيل.

في مدينة إيثاكا بنيويورك، يقبع «بول» 4 سنوات حتى يترقى إلى درجة الأستاذية في كورنيل، الجامعة التي ستمنح المهاجر شعبية جارفة، بين الطلاب والأساتذة على السواء، على الرغم من شكوى البعض بـ«غموض المحاضرات الدي مانية»، لكنّه عرف بهدوء كيف يمرر الأيام، فأحبه الكثيرون على الرغم من اتهامه بـ«البخل» أو «التقشف» في الإنفاق على مسؤوليات الحياة، ومع قلة إنفاقه عمل «دي مان» على الجمع بين الأستاذية في كورنيل والعمل كمحاضر في جامعة زيورخ، في انتهاك وصف من بعض زملائه بـ«غير الأخلاقي» للجمع بين راتبين، في الوقت الذي عملت إدارة كورنيل على ترشيد رواتب العاملين فيها.

غلاف كتاب علامات العصر

في العام 1971، انتقل «دي مان» إلى جامعة «ييل» بتأثير المنظِّر الأدبي في الجامعة غيفري هارتمان، لكنّ المؤسسة التي ستصبح مقرًا أمريكيًا للتفكيك اشترطت حينذاك على الأساتذة المتقدمين لشغل الوظيفة أن يكونوا قد نشروا ولو كتابًا واحدًا، الأمر الذي مثّل حجر عثرة أمام دي مان الذي لم ينشر كتابًا حتى الثانية والخمسين من عمره، فنتاجه كلّه كتابة مقالية، هنا يقدم هارتمان يد العون لـ«بول»، ويقترح للتغلب على الشرط أن يجمع بمعاونة آخرين مقالات لدي مان سبق نشرها ويجمعها في كتاب بعد استئذان الدوريات التي نشرت فيها المقالات، سيطلق عليه «العمى والبصيرة»، وهي الطبعة التي سيعتمد عليها سعيد الغانمي في ترجمته الشهيرة، لما أحدثته المقالات من تأثير واسع في الأوساط الأكاديمية الأمريكية.

وحوت مقالات الكتاب محاضرة في جامعة تكساس، وهي الورقة التي نشرها في مجلة «آريون» تحت عنوان «أزمة النقد المعاصر» ربيع 1967، ومحاضرة عن النقد الجديد ألقيت في نادي تاريخ الأفكار في جامعة هوبكنز، ومحتوى ندوة فرنسية عن النقد في بلدة «بلون» التي تتبع «شليسفيغ هولشتاين» الألمانية، وهي التي طُبعت في كتاب «طريق النقد» في 1966، كما شمل الكتاب دراسة عن موريس بلانشو، سبق أن نشرها في مجلة «نقد» الفرنسية يونيو 1966، ودراسة لزميله في جامعة زيورخ جورج بوليه، فضلًا عن مراجعة لقراءة جاك دريدا لجان جاك روسو، ومقال عن التاريخ الأدبي والحداثة الأدبية، كمساهمة في مؤتمر عن «فائدة النظرية في الدراسات الإنسانية»، برعاية Daedalus، وعقد في بيلاجيو، كومونة في مقاطعة كومو في منطقة لومباردي الإيطالية، سبتمبر 1969، ومقال عن «الغنائية والحداثة» الذي ألقي في المعهد الإنكليزي خلال الشهر نفسه، في جلسة عن الشعر الغنائي ترأسها الأستاذ بجامعة هارفارد روبين براور، صاحب المقولة الشهيرة «القراءة المتأنية»، وصاحب الرؤى النظرية عن «قراءة النصوص الأدبية عن كثب».

الحياة المزدوجة ل بول دي مان

معارك الشرف

مع كشف «دي غريف» عن أرشيف بول دي مان السري، بخاصة مقالته «اليهود في الأدب المعاصر»، أصيب الأصدقاء بالصدمة في صديقهم الذي توفي منذ سنوات ثلاث بأثر السرطان. تحكي لنا الشاعرة والسينمائية المصرية الفرنسية والمحاضر بجامعة السوربون صفاء فتحي، أن الأمر حقًا كان صدمة وقتها، فكيف يمكن أن يكون صديقهم الذي شاركهم الترويج للتفكيك في أمريكا والعالم «نازيًا»! الأمر لم يتوقف حد الصدمة، فراح التفكيكيون يكتبون معبرين عن صدمتهم أو مدافعين عن زميلهم بـ«ييل».

في الوقت الذي تمدُنا فيه «فتحي» صاحبة الفيلم الوثائقي عن دريدا وصديقة مقربة منه في سنواته الأخيرة، بكتاب «مذكرات بول دي مان » الذي نشر بالفرنسية والإنكليزية فقط 1989، تشير إلى المؤتمر الصحفي الذي عقده الناقد التفكيكي ورئيس جامعة فلوريدا «جون هيلس ميللر» 1987، بالقرب من «إرفاين» للرد على خصوم التفكيك التي جاءتهم الفرصة سانحة للانقضاض على استراتيجيات التفكيك.

البحث عن تفاصيل المؤتمر الصحفي، قادنا إلى كتاب « بول دي مان والنقد الأدبي في الولايات المتحدة الأمريكية» لإدوارد موروت، الصادر في فرنسا 1991، الذي ذهب إلى أن مقالات «دي مان» في الفترة من 1953 حتى 1970 ذات منهجية عالية وجودة نقدية يمكن النقاش حولها، لكنّها غير منبتة الصلة عن المهمة السياسية التي أنجزها في الأربعينيات خلال وجوده في بلجيكا.

لتقدير مدى الصدمة التي عاشها رواد «ييل»، يبدو أن سرد كيفية تحويل الجامعة الأمريكية موطنًا للتفكيك جدير بالوقوف أمامه. بدءًا من العام 1966، وفي مؤتمر «لغات النقد وعلوم الإنسان» الذي أقامه مركز الدراسات الإنسانية في جامعة جونز هوبكنز في أكتوبر، الجامعة التي عمل فيها «دي مان» لفترة، بدأت الأضواء في التسليط على عدد من الأسماء مثل دي مان، وهيلس ميللر، وغيفري هارتمان، وكريستوفر نوريس، وهارولد بلوم، وبالطبع دريدا، الذي بدأت أفكاره في الهيمنة على الساحة الأدبية، بخاصة على النقاد الرومانسيين والناقمين على موجة النقد الجديد، ويمثل بحث دريدا «البنية، العلامة، اللعب في خطاب العلوم الإنسانية» علامة التحول عن أحلام البنيوية التي تنطوي على مركزية اللوجوس، والدخول في عالم العلامة الحائمة التي لا مركز لبنيتها.

لكن التفكيك، يمكن أن نقول إن مؤشراته بدأت خارج هذه الدائرة، في كتابات الفرنسي رولان بارت منذ كتابه «الدرجة الصفر للكتابة»، الذي نشر عام 1953، وأكد فيه أن الكتابة متجذرة دائمًا في «ما وراء اللغة» وهي تنمو مثل بذرة وليس مثل خط، وتبدي جوهرًا وتهدد بإفشاء سر، إنها تواصل مضاد «contre- communication»، كما فكك بارت القيم البرجوازية بوصفها معوقًا أمام الأنثربولوجيا البراجماتية، لكن التحول الحقيقي نحو التفكيك «البارتي» يتضح في مقالته «موت المولف» 1968 أي بعد مؤتمر هوبكنز بعامين.

قبيل مؤتمر هوبكنز، كانت البنيوية بصرامتها العلمية مسيطرة على الأوساط الأكاديمية، جنبًا إلى جنب النقد الجديد، هنا يوجه أعضاء مؤتمر هوبكنز والمنتمين إلى «ييل»، بعد أن يضموا فيما بعد دريدا لهم، سهام النقد حيال التيارين المذكورين، ويبرز في هذه المعركة اسم دي مان، الذي اعتبر النقد الجديد قائمًا فوق أسس خاطئة، إذ ولا يعي على وجه الدقة طبيعة الدائرة النصية الهرمنيوطيقية باعتبارها عملية مستمرة من التفسير، تحدثْ في الزمن In time. ورأى أن النقاد الجدد بنوا قراءاتهم فوق أسس خاطئة للإغلاق الشعري. ولأن دي مان يعتبر أن القراءة فعل فهم لا يمكن ملاحظته ولا توجيهه ولا التحقق منه بأيّ طريقة، فإن عملية الفهم، تلك، مرتبطة بالزمان ومؤقتة، ومن الممكن حدوثها داخل التاريخ، بيد أن التاريخ يراوغ الأحكام الكلية بصفة مستمرة، وهو ما يمكن أن يشار إليه بـ«إساءة القراءة».

دريدا ودي مان

بعد المؤتمر شكلّ «دي مان» مع أصدقائه ذوي الأصول اليهودية، هارتمان ودريدا وميللر وبلوم، نواة لمسار نقدي جديد، وإن ظلّت كتابات «بلوم» بعيدة بعض الشيء عن «التفكيك»، لكنّ بفعل الانتماء إلى الجامعة ذاتها والصداقة، حُشر اسم صاحب «قلق التأثير» مع أعلام تفكيكيّة، ولم يقتصر هذا الحسبان على العرب، فبعض الغربيين أيضًا عدّوا بلوم منتميًا وممارسًا للتفكيك، من بينهم يوهانس برامس أستاذ بلوم نفسه، والبروفيسور بجامعة أوكلاهوما الأمريكي الشهير ڤـنسـنت ب. لـيـتش، بيّد أننا لا نراه تفكيكيًا بأي حال من الأحوال، ولا يقترب من الاستراتيجيات التي دريدا أو تلقفتها المدرسة الأمريكية بشيء.

هنا يخوض الأصدقاء المعارك، ويتصدون للمنتقدين الشُرْس الذين سنّوا أسنانهم وانتقدوا التفكيك ورجاله بما هو نقدي وما هو سياسي، ولم يغب عليهم أنّ يوجهوا انتقادات حيال السلوك الشخصي والحياة الخاصة، فتآلف التفكيكيون وكأنهم يؤسسون لـ«كومونة» نقدية، تمثل بالنسبة لهم الوجود كما تمثل «التهديد الصريح» لأصحاب الاتجاهات التقليدية.

المعركة لم تكن حقًا هينة، واستخدمت فيها كل الاستعارات الكلامية، بخاصة من الأكاديمية البريطانية أو أنصارها بالولايات المتحدة. البريطاني بيتر لبنون، لا يرى في كتابات «ييل» سوى «ثرثرة غامضة، همهمة لغوية شديدة البلبلة والغموض والتشويش»، ولا يكتفى بخوض الحرب داخل أروقة الجامعات، فتنتقل للصحف اليومية، فيصرح بروفيسور باري سميث لصحيفة «التايمز» أن وصف التفكيك بالعدمية يعني محالفته ونفاقه، كما هو الحال بوصفه بالوضوح، الصحيفة ذاتها تلقت رسالة من 9 أكاديميين من كامبريدج، وصفوا فيها كتابات أتباع ييل بـ«النكات والألاعيب والخداع والدعابات الجوفاء، فضلًا عن زيف الخطاب وسطحيته»، وهي الرسالة التي عنونت بـ«مسألة شرف».

هيلس ميللر

فيما لجأت بعض الانتقادات إلى محاولة «تفكيك» و«تفريق» دريدا عن المؤسسة الأمريكية، فيمتدح الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي أساتذة ييل في معزل عن صديقهم الفرنسي «لو أن دريدا لم يكن قد وجد أو لم يكن قد صار معروفًا في أمريكا، لشَكَّلَ تلامذة ييل مدرسة شديدة الأهمية، من المحتمل أنها ستحمل لافتة خلاف التفكيك»، لكنّها كلها محاولات بدت تأثيراتها «عدمًا» على «الكمونة التفكيكيّة».

كـ«البنيان المرصوص» وقف أعضاء «ييل» مدافعين عن هجوم نراه في غير محله في أغلبه، ولم يكن نقديًا بقدر ما كان خاضعًا للصراع السياسي والسيطرة، والإيديولوجيات، الأمر الذي استمر حتى بعد وفاة «دي مان» جراء الإصابة بمرض السرطان، في الرابعة والستين من عمره، وفي مرحلة مبكرة، مقارنة ببقية زملائه.

«حياتنا أسهل»

مات دي مان، مؤكد أنه كان يعتقد أن السر سيدفن معه في الأرض التي هاجر إليها، أما الرحيل المبكر فقد عظّم من حجم الفجيعة في نفوس الأصدقاء والزملاء بالجامعة، يبكي هارتمان زميله في مؤلف حَمَل عنوان «المياه وغوديش» بقوله «حدث مأساوي»، فيما يكتب ميللر بعد الرحيل بوقت قصير «إن الألفية التي سيسود فيها العدل والسلام العالم كانت لتأتي إذا قُدر للناس رجالًا ونساءً، أن يصبحوا قراءً جيدين بالمعنى الذي يقصده دي مان»، وهو ذاته الذي اعتبر القضية وقت كشفها «مؤامرة إعلامية» لإثناء طلاب الأدب والفلسفة وال ثقافة عن قراءة أعمال دي مان وشركائه في التوجّه الفلسفي.

يرحل الإنسان وتبقى ذكراه العلمية بما لها وما عليها، لكنّ التاريخ الذي يود أن يعطينا درسًا مفاداه أن الجميع بشر، وأن الكلّ خطاء، ولكلّ منا سجله الماضوي الذي كم تمنى ألا يقع فيه، على درجة اختلاف هذه الخطايا، يطلّ التاريخ برأسه من جديد، مستخرجًا جثة «دي مان» ليضعها على طاولة التشريح، يكسر لنا النموذج المثالي للمثقف، ذلك النموذج الذي يصنع على مقربة من دهاليز السياسة، وليس ببعيد عن مؤامراتها، لكنّها «ال ثقافة » وما تضفيه من أثر نبيل على الصورة، تجعلنا ننظر إلى كل من ينتمي إلى حقلها بتوقير ومهابة.

في الثلاثاء، الرابع من مارس 1941، تطالعنا الصحافة الأوروبية باهتمامها برحيل المؤرخ والكاتب الألماني الحائز على جائزة نوبل في السلام 1927، لودفيج كويد، الذي كان قد هرب من بلاده مع وصول هتلر للحكم 1933، إلى جنيف بسويسرا التي قضى فيها آخر حياته، ومع ذلك لا يبدو أن الصحف الألمانية اهتمت أصلًا بالنبأ، فرحيل واحد من خصوم النازية إن لم يكن مدعاة للفرح فلا بأس من تجاهله.

اليوم ذاته، كانت صحيفة المساء، تبرز مقالة دي مان «اليهود في الأدب المعاصر»، التي يصرح فيها بضرورة ترحيل اليهود من أوروبا إلى مستعمرة خارج القارة العجوز كون أصولهم ليست أوروبية إنّما أسيوية، وهم «غُزاة» سمحوا لأنفسهم استيطان ال ثقافة الغربية، التي عملت جاهدة على الحفاظ على أصالتها وشخصيتها أمام «التدخل السامي».

ورأى صراحة «أن حلّ المسألة اليهودية يمكن أن يكون في خلق مستعمرة يهودية منعزلة عن أوروبا، بما أن الحياة الأدبية الغربية لن تخسر كثيرًا، كما أن أوروبا لن تفقد سوى بضع شخصيات ذات قيمة متوسطة، وسوف يستمر كما في الماضي التطور وفقًا لقوانينه النشوئية العظيمة».

الفقرة السابقة قد تتعلق من جانب بترحيل اليهود الأوروبيين إلى فلسطين، إلحاقًا بالعصابات الصهيونية التي كانت قد استولت على أراضٍ عربية لا بأس بها، لكنّ خطورة حديث «دي مان» في رأينا يتمثل فعليًا في أنه يدعم المناقشات التي كانت تجري وقتها لنقل السكان اليهود من أوروبا إلى جزيرة مدغشقر، كمقترح طرحه بداية الرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين فرانكلين روزفلت في المؤتمر الدولي للاجئين 1938، ثم أعلن عنه رئيس قسم اليهود في وزارة العلاقات الخارجية في الحكومة النازية فرانز راديماخر، وناقشه بابا الفاتيكان بيوس الثاني عشر مع حكومتي فرنسا وبريطانيا، ثم مع هتلر، وهي المناقشات التي دعت الأخير إلى التصديق على قرار المخطط في 15 أغسطس 1940 الذي أوعز بدوره إلى القائد النازي أدولف آيخمان- الذي ستنجح إسرائيل فيما بعد في خطفه من الأرجنتين مايو 1960 وتعدمه 1962- بأن يبدأ العملية، من خلال توطين مليون منهم كلّ عام خلال 4 سنوات في الجزيرة الكائنة بالمحيط الهندي.

لم ير «دي مان» أي قيمة لكتابات الأدباء الأوروبيين ذي الأصول اليهودية، وإن بدت ملاحظة أن تأثير اليهودية عليهم كأدباء يكاد يكون منعدمًا صحيحة من الوجهة العلمية، لكنّ «بول» استهدف من مقالته استرضاء الألمان، وخاصة أنه رأى صواب الحكم بانحطاط الظواهر الأدبية التي ظهرت عقب الحرب الأولى بسبب اليهود، الذي رأى أفكارهم «شرًا مستطارًا» على نحو أبدي، بيد أنهم يروجون لأنفسهم بوصفهم «قادة الحركات الأدبية» أو آباء الرواية والشعر الحديثين.

سلطتْ أكسفورد الأدبية «The Oxford Literary» الضوء على عدم إبداء «بول» أيّ مشاعر أسف أو ندم طوال حياته حيال «الذنب العظيم» الذي اقترفه في مقتبل العمر، على النقيض أبرزتْ المجلة البريطانية ادعاءات رجل التفكيك الأمريكي «القليلة» بأنه كان جزءًا من المقاومة البلجيكية ضد النازيين خلال الحرب. بينما رأى الصحافي الأمريكي روجر كيمبل أنه يجب أن يوضع في الاعتبار عمر «دي مان» وقت التعاون مع النازية، مما يجعلنا في النهاية أمام كتابات متهورة يغلب عليها الحماس الرومانتيكي، لكنّ الصحافي الأمريكي يستدرك أن الرجل «ليس مُعفى تمامًا» فالحماس المشار إيه جاء نتيجة طبيعية لـ«طموح» الشاب الذي لم يتوان في اغتنام فرصة الكتابة في صحيفة مرموقة.

«الصدمة» تلقفها أعداء التفكيك بفرح، فمثلما وجّه رجال «ييل» سهام النقد والسخرية للمدارس والتيارات النقدية الأخرى، لم تسلم التفكيكية من النقد وتوجيه سهام التشكيك في استراتيجيتها؛ بل التندر والسخرية من أعلامها. فيتوقف الشاعر والصحافي ديفيد ليمان في كتابه «علامات العصر: تفكيك وسقوط بول دي مان » 1991، أمام مغازلة دي مان لسياسات هتلر بوصفها مركزية في الفكر الأوروبي، وقتما كان النازيون يعملون على قدم وساق لطرد اليهود الأوروبيين من وظائفهم، ويحرمونهم من ممتلكاتهم، ويساقون إلى معسكرات الاعتقال، مؤكدًا أنه من الصعب تفسير مثل هذا الموقف من شخص مثل «دي مان».

المحافظون في أمريكا، وحسبما يذكر ڤـنسـنت ب. لـيـتش، وجدوا في الحادثة تأكيدًا على اتهامهم بابتعاد رجال التفكيك عن السياسة وتجنبهم لأي ذكر سياسي، حتى لا يعاد فتح ماضيهم، الأمر الذي أهلهم لشغل المناصب في الجامعات الكبرى، ونشر الكتب والمؤلفات عبر دور النشر الرئيسية، والاحتفاظ بأدوار القيادة في المنظمات والهيئات الكبرى، ومنحهم الجوائز ودرجات الزمالة، كونهم «منتجين لاستراتيجية (متواطئة) مع المؤسسات الفكرية الحاكمة».

وفي واقع الأمر، ليس صحيحًا أن معظم التفكيكيين تجنبوا ذكر السياسة، فدريدا مثلًا له كتابات عدّة في السياسة، خاصة منذ نهاية الثمانينيات، وكان آخر مؤلفاته «ماذا حدث في حدث 11 سبتمبر؟»، كما أن له دراسة حول الدستور الأمريكي، ولا يمكن استبعاد كتاب «أطياف ماركس» من دائرة المؤلفات السياسية؛ فضلًا عن أن التفكيك بجانب كونه مقاربة فلسفية فهو موقف سياسي أيضًا.

في العام 1994، يصدر هارتمان كتابه «إعادة قراءة دي مان»، الذي قصد منه إعادة ترميم صورة صاحبه، واعتبر أنّه من الصعب حقًا ربط الصحفي الشاب صاحب الـ21 عامًا بالمنظّر المتميز البالغ من العمر 47 عامًا، وكتب انتقادات شديدة وفعالة ضد الفيلسوف الألماني مؤسس الظاهراتية، إدموند هوسرل، في مقالة «أزمة الفلسفة الأوروبية»، متهمًا الألماني بالتعصب الأعمى للحضارة الغربية والتفوق الأوروبي، في الوقت الذي كانت فيه «أوروبا على وشك تدمير نفسها باسم الادعاء بمركزيتها»، مشهرًا لافتة «ضرورة النقد الأوروبي الذاتي، سعيًا وراء الحقيقة» بتعبير دي مان.

ولم يخل دفاع هارتمان من نقد لـ«بول»، الذي جاء في مقالته «معادة السامية المبتذلة»، ليتساءل غيفري «لماذا لم يشر إلى معاداة السامية "المتميزة"؟»، فمعاداة السامية دائمًا وأبدًا مرذولة ومبتذلة، ويضيف «الكتابات لا يمكن تبريرها على أي نحو، كما جرحتني في صديق سنوات». وفي الوقت الذي ينفي هارتمان أنه سمع بماضي زميله ونفى أنه لاحظ أيّ إشارات معادة لليهود طوال رحلتهما، تزودنا شهادة الطالبة السابقة في جامعة كورنيل سينثيا تشيس، بمعرفة أعضاء «ييل» بماضي زميلهم وعمدتهم في الدراسات النقدية، ورأس الحربة في مقاومة النظرية النقدية.

ينفي أستاذ العلوم الإنسانية في «ييل» بيتر بروكس أي حديث عن معرفتهم بماضي دي مان، ليس فقط غسيلًا لليد من التاريخ السياسي «المشبوه» بقدر ما هي إشارة فعلية إلى قدرة البلجيكي المهاجر إلى إخفاء الماضي، وساعده في ذلك الظروف التي كانت تمر بالعالم أجمع، فضلًا عن قدرته في تشبيك الصداقات، هنا يصفه وقت الأزمة الناقد الأمريكي هاري ليفين «كان من أفضل أصدقائي غير الآريين». لكنّ تشيس تصر على معرفة الجامعة بتاريخ دي مان، استنادًا إلى أنّها واجهت هارولد بلوم بمقالة صديقه «المعادية لليهود» فصرخ «يا إلهي كنت أعرف»، وقد اعترف بذلك 1969 وقتما كان يرتبان لانتقاله لـ«ييل» بمساعدة هارتمان قطعًا.

الصدمة الكبرى كانت لدريدا، وفي كتابه «مذكرات دي مان» كتب مقالة مطولة بعنوان مجازي «كصوت البحر في أعماق محارة.. الحرب الدي مانية»، استهلها بأن الكل يسأله ورغم عدم قدرته على الإجابة، فإنه سيسأل بدوره عن «المسؤولية»، واعتبر أن الأمر «كارثي» فعلًا، لكنّ صاحب «أشباح ماركس» اعتبر أيضًا الهجوم على دي مان بمثابة «إبادة» و«محرقة» جديدة يتزعمها البعض لحرق مؤلفات الرجل ولو على سبيل المجاز.

يُصَدِّر بول دي مان كتابه «العمى والبصيرة» بمقولة الروائي الفرنسي مارسيل بروست «ذلك هو الخطأ الدائم الذي هو الحياة على وجه الدقة»، وكأنه يشير إلى أنه يتوجب علينا أن نتعامل مع حياته السابقة بوصفها «خطأ» ضمن سلسلة الأخطاء الدائمة التي نعيشها ونمنحها اسمًا مستعارًا «الحياة»، وأن ممارساتنا في هذه السلسلة قد لا تنتمي إلى خطاباتنا، على الرغم من أنه كان يؤمن بعدم الفصل بين الخطاب والممارسة، بوصف الأول جزءًا لا يتجزأ من الثانية، خلاف زميله دريدا الذي آمن أنه ليس من الضروري أن تؤدي الممارسة النقدية إلى الخطاب.

نتفق مع رؤية المجلة النقدية الأمريكية «المعيار الجديد» في وصفها لدفاع زملاء بول عنه بـ«الحد من المصيبة» و«تقليل الخسائر»، تحت دعوة شعارها «منح بول الحق في الخطأ» بقول دريدا، لكننّا نحترز هنا بأن الحق في الخطأ يجب ألا يقترن بإيذاء الآخرين، فهل حقًا ارتكب بول ما يدفع لأذى غيره؟ كما أن «حق الخطأ» يمكن ربطه مع فضيلة الاعتراف والإقرار، السؤال الذي وجّه إلى هارتمان ذات يوم وهو في طريقه إلى سيارته خارجًا من الجامعة، «لماذا لم يعترف بول بذنبه؟ كانت حياته ستكون أسهل»، فاتكأ غيفري على هيكل سيارته ذات الدفع الرباعي وقال: «من شأنه أن يجعل حياتنا أسهل».                                  

مادة إعلانية

[x]