أسرار وحكايات آثار سيدنا النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" | فيديو

26-12-2019 | 22:13

مجموعة من الآثار النبوية الشريفة

 

غادة بهنسي

نسمع حكايات كثيرة عما بقي لنا من آثار سيد الخلق نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم"، حكايات عن بردته وعباءته وأخرى عن سيفه وغيرها عن خصلات شعره - صلوات ربي وسلامه عليه، حكايات عن وجودها في مصر، وأخرى عن وجودها في تركيا، وبين هذه الحكايات ستكون جولتنا عبر الزمان لنعرف كل أسرار الآثار الشريفة لحبيبنا المصطفى "صلى الله عليه وسلم".


في مسجد الحفيد "الحسين"
حين ندخل إلى مسجد سيدنا الحسين بالقاهرة نشاهد غرفة الآثار النبوية، وهذه الغرفة تحتوي على عدد من آثار الرسول "صلى الله عليه وسلم"، ولكن كيف وصلت هذه الآثار إلى هناك؟!

عرفنا من الحكايات أن هذه الآثار النبوية نقلت إلى مسجد الإمام سيدنا الحسين في الحجرة التي بناها الخديو عباس حلمي الثاني عام 1893، وكانت هذه الآثار النبوية في مدفن السلطان قانصوه الغوري، الذي كان قد نقلها إلى مدفنه من مسجد الصاحب بهاء الدين المطل على النيل في حي مصر القديمة في منطقة أثر النبي.

داخل الغرفة نرى سيف النبي "صلى الله عليه وسلم"، ويقال عن حكايته؛ إن اسمه "سيف العضب" ومعنى العضب يعني الحاد، وقد أهداه إلى النبي الصحابي سعد بن عبادة في غزوة أحد، فأعطاه النبي لسماك بن خرشة (أبودجانة) ليعرض قوة وصلابة الإسـلام والمسلمين أمام القرشيين.

وداخل الغرفة أيضًا نجد جزءًا من قميص النبي "صلى الله عليه وسلم" وهي ثلاث قطع من النسيج، وله حكاية جميلة؛ وهي التي ذكرها أنس بن مالك: لما كانت الفتن بعد موت النبي كانت عائشة تخرج قميص رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وشعره وتقول: "هذا قميصه وشعره لم يبليا وقد بلي دينه".

وكذلك نجد بقايا عصا الرسول؛ والتي يُحكى عنها أنها العصا التي دخل بها إلى مكة، وكان يشير إلى الأصنام فتتحطم، وهو يقول "جاء الحق وزهق الباطل"، وقد تبين لنا بعد فحص العصا أنها من خشب "الشوحط"، وهو نوع من خشب الأرز الذي كان ينمو على جبال بلاد الشام في أوائل العصر الإسلامي، والقطعة الباقية منها يبدو عليها القدم الشديد، وقد غطيت العصا بطبقة من الراتنج لوقايتها من التلف والتسويس، أما الغلاف المعدني الذي يغلف معظم العصا فاتضح أنه من الفضة الجيدة، ولذلك فقد وصفت العصا بالبيضاء.

هذا بالإضافة إلى المكحلة والمرود، وعرفنا من الحكايات، أنه كان يتكحل بهما صلوات ربي وسلامه عليه، وهما من أدوات الزينة الخاصة به، فعن يزيد بن هارون عن ابن عباس، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" كانت له مكحلة يكتحل منها عند النوم.

والجزء المقعر للمكحلة، والذي يشبه الملعقة مصنوع من النحاس الأصفر، وإن كان لونها الآن، قد أصبح يميل إلى السواد، وذلك من أثر القدم، أما باقي اليد فقد كسيت بغلاف من الفضة؛ من المرجح أن تكون قد أضيفت فيما بعد، أما المرود فإنه من الحديد وقد غلف جزء من نهايته الغليظة بغلاف من الفضة، وليس من المستبعد أن يكون قد أضيف مع غلاف المكحلة كذلك.



ونجد أيضًا هناك بضع شعرات تنسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم، وبالرجوع إلى ما ورد في كتب الحديث وكتب السيرة من الحكايات عن شعره صلى الله عليه وسلم، عرفنا أن أم سلمة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام كانت تحتفظ بشعرات من شعره، وكذلك كانت عائشة أم المؤمنين تحتفظ بشيء من شعره وردائه.

وعرفنا أيضًا من الحكايات، أنه "صلى الله عليه وسلم"، أنه كان يفرق خصلات من شعره على الحاضرين من المسلمين عند حلقه، وأن أبا طلحة - رضي الله عنه - كان يقوم بمهمة تفريقه، وعلى ذلك فليس من المستبعد أن نجد من شعره شعرات طويلات أو قصيرات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي تناقلها السلف.

وفي هذا الأمر حكاية جميلة، أن بضع شعرات كانت مع الآثار النبوية بقبة الغوري ونقلت معها إلى هذا المسجد، وهم في زجاجة محفوظة في صندوق صغير من الفضة ملفوف بلفافة من الديباج الأخضر المطرز بخيوط من الفضة، ولون الشعرات يميل إلى الكستنائي الداكن، وقد يكون هذا نتيجة خضابها أو دهنها أو تطييبها فقد خضب صلى الله عليه وسلم شعره ودهنه، وهي من الشعر "الرَجِل" فقد كان شعره الشريف يتراوح طوله بين (7 - 10) سنتيمرات، حيث يبلغ شحمة أذنيه.

وهذه الآثار قد حفظت جميعها في أربعة صناديق من الفضة، ملفوفة في قطع من الحرير الأطلس الأخضر الموشي بخيوط من الذهب والفضة.

وكذلك نجد مصحفًا يحكي أنه قد كتبه سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، ويتكون من 504 من الصفحات الورقية المكتوبة بمداد يميل إلى السواد، أما خط المصحف فهو كوفي بسيط نقطت حروفه بنقط حمراء للشكل وأخرى سوداء للأعاجم.

آثار أخرى في إسطنبول
وفي مسجد الفاتح في إسطنبول أيضًا، يشاهد الزوار آثارًا أخرى مما تركه النبي مثل عباءته - صلى الله عليه وسلم - وشعرات من لحيته الشريفة المعروضة بالمسجد الذي يُعد أحد المساجد التاريخية في مدينة إسطنبول بتركيا، وعن كيفية وصول هذه الآثار النبوية إلى إسطنبول هناك حكاية طويلة تقول إن هذه الآثار كانت في منطقة تعرف بـ"أثر النبي" بمصر القديمة، والتي يرجع تاريخ تسميتها بهذا الاسم لأن فيها جمعت آثار الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ومقتنياته الشّخصية وحفظت في مصر في مسجد يقال له "أثر النبي"، الواقع في منطقة ساحل أثر النبي في المنطقة الجنوبية من القاهرة، وبقيت آثار النّبي هناك حتى جاء الفتح العثماني لمصر في عام 1571 للميلاد، وبعد سيطرة العثمانيين على مصر والهزيمة التي لحقت بالمماليك في معركة مرج دابق على يد السلطان العثماني سليم الأول، عمل على أخذ خليفة المسلمين المتوكل بالله الثالث أسيرًا إلى تركيا مع كل هذه الآثار النبوية الشريفة.

وفي إسطنبول قام الخليفة المتوكّل بالله قبل وفاته بالتنازل عن خلافة المسلمين لسلطان العثمانيين، كما قام بالتنازل عن آثار الرّسول عليه الصلاة للعثمانييّن، ومن حينها وحتى اليوم تمّ عرض آثار الرسول عليه الصلّاة والسلام في القصر المعروف باسم قصر "طوب قبو\ قابي".

وهذه الآثار هي الأخرى من المقتنيات الشخصية للرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل تلك التي في مسجد الحسين، وتشمل جزءًا من عصا النّبي الكريم الّتي كان يتكئ عليها، والسيف الذي كان يجاهد به، ومكحلة أخرى كان يستخدمها في تكحيل عينيه.

ونجد هناك أيضًا قارورة الوضوء وحجر التيمم الخاص بالنّبي - عليه الصلاة والسلام، والوعاء الذي سقي به سهل بن سعد الماء للنبي بعد أن غلف بالفضة، وكذلك ختم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مصنوع من أحجار كاميليون الحمراء وحفر عليه "محمد رسول الله"، وكان الختم مثبتًا على الخاتم الذي كان يرتديه الرّسول عليه وتناقله من بعده الخلفاء الرّاشدون حتى سقط من إصبع عثمان بن عفان في بئر إيريس، ويقال إنه بحث عنه لفترة طويلة، إلّا أنّه لم يتم العثور عليه، ممّا اضطر عثمان بن عفان لصنع واحد جديد مطابق له.

وأيضًا نجد بردة سوداء اللّون كان يرتديها النبي، وكان يستخدمها الخليفة العباسي في مباركة سلاطين المماليك، وتم حفظ البردة الشريفة في غرفة خاصّة في البهو الرّابع من القصر، وكذلك عمامة الرسول عليه الصلاة والسلام وهي باللّون الأسود، وكانت علامة الخلافة لمن أتي بعده من الخلفاء، هذا بالإضافة إلى حذاء الرّسول عليه الصلاة والسلام.

ومن الآثار النبوية الشريفة كذلك هناك شعرة من ذقن النّبي - عليه الصلاة والسلام - وشعيرات من رأسه، وسن النّبي عليه الصلاة والسلام الّذي سقط أثناء قتاله في غزوة أحد، وقد حفظ في وعاء من الذهب والفضة، ويوجد أيضًا نقش لأثر قدمه وجدت في قبة الصخرة بعد حادثة الإسراء والمعراج.

ونرى هناك أيضا رسالة النّبي - عليه الصلاة والسلام، الّتي أرسلها إلى المقوقس ملك الروم، وهي التي ردّ فيها النّبي عليه الصلاة والسلام على مسيلمة الكذاب، وراية الرّسول عليه الصلاة والسلام الحمراء، الّتي رفعها علي بن أبي طالب، أثناء فتح خيبر، وقد قام العثمانيّون بخياطتها على قطعة من الحرير الأخضر وخاطوا عليها أسماء الله الحسنى، وأسماء العشرة المبشرين بالجنّة بخيوط من الفضة.

حكم التبرك بآثار النبي
جاء في صحيح البخاري رحمه الله - عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم - عند موته درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة)، ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول - صلى الله عليه وسلم بعد موته من أدواته الخاصة.

وقد وردت أخبار عديدة من قبل بعض العلماء والصالحين من بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين رحمهم الله، تدل على حرص الناس حتى يومنا على التبرك بآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحًا، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن هذا ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما إنه قال: (اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أيريس، نقشه – محمد رسول الله).

وكذلك ما جاء في البردة والعصا اللتين فقدتا في آخر الدولة العباسية، حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة 656هـ، وعنهما قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفًا عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ العصا المنسوبة إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار).

وأخرج البخاري في صحيحه: (رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسلة بفضة، قال أنس: لقد سقيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في هذا القدح أكثر من كذا وكذا).

وفي صحيح البخاري، أيضًا عن ابن سيرين، أنه قال: قلت لعبيدة: (عندنا من شعر النبي "صلى الله عليه وسلم"، أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس)، فقال: (لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلىيَّ من الدنيا وما فيها).

ولكن أليس من الأفضل أن يكون الاقتداء بالرسول "صلى الله عليه وسلم" هو باتباع سنته والاقتداء به، والسير على منهاجه ظاهرًا وباطنًا، ففي هذا كل الخير.

قال ابن تيمية: كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي "صلى الله عليه وسلم" في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خيري الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله).

مادة إعلانية

[x]