سباح ماهر في بحر الأهرام الصحفي

16-12-2019 | 16:35

 

في الكلية عندما كنا ندرس الصحافة في سبعينيات القرن العشرين كان حلم كل واحد منا أن يكون صحفيًا مثل ( هيكل )؛ فقد كان هو المثل الأعلى الذي يريد أن يكون كل من يح

لم بالعمل في بلاط صاحبة الجلالة.

وأذكر أنني في اليوم الأول الذي دخلت فيه مبنى مؤسسة الأهرام بعد تخرجي في قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة دفعة يونيو 1974، وبعد الانتهاء من خدمتي العسكرية، وكنت يومها في مكتب الأستاذ ماهر الدهبي- رحمة الله عليه - وعندما سألني ماذا تريد أن تكون، وفي أي قسم تريد أن تعمل؟

كانت إجابتي العفوية: أريد أن أكتب مقالًا مثل الأستاذ هيكل .. أو أن أحرر صفحة أسير فيها على منواله في الكتابة!!.. وهنا رأيت علامات الدهشة والاستغراب مرسومة بخطوط واضحة قوية وحادة على وجه مدير التحرير الفني للأهرام، قائلًا باستغراب: زي هيكل مرة واحدة !!

وبعفوية أيضًا قلت له: نعم مثل هيكل مرة واحدة، وهل هيكل لا يتكرر، أو لا يجب أن يكون مثله أحد؟!

وبكلمات حادة وواضحة، قال ماهر الدهبي - أحد العاملين مع هيكل وتلامذته، الذي ظل طوال عمره المهني والزمني وفيًا لمدرسة هيكل الصحفية والإدارية، التي كانت وراء هذا الصرح الصحفي العظيم - بالفعل لن يتكرر هيكل ، ولن تجد مثله أبدًا، واحمد ربنا إنك ستكون في الأهرام التي بناها هيكل ، وفي أكبر مؤسسة صحفية في الشرق الأوسط.

ولأنني لم أتعود أن أتقبل أي أمر بدون مناقشة، قلت له.. ولكن هيكل ترك الأهرام وولى زمنه؛ ولأنه كان رجلًا يعرف كيف يرود الجامحين من هواة الصحافة والمتدربين الجدد أمثالي، قال لي: نعم ترك هيكل الجسد مبنى الأهرام، ولكن روحه وفكره وعقله، وأسلوبه يسكن كل شبر وكل مساحة في فضاء هذا الكيان الصحفي، الذي شهد أيام تألق الأستاذ ومجده الصحفي، الذي لن يتوقف وإذا أردت أن تكون صحفيًا حقيقيًا، تذكر هذه الكلمات، واعرف أن مدرسة هيكل في الأهرام باقية، حتى لو أراد البعض أن يمحوها، وأولى قواعد هذه المدرسة سوف أطبقه معك.

قلت له: كيف يا أستاذ ماهر وأنا لم انضم إليكم بعد؟ وكانت المفاجأة .. قوله لي: أنت من الآن معنا في قسم سكرتارية التحرير الفنية، وهذا ما أملكه لك، وهذا أول درس في مدرستنا، وهو ألا نعد بما ليس في مقدرتنا، فأنا يمكن أن أوافق على تدريبك في القسم الذي أديره، ومعنى ذلك أن تكون مخرجًا صحفيًا، ولست كاتبًا، كما تحلم؛ فمشوار الكتابة طويل، وأنت لم تبدأ خطواتك الصحفية بعد.

ولأن والدي - رحمه الله - علمني أن أقبل ما يمكن أن يقربني من بداية تحقيق الحلم، قلت له وأنا أشكر حضرتك على هذا، وسأكون عند حُسن ظنك ومن أفضل من يعملون معك، ساعتها وجدت في عيني هذا الرجل حضن الأب، وسعادة المعلم بتلميذ جديد، يرى فيه ما لم يره في نفسه.

وقبل أن تنتهي المقابلة قال، وإليك الدرس الثاني من مدرسة هيكل : نحن في الأهرام يا ابني مثل حمام السباحة ، لا يسبح أو يعوم فيه، إلا من كان قادرًا على السباحة، أو على الأقل لديه بعض المقدرة على أن يعوم، وإذا لم يستطع العوم، حتما سيغرق، وساعتها سوف نخرجه من الماء، كما يخرجون بقايا الحمام !!

صدمتني هذه الكلمات القاسية، وفكرت للحظات في معناها، وسألت نفسي، هل هي مدرسة بلا قلب؟ أم هي طريقة لطيفة ومهذبة في (التطفيش)؟ أم هي طريقة ( هيكل ية) في خلق عناصر التحدي، والتحفيز في كل من يريد أن يكون تلميذًا في هذه المدرسة؟

كانت هذه هي الإجابة الأقرب لذهني، وكان ردي: وأنا يا أستاذ سباح ماهر، لن أتوقف عن العوم أبدًا في بحركم، حتى ولو كان الموج هادرًا، وأمام إصراري، اتفق معي - رحمة الله عليه - على أن أبدأ عملي معه بعد أن أجهز أوراقي، وفي الموعد المحدد كنت أجلس في صالة تحرير الأهرام أتلقى دروسي العملية في قسم سكرتارية التحرير الفنية في شهر يناير 1976، تحت قيادة تلميذ هيكل الوفي (ماهر الدهبي) ومعه حواري هيكل الأستاذ سمير صبحي، صاحب كتاب (الجورنالجي) الذي كتبه عن مدرسة هيكل الصحفية، الذي كتب الأستاذ هيكل مقدمة كتاب (دهاليز الصحافة المصرية).

Dr.ismail52@gmail.com.

مقالات اخري للكاتب

فلما بلغ "أنور عبداللطيف" الستين .. فاض نهر إبداعه

تتقدم الصحافة وتزدهر، وتستمر بالمهنية، وتراكم الخبرات، شأنها شأن كل المهن، فلا تكون هناك صحافة بدون التواصل بين الأجيال، ولا يوجد تلميذ بلا أستاذ، الخبرة

أحمد نصر الدين..عاشق الأهرام والنيل

عندما نتحدث عن الحب نذكر نوعين: الرومانسي، والإلهي أو الصوفي، ولكل نوع أعلامه ومشاهيره، ويمكنني أن أقول إن هناك نوعًا ثالثًا من الحب، وهو "الأهرامي" فهناك

"محمد طعيمة".. الصحفي كما ينبغي أن يكون

حظيت "الأهرام" على مدار تاريخها بالأساتذة الكبار في مهنة الصحافة، عرفوا طوال فترة عملهم في الجريدة بالمهنية والموضوعية؛ ليصبحوا علامات تاريخية، حتى وإن

أسامة "الأبيض" .. شريك مجد "علاء الدين"!!

تظل "الأهرام" مدرسة صحفية كبيرة وعريقة، قدمت إلى الساحة الإعلامية خبرات وأسماء كبيرة، حتى ولو لم تتول منصب رئيس التحرير، أم رئيس مجلس الإدارة، تربت هذه الخبرات وتشربت قواعد المهنة جيلًا وراء جيل.

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

مادة إعلانية

[x]